العدد 872 - الإثنين 24 يناير 2005م الموافق 13 ذي الحجة 1425هـ

حرب الجلبي والشعلان

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

حرب الإعلام بين أحمد الجلبي وحازم الشعلان والاتهامات المتبادلة بالسرقة والسطو على المال العام تكشفان حقيقة ذاك "النموذج الديمقراطي" الذي وعدت به الولايات المتحدة منطقة "الشرق الأوسط الجديد". فالعراق الجديد لا يختلف كثيرا عن ذاك القديم إلا في جوانبه التنظيمية. فالجديد تستبد به الفوضى والقديم يستعبده الفرد "القائد المهيب كما أطلق على نفسه". والفارق بين النموذجين هو في الكمية وليس في النوعية. والناس في الحالين خارج المعادلة تنساق إلى اللعبة السياسية كأدوات يحتاج إليها النظام لتبرير وجوده وإعطاء صفة شرعية لحكمه أو تحكمه بالثروة والخامات.

الكلام عن الفساد وتهريب الأموال والاتجار بثروة العراق الذي انفجر في سلسلة اتهامات متبادلة بين الجلبي والشعلان ليس جديدا وانما الجديد فيه خروجه من السرية إلى العلنية. وما يقال في كواليس بغداد أكثر بكثير مما أعلن عنه.

الأموال المنهوبة والمسروقة والمهربة تفوق المليارات من الدولارات، والصفقة الأخيرة التي قيل إنها تتراوح بين 300 و600 مليون دولار هي جزء بسيط من المال العام الذي جرى التصرف به بعشوائية ومن دون قيود أو احترام للقوانين. فهناك مليارات نهبت في السنتين الأخيرتين شارك فيها الحاكم المدني "المندوب السامي" بول بريمر ومجموعات من الشركات الأميركية وهيئات استثمارية مجهولة الاسم والهوية. وحين خرج مندوب الاحتلال الأميركي واستبدل بحكومة عراقية مؤقتة لم تتوقف سياسة السمسرة والاحتيال على المال العام. فالحكومة تصرفت فعلا بأنها مؤقتة وعمدت خلال فترتها المحددة بين يونيو/حزيران 2004 ونهاية يناير/ كانون الثاني 2005 إلى ترتيب قنوات لتصريف الأموال وأهملت الكثير من المشروعات الحياتية التي يحتاجها الناس من مياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات. حتى تلك الأموال التي رصدت لتجديد خطوط الكهرباء وقنوات تصريف المياه وإعادة بناء ما دمرته الحرب ذهبت هدرا إلى جيوب بعض المقاولين والوسطاء.

الحرب التي اندلعت بين الجلبي والشعلان هي جزء بسيط من حقيقة ما يحصل وكشفت فقط عن رأس جبل الجليد بينما الأموال المنهوبة والمسكوت عنها فتقدر بعشرات أضعاف ما أعلن عنه من مغانم وأسلاب. فالحكومة المؤقتة هي معينة ووراء كل وزير توجد هيئة من المستشارين عينتهم الإدارة الأميركية. والهيئة المعينة تملك القرار وتضع الخطط والوزير مجرد واجهة عراقية للاحتلال الرسمي. والكلام الذي قيل عن تهريب مبالغ تتراوح بين 300 و600 مليون دولار سحبت من المصرف المركزي ونقلت بالشنط وتوجهت بالطائرة إلى لبنان أو الأردن لتمويل صفقة أسلحة لمصلحة وزارة الدفاع العراقية هو واجهة للعملية. فهذا لا يمكن أن يحصل بقرار وزير ومن دون مشورة وموافقة هيئة المستشارين الأميركية. فكل الصادر والوارد لا يخرج أو يدخل من دون علم وخبر من السفير الأميركي وبإشراف مباشر من الاحتلال.

الاحتلال ليس خارج الصورة بل هو الذي يدير اللعبة ويراقب الشاردة والواردة ويخطط لكل خطوة تقوم بها الحكومة المعينة. وبالتالي فالاحتلال هو المسئول المباشر عن عمليات جرف الأموال ونهب المتاحف وتحطيم الآثار وسرقة المعاهد والكليات. والاحتلال في المعنى المذكور يتحمل مسئولية الفوضى العامة في بلاد الرافدين سواء فوضى العمليات العشوائية المشبوهة التي تطاول الكنائس والمساجد والجوامع والحسينيات أو فوضى عمليات غسل الأموال والتهريب والتوظيف والاستثمار.

فالاحتلال تصرف منذ اليوم الأول للحرب على العراق وكأن بلاد الرافدين هي مجرد حقل اختبار للقوة وهي الميدان البشري لاختبار أسلحته الجديدة. وحين سقط النظام في العراق تصرف مع الأرض والثروة والناس كغنائم حرب ومن حقه السيطرة عليها وسلبها وتوزيعها وإنفاقها بالأسلوب الذي يراه.

حرب الإعلام بين الجلبي والشعلان أعطت صورة مكثفة عن حرب الفساد السرية التي وقعت في العراق بعد سلبه من قبل المحتل الأميركي. والحرب الإعلامية المكشوفة هي مجرد عناوين عريضة لأخبار لا تعد ولا تحصى تسربت من بلاد الرافدين ويتداولها الناس في البيوت والشوارع والمقاهي والمنافي.

الكلام الاتهامي بين الجلبي والشعلان صحيح وأقل بكثير من الواقع المأسوي الذي تعيشه البلاد في ظل الاحتلال... إلا أن الجانب الحقيقي منه لم يذكر وهو أن الولايات المتحدة مسئولة عن ما جرى. وواشنطن وحدها تتحمل مسئولية جرائم وسرقات "النموذج الديمقراطي" في "العراق الجديد"

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 872 - الإثنين 24 يناير 2005م الموافق 13 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً