العدد 812 - الخميس 25 نوفمبر 2004م الموافق 12 شوال 1425هـ

أميركا والفلوجة: انتصار أم كارثة جديدة؟

سمير عواد comments [at] alwasatnews.com

أبوميلاد المحمدي البالغ 43 عاماً، أب لسبعة أطفال: أربع بنات وثلاثة صبيان. قبل الاجتياح الأميركي للفلوجة اتخذت الأسرة قراراً مهماً، يقضي برحيل أبوميلاد مع الأسرة ومغادرة الفيللا التي بناها جده على أن يبقى فيها والده البالغ 64 عاما واثنان من أشقائه. غادرت الأسرة وليس معها أكثر من وثائق شخصية وبطاقات تموين. وبينما كانت الأسرة تعبر الخط الأحمر كان الضابط الأميركي سام مورتيمر يصرخ في ميكروفون مراسل لواحدة من محطات التلفزة الأميركية: «إذا هناك مدنيون فإنه من سوء حظهم أنهم يوجدون في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، سنطلق الكلاب ولا أحد في الفلوجة يعرف أي مصير ينتظره: الجحيم قادم إليهم».

إن ما بدا كأول عملية عسكرية عقب إعادة انتخاب الرئيس جورج بوش وعزم إدارته توجيه ضربة قاصمة للمثلث السني، نتج عنه ما يمكن وصفه بانتصار كارثي جديد للقوة العظمى الوحيدة في العالم. كان بوش يرغب من وراء اجتياح الفلوجة وتنظيفها، تهيئة الأجواء لإجراء أول انتخابات ديمقراطية في ذلك البلد. ولم يكن مجرد صدفة أن وزارة الدفاع الأميركية قامت بحملة إعلامية واسعة على هامش الهجوم الكاسح على الفلوجة. وكما نشرت في العالم صور الجنود الأميركان بعد الانتصار على ألمانيا وهم يوزعون الحلوى على الأطفال الألمان، قام أحفادهم بتوزيع حلوى وأوراق نقدية في الفلوجة. ومقابل كل بيت دمروه سلموا صاحبه 2500 دولار، فيما ظهرت ملصقات على الجدران يظهر فيها أطفال يلعبون وخلفهم جنود يعيدون بناء ما دمرته المعارك!

سقطت الفلوجة

أعلنت الولايات المتحدة عند بدء المعركة أن الزرقاوي، الذي حمّلته مسئولية خطف الرهائن الغربيين والتفجيرات في بغداد وغيرها، قد أفلح في الفرار ربما إلى كركوك وفقا لآخر الشائعات! ليس الزرقاوي فقط نجح في اختراق الخطوط العسكرية الأميركية والعراقية بل معه أيضاً مئات المقاتلين الذين تقول الولايات المتحدة إنهم ينتمون إلى تنظيم «القاعدة»! وبعد ثمانية أيام أعلنت الحكومة العراقية المؤقتة نهاية معركة الفلوجة والتي كان حصادها وفقاً للأرقام الرسمية 1200 قتيل في صفوف «المتمردين»، إضافة إلى 1000 معتقل. وراح الجنود العراقيون يبحثون في صفوف المعتقلين عمّن حلقوا لحاهم خشية افتضاح أمرهم.

إن أهم ما قاله رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي بعد سقوط الفلوجة: «لم تقع إصابات في صفوف المدنيين»، لكن أبا ميلاد المحمدي الذي كان يعمل مدرساً للغة العربية، قال بكل بساطة: «إن علاوي كاذب». فبعد مرور يومين على الهجوم تحدث مع شقيقيه بالهاتف، ومنذ ذلك الحين لم يجب أحد على الهاتف غير والده. أما الفيللا فقد تعرضت للدمار وطمر شقيقاه تحت ركامها. ويحمّل أبوميلاد المسئولية للأميركيين والحكومة العراقية المؤقتة.

ووفقاً لتقديرات الصليب الأحمر الدولي فقد قتل خلال معركة الفلوجة 800 طفل وامرأة ومسن. وفي تقرير أعدته المفوضة العليا للجنة حقوق الإنسان لويز أربور، ارتكب الغزاة جرائم حرب ونكّلوا بالمدنيين وأجهزوا على بعض الجرحى عوضاً عن استخدامهم المدنيين دروعاً بشرية. وفي التقرير أيضاً اتهامات لمقاتلي النظام السابق في الفلوجة الذي ظهر بعد انهيار سلطة صدام حسين، إذ لم يعر هؤلاء البعثيون السابقون أية أهمية لأمن وحياة المدنيين. وقالت خولة محمدي إن الحياة في الفلوجة كانت شبيهة بالحياة في قندهار إبان عهد الطالبان.

إن مثل هذه الرواية وعمليات إعدام الرهائن الأجانب المصورة بالفيديو والتي نشرت عبر الانترنت، وآخرها إعدام البريطانية مارغريت حسن التي كانت تعمل في منظمة إنسانية (كير إنترناشيونال) قدمت الدليل على أن هؤلاء القتلة لا يعرفون الرحمة.

الجنود الأميركيون أيضاً لا يعرفون الرحمة، وهم الذين أتوا إلى العراق رافعين شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وكان واضحاً للمراقبين أن المدنيين في الفلوجة سيدفعون ثمناً غالياً. ويعتبر العراقيون العمليات العسكرية عقاباً جماعياً ضد المدنيين. وهذا ما أكدته عملية إعدام جريح عراقي داخل مسجد شاء القدر أن يشهد العالم هذه الجريمة البشعة لأن أحد مصوري محطة التلفزيون الأميركي (إن بي سي) رافق قوة المارينز التي دخلت جامع الفلوجة ولم يكن أحد داخله يشكل خطراً على الجنود، فالذين افترشوا الأرض كانوا قتلى بينهم جريحان قام أحد الأميركيين بالإجهاز عليه، أمام الكاميرا وأشعل بذلك غضباً واسعاً في العالم العربي. كما أثارت هذه الجريمة استياء واسعاً في الغرب، لكن واشنطن تصرفت بصورة لم تنم عن أنها تأثرت كثيراً، ولم يهزّها كونها هي التي «تحمل راية الحضارة» بينما يمارس جنودها هذه البربرية. ولم يحصل العالم على شيء غير تصريح أنه سيصار إلى التحقيق في إطار المؤسسة العسكرية.

حين وقعت جريمة الحرب داخل المسجد بالفلوجة لم تكن القوة العظمى تعافت بعد من نتائج فضيحة ممارسات التعذيب السادية في سجن أبو غريب. وهي التي خسرت صدقيتها وخصوصاً عند العرب الذين زاد اعتقادهم أن القوة العظمى تريد فرض الديمقراطية عليهم بواسطة الدبابات.

ويلاحظ المراقبون أنه منذ إعادة انتخابه فإن الرئيس الأميركي بوش يمارس سياسة القبضة الحديد في العراق، إذ لم يعد هناك ما يخشاه داخل بلده. ويستبعد أن يغيّر بوش نهجه، وهو ما أكدته التغييرات التي أجراها في إدارته، إذ حرص على تسليم مناصب مهمة إلى الصقور الذين يشجعونه على نهجه المتشدد. أما من لا يتفق في الرأي مع بوش فعليه الرحيل، سواءً في الـ «ي آي إيه» أو في الخارجية الأميركية، وكان في مقدمتهم وزير الخارجية نفسه كولن باول والذي كان سيسعد طبعاً لو أن طلب منه بوش مواصلة العمل في منصبه. لكن بوش اختار مستشارة الأمن القومي لتشغل منصب وزير الخارجية بدلاً من باول، الذي وصف مرة العلاقة بين بوش ورايس بأنها علاقة فوق العادة. فهي حتى عطلة نهاية الأسبوع تمضيها مع بوش وزوجته لاورا. والوقت الوحيد الذي تبتعد فيه عنه هو ظهر يوم الأحد لتعزف البيانو مع فرقة بمدينة واشنطن! وهي التي قال عنها وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر إنها «امرأة ناعمة لكنها تتحول إلى مفاوض متصلب عند التطرق إلى السياسة».

لكن الوقت لن يطول حتى تظهر أبرز القضايا التي ستعمل بها رايس مثل النزاع النووي مع كوريا الشمالية والنزاع النووي مع إيران الذي يحاول الأوروبيون التوسط فيه منعاً لصدام عسكري بين القوة العظمى وإيران. وقبل كل شيء يحاول رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير تحسين سمعته داخل بريطانيا والعالم العربي من خلال إلحاحه على بوش كي يعمل من أجل وضع حل نهائي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد كلف ولاء بلير لبوش وخططه الحربية خسارة الكثير من صدقيته، لكن بوش لا يستعجل الأمور إذ لم يختار حتى الآن مبعوثاً لـ «الشرق الأوسط» ولم يدعُ إلى قمة لبحث السلام في «الشرق الأوسط» حتى بعد وفاة عرفات. ويفضل نائبه ديك تشيني أن يحل شارون نزاع «الشرق الأوسط» على طريقته الخاصة مع الفلسطينيين وبدعم سياسي ومالي من واشنطن.

الحياة بعد انتخابات الرئاسة الأميركية لا تختلف كثيراً عن الحياة قبل إعادة انتخاب بوش. فبالنسبة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك فإن العالم أصبح أكثر خطرا بعد حرب العراق. وعموماً ليس هناك ما يثبت أن معركة الفلوجة غيّرت الوضع الأمني في العراق، والولايات المتحدة ستبقى سنوات طويلة في هذا البلد بحجة أنه حين يغادر الجنود الأميركيون سينتشر مقاتلو المقاومة العراقية مكانهم، إذ يحسب الاحتلال مئة اعتداء على قواته يوميا، فيما تزيد سياسة العنف التي يمارسها الأميركيون من حال الفوضى في هذا البلد. ويقول الخبير العسكري البريطاني كريس بالامي: «وراء كل قتيل عراقي هناك 5 أو 10 أو ربما 20 من أقربائه هم على استعداد للثأر له» وهي حقيقة لم تستوعبها القوة العظمى بعد

العدد 812 - الخميس 25 نوفمبر 2004م الموافق 12 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً