العدد 980 - الخميس 12 مايو 2005م الموافق 03 ربيع الثاني 1426هـ

مدرس من فلسطين

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كان من عائلة فلسطينية معروفة، جاء يحمل فوق ظهره هموم اللجوء قبل أربعين عاما مهجرا من وطنه السليب فلسطين، واستقر في بلده الثاني البحرين. وعمل مدرسا للغة الانجليزية في مدارسها الثانوية. وفي منتصف السبعينات كنت أحد تلاميذه في مدرسة النعيم الثانوية. رجل في الهزيع الأخير من عمره، يسير متثاقلا بشيخوخته، تقرأ في ملامح وجهه كل ظلامات الدنيا، ظهره المحدودب يضفي على صورته مسحة من الهيبة. قصة فلسطين يحملها على ظهره وتمتزج بكلماته الحرى، يسرد لك ألعاب السياسة الدولية وقذارة سياسة بريطانيا العظمى التي أدت إلى تشريده وأهله من وطنه، وإحلال المستوطنين القادمين من كل جهات العالم.

وجهه سيظل ملتصقا بذاكرتي ما حييت، لأنه كان النافذة الأولى التي تعرفت من خلالها على المأساة الفلسطينية في وقت مبكر من حياتي. أحاديثه وشجاه تغلغلت إلى أعماق نفسي. نصف الحصة يعلمنا فيها كلمات من لغة المتآمرين على بلاده، والنصف الآخر يهجو فيها سياسات الانجليز منذ وعد بلفور المشئوم.

إلى جانب وجهه المتغضن بالأخاديد، لا أنسى ما كان يتعرض له من شقاوة بعض الطلاب، حين يتعمدون القيام بحركات صبيانية تعرفونها، فيستشيط غضبا. كان البعض يضحك فرحا، أما أنا فكنت أحزن، بدليل تذكري لتلك المشاهد العابرة التي نسيها الجميع ومازلت أتذكرها بأسى بعد ربع قرن.

قبل عامين ونصف العام، التقيت زميلا في العمل، ولأن الوجه كان نسخة مصغرة من وجه مدرسي العجوز، سألته هل يعرفه، فقال انه أبي. فعدت أسأله عنه، فقال: "الله يرحمه". ظروف حياتي القاهرة لم تتح لي معرفة تفاصيل ما حدث للبلد والناس والزملاء والمدرسين خلال خمسة عشر عاما. ولأنه توفي قبل سنوات، لم يكن الظرف يسمح بتقديم التعزية، الزميل تفهم الحرج... فترحمت عليه ومازلت كلما هل على الذاكرة.

جيل من المهاجرين الشرفاء، كسبوا لقمتهم بعرق الجبين، وعملوا في أقدس المهن وأنظفها، ومن أصلاب هؤلاء خرج أبناء وبنات لا تفرق بينهم وبين المواطنين، قلبا وقالبا، نفسية ولهجة، وربما يجمعهم بنا - نحن البحرينيين- أكثر، تلك المآسي والمعاناة اليومية والشقاء "السياسي" التي خبرناها معا. فلا تستغربوا ان تجدوا أهل البحرين يبادرون في كل ملمة أو نائبة للتعبير عن تضامنهم مع شعب فلسطين العزيز.

ربما نختلف مع أحدهم بشأن تقييم موضوع هنا أو هناك، ولكن تبقى القلوب بما فيها من مودة لا نقصد بها غير راحة الضمير. ليس دفاعا عن أشخاص، ولا هجوما على أشخاص آخرين، وانما ما دام القلم في أيدينا فنسأل الله ألا يجعله ينحرف أو يميل.

في بعض سجالاتنا السياسية مؤسف أن نرى البعض يميل أحيانا بالتطرق إلى جنسية من يختلف معنا، فخلافنا خلاف قيم وممارسات وأفكار وسياسات، وليس خلاف أشخاص وأفراد. وخوفي أن تنحرف إدارة الخلافات باتجاه شوفينية عمياء، بالبحث عن أصل وفصل من نختلف معه، وهي أبعد ما تكون عن أخلاقيات هذا الشعب، وإن كانت أول الثمار المرة لسياسة التجنيس "السياسي". فمثل هؤلاء المشردين المظلومين لم يسرقوا أو ينهبوا، وهم الأحق بالجنسية من سواهم من طالبي الجنسية. جاءونا ضيوفا، وعاشوا بيننا مكرمين، لم يشعروا بالغربة بيننا، ولم نشعر تجاههم بغير مشاعر المودة والمحبة والاحتضان، سلوك اشتهر به سكان هذه الجزر الوادعة بما حباهم الله به من طيبة ورقة قلب.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 980 - الخميس 12 مايو 2005م الموافق 03 ربيع الثاني 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً