العدد 897 - الجمعة 18 فبراير 2005م الموافق 09 محرم 1426هـ

ظاهرة اللطم في شعائر العزاء الحسينية... المنشأ والتاريخ

تحتل فقرة "اللطم" موقعا لافتا في مراسم إحياء عاشوراء وما يتلوها، كما تبرز واضحة في مجالس إحياء ذكريات وفيات وشهادة اهل البيت "ع"، في المراكز التقليدية لهذه المجالس وهي المدن الشيعية المقدسة والتجمعات الشيعية الأخرى. وقد تطورت ظاهرة "اللطم" في مراسم العزاء، حتى صارت لها أعراف خاصة، وأنماط معينة، وزاد من تطورها تخصص البعض في إنشاد الشعر الرثائي، ولا سيما الشعبي منه، وبطرق وأساليب تراعي تلك الأعراف والأنماط. وقد يتألق وبشكل لافت مع بعض المتميزين ممن يعرفون بـ "الرواديد"، وهي مفردة مأخوذة من "ترديد" الأبيات الشعرية الرثائية على وتيرة تتناغم مع نوبات اللطم.

وبعد تراكم أساليب وطرق اللطم المرتبط بمراسم عاشوراء، تميزت بعض البلدان والمناطق، بنحو خاص وأسلوب معين من أساليب وطرق اللطم، فللشيعة الهنود أسلوب أخاذ وعاطفي جدا في نمط لطم متواصل سريع ومثير، كما يتميز أهل البحرين بنمط خاص من اللطم، ذي النوبات الكثيرة المتواصلة بحماس وإيقاع خاص، بينما تجد البرود والهدوء سمة ظاهرة في اللطم الإيراني، كما وتجد طرق اللطم واضحة بين مدينة وأخرى، وحتى في البلد الواحد، فهذا لطم كربلائي، وهذا أسلوب نجفي وهكذا...

إن اللطم يعتبر ظاهرة جديدة غير بعيدة الجذور في بعض المناطق، كما في لبنان وبعض القرى الشيعية بسورية، إذ برزت مع نجاح الثورة الإسلامية انعكاساتها المتنوعة الجوانب ومنها ما يخص واقعة كربلاء، ولاسيما في كثرة المجالس الحسينية وبروز ظاهرة اللطم الذي اتسم بالسرعة والحماس. ولابد من العودة لمحاولة تأرخة هذه الظاهرة، ورصد بعض الشواهد التي أشارت إليها، من دون أن نتعرض لموقف الشرع منها إيجابا أو سلبا، فلذلك بحث آخر.

"اللطم" لغة يأتي قريبا أو مترادفا مع مصطلح آخر وهو "اللدم".

ففي لسان العرب: اللدم هو ضرب المرأة صدرها، أما معنى اللطم "ضربك الخد وصفحة الجسد ببسط اليد". وفي المنجد: "إن اللدم هو ضرب الوجه في المآتم". أما اللطم فهو "ضرب الخد أو صفحة الجسد بالكف مفتوحة أو بياض الكف". فنجد أن معنى اللطم أو اللدم قد يأتي واحدا في المصطلحين، فهما لفظان مترادفان إذا.

من الناحية التاريخية، المتعلقة بواقعة كربلاء، فإن أول إشارة، في هذا الموضوع، تبرز ليلة عاشوراء حينما أوضح الإمام الحسين "ع" لأخته زينب "ع"، عما ستؤول الأمور إليه فبكت زينب، "وبكت النسوة معها، ولطمن الخدود، وصاحت أم كلثوم: وامحمداه واعلياه واإماماه واحسيناه واضيعتنا بعدك". وأوردت بعض المصادر، أن أول إشارة كانت قد سبقت ما ذكرنا بساعات، أي في عصر يوم عاشوراء، حينما زحف الجيش الأموي نحو مخيم الحسين "ع" والحسين كان قد خفق برأسه فأخبرها بما رآه في رؤياه له، فلطمت زينب وجهها وصاحت، فقال لها الحسين مهلا مهلا "اسكتي ولا تصيحي فيشمت القوم بنا".

ثم ذكر لطم الوجه مرة أخرى، ساعة رحيل عائلة الحسين "ع" عن كربلاء يوم الحادي عشر من المحرم، فلما مروا بجثث القتلى، صاحت النساء ولطمن خدودهن، وصاحت زينب: "يا محمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء".

وأما أول إشارة إلى لطم الصدور، فقد جاءت بعيد مقتل علي الأكبر، إذ رجع به الهاشميون إلى المخيم، فاستقبلته النساء، "ينظرن إليه محمولا قد جللته الدماء بمطارف العز حمراء، وقد وزع جثمانه الضرب والطعن، فاستقبلنه بصدور دامية". أما ما ورد في قصائد الرثاء الحسيني، ذات الوفرة الواسعة، إذ لم يأت من الشعر الرثائي مثلما جاء في رثاء شعراء الطف، فأول إشارة إلى اللطم قد تكون في قصيدة دعبل الخزاعي، الذي ورد إلى مرو، بعد وصول الإمام الرضا "ع" إليها أيام كانت عاصمة الدولة الإسلامية في فترة حكم المأمون العباسي، وقد تقاطر الشعراء على الإمام ومنهم دعبل بتائيته المشهورة والتي مطلعها:

تجاوبن بالأرنان والزفرات

نوائح عجم اللفظ والنطقات

ويقول فيها:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا

وقد مات عطشانا بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنده

وأجريت دمع العين بالوجنات

ما ذكرناه يمكن أن نطلق عليه مصطلح "اللطم النعوي"، وهو اللطم الذي صدر عن مفجوعات أهل البيت "ع"، وقد برز اللطم كنمط من أنماط إبداء الحزن والتجاوب العاطفي مع وقائع كربلاء، وهو الذي أصبح أسلوبا من أساليب إحياء واقعة الطف.

وهذا النوع من اللطم "الهادف" الذي يبرز من شدة التأثر والتعاطف مع مصائب العترة الطاهرة ظل غير موثق، إذ كان يبرز مصادفة مع بعض الشوارد من الشواهد التاريخية أو الأدبية التي سجلتها بعض المصادر، كما قالته المصادر التي يمكن أن تعنى بهذه الشعيرة من شعائر الطف.

فقد سجل ياقوت الحموي في معجم الأدباء وهو يترجم للشاعر الخالع الرافقي، حدثني الخالع، قال: كنت مع والدي في سنة ،346 وأنا صبي في المسجد بين الوراقين والصاغة، من أسواق بغداد، وهي غاصة بالناس، وإذا برجل قد وافى، وعليه صفات المتصوف، فسلم بصوت يرفعه، وقال: "أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها! فقالوا: مرحبا بك وأهلا، فرفعوه، فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ قالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا في النوم فقالت: امض إلى بغداد واطلبه، وقل له: نح على ابني بشعر الناشئ، الذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي لكم يتقطع

بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

وكان الناشئ حاضرا، فلطم لطما عظيما على وجهه، وتبعه المزوق، والناس كلهم.

وكان أشد الناس في ذلك اليوم الناشئ ثم المزوق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم، إلى أن صلى الناس الظهر وتقوض المجلس".

فقد يكون ما حدث ببغداد آنذاك هو أول ما سجل من لطم عام، ويبدو أن اللطم صار أسلوبا من أساليب إبداء الحزن وإظهار الألم لواقعة الطف. على أن اللطم شهد أفضل أجواء له، بعد هذا الحادث بسنين عدة، وذلك في أيام البويهيين ببغداد، وبالتحديد منذ عاشوراء سنة 352هـ، فقد نزلت مظاهر العزاء الحسيني إلى الشوارع العامة ببغداد، وبرزت بعد عشرات السنين من التغييب والكبت والاختفاء، وأسرعت أقلام المؤرخين وكتاب السير إلى تسجيل ما حدث في بغداد في عاشوراء تلك السنة، ثم استمرت لعدة سنين، أو بشكل متتال طوال فترة الحكم البويهي الشيعي لبغداد إلى أن جاء السلاجقة، إذ اختفت تلك المظاهر العزائية سنة 474هـ.

ولو رجعنا إلى أيام الإمام الصادق"ع" وتوقفنا عند حوار بينه وبين أحد أتباعه، وهو ابن حماد الكوفي الذي بادره الإمام متسائلا: بلغني أن قوما يأتونه "قبر الحسين" من نواحي الكوفة، وناسا من غيرهم، ونساء يندبنه، وذلك في النصف من شعبان؛ فمن قارئ يقرأ، وقاص يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي!

فقلت له: "نعم جعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف".

فقال "ع": "الحمد لله الذي جعل في الناس، من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا".

وأول إشارة وردت إلى أن اللطم سجل كظاهرة في المراقد المقدسة، كان ببغداد في أواسط القرن الخامس الهجري، في مشهد الإمامين الكاظم والجواد "ع"، وقلما تعرض مصدر إلى مسألة اللطم وتسجيل رقم حولها، إلا ما ورد عرضا، ومن الأمثلة القليلة على ذلك ما ورد في بعض كتب الرحلات القديمة أو المعاصرة مثل ما ورد في كتاب "رحلات عبدالوهاب عزام"، فقد جاء فيه وهو يصور دخوله إلى الصحن الحسيني المبارك بكربلاء: "ولجنا الباب إلى ساحة واسعة، فإذا إلى اليسار جماعة قد وقفوا صفوفا يدقون صدورهم دقات موحدة موزونة، وأمامهم منبر عليه خطيب يتكلم عليهم". وهذه بعض الشواهد والأرقام التي يمكن أن تسلط الضوء على تأريخ ظاهرة اللطم ضمن شعائر العزاء الحسيني.

* عالم دين عراق

العدد 897 - الجمعة 18 فبراير 2005م الموافق 09 محرم 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً