العدد 936 - الثلثاء 29 مارس 2005م الموافق 18 صفر 1426هـ

ماذا تريد واشنطن؟

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

ما هي الحدود التي يمكن أن تقف عندها الضغوط الأميركية على لبنان؟ حتى الآن تبدو الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات. فأدوات التدخل في الشئون المحلية تزايدت بعد اغتيال رفيق الحريري حين تحولت الجريمة إلى ملف دولي أضيف إلى القرار .1559 فالقرار الآن بات يشتمل على أربع فقرات. وكل فقرة تحتاج إلى معالجة مستقلة، وهي في مجموعها العام تشير إلى نمو السياسة التدخلية الدولية في الشئون اللبنانية.

لبنان اليوم لم يعد وضعه كما كان عليه قبل سنة تقريبا. فالحوادث متسارعة، والضغوط مستمرة، وقواعد اللعبة تغيرت والأمور تسير نحو مزيد من التصعيد الأمني. فالولايات المتحدة تحاول الآن أن تستفيد من الفراغ السياسي الذي تولد مع بدء انسحاب القوات السورية وأجهزتها من البلاد. فالوجود العسكري الذي استقر في لبنان منذ العام 1976 أسس منظومة علاقات من الصعب تفكيكها من دون إحداث خلل في التوازنات المحلية وامتداداتها الإقليمية. وتفكيك منظومة العلاقات يحتاج إلى وقت. ومسألة الوقت تتطلب أميركيا المزيد من الضغط لاختصار فترتها. وهذا لا يتم من دون اضطرابات أو قلاقل شهدت الساحة بعض ملامحها ويتوقع أن تشهد الكثير منها.

إلا أن المشكلة تبقى تتعلق بتلك الحدود التي ستبلغها الضغوط والمدى الذي ستقف عنده. فهل ستواصل واشنطن ضغوطها على دمشق بعد استكمال انسحابها العسكري المتوقع الانتهاء منه قبل الانتخابات النيابية في مايو/ أيار المقبل؟

الأجوبة الأميركية حتى الآن غامضة، وربما تتعمد واشنطن عدم توضيح خططها بهدف إرباك القيادة السورية ووضعها في موقع الطرف الضعيف في المعادلتين الإقليمية واللبنانية.

ماذا تريد الولايات المتحدة من سورية؟ الانسحاب العسكري من لبنان أم الانسحاب السياسي أيضا؟ وهل تريد قطع العلاقات التاريخية - الجغرافية وتوابعها من صلات ثقافية ومصلحية وتجارية وغيرها بين البلدين، أم ستكتفي بهذا القدر من الضغوط؟

الأجوبة الأميركية مبهمة حتى حين تختصرها واشنطن بتكرار طلبها الوحيد الذي يشدد على ضرورة انسحاب القوات بأسرع وقت وقبل الانتخابات. إلا أن الضغط لم يتوقف حتى بعد البدء في الانسحاب. فواشنطن لاتزال تدفع التعارضات اللبنانية نحو مزيد من التأزم، وهذا يشير إلى وجود طلبات أخرى لم يكشف البيت الأبيض عن محتوياتها.

لا شك في أن الأهداف الأميركية سيئة وهي في مضمونها وأبعادها تتجاوز كثيرا حدود البلد الصغير، ولا تتوقف عند مسألة الانتخابات وتشكيل حكومة اتحاد وطني. فالكلام الأميركي، كما يبدو، يستهدف الكثير ويتعدى موضوع الكشف عن الحقيقة "الطرف الذي يقف وراء اغتيال الحريري" أو ترتيب نموذج ديمقراطي يشكل قاعدة انطلاق نحو دول الجوار.

هناك الآن بعض تسريبات أميركية تقول: إن تجربتها الديمقراطية في أفغانستان فشلت "بسبب تركيبة البلد القبلية" وتجربتها الديمقراطية في العراق على قاب قوسين من الفشل "بسبب تركيبة البلد المذهبية والأقوامية"، وبالتالي يشكل لبنان محطة ثالثة تراهن عليه واشنطن كمرفأ سياسي لتصدير بضاعتها إلى دول الجوار.

هذا الكلام بحاجة إلى فحص مختبري لمعرفة مدى صحته. فلبنان سكانيا ليس أفضل بحكم تناثر منظومته السياسية على طوائف ممتدة إقليميا. كذلك لا يشكل تلك القوة الجاذبة والقادرة على قيادة قطار الديمقراطية في المنطقة. فالمسألة في النهاية لها صلة بالأحجام والإمكانات والثروات والأسواق. وكل هذه الأمور يفتقدها لبنان في حال تم قياسه على ذاك الدور الموعود أو تريد واشنطن توكيله إليه.

الكلام الأميركي عن لبنان ربما يكون موجة جديدة من الخداع أو حيلة سياسية يراد منها النفاذ إلى منظومة علاقات إقليمية بهدف إعادة تشكيل توازنات محلية تعود بالبلد إلى تلك المناخات التي كانت تسيطر عليه قبل 13 ابريل/ نيسان .1975

هذا احتمال غير مؤكد بسبب غموض الأجوبة الأميركية. إلا أن متابعة الوقائع تشير إلى وجود أهداف غير لبنانية تحاول واشنطن توظيفها في معركة محلية باسم "الديمقراطية" لإحداث متغيرات تخفف الضغوط على قواتها في العراق وتضغط في الآن نفسه على غيره من دول الجوار.

الأمور في لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات، ولا يعرف حتى الآن المدى الذي ستقف عنده الضغوط بعد استكمال سورية سحب قواتها. فالصورة مشوشة وتحتاج إلى وقت لتوضيح معالمها

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 936 - الثلثاء 29 مارس 2005م الموافق 18 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً