العدد 1019 - الإثنين 20 يونيو 2005م الموافق 13 جمادى الأولى 1426هـ

ما هي مهمة الرئيس القادم في طهران؟

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

أكتب هذه السطور قبل أن تتضح وتنجلي الصورة الانتخابية لرئاسة الجمهورية المقبلة في إيران، بعد أن فشل أي مرشح في الحصول على الغالبية المطلقة، والانتخابات في إيران ونتائجها تهمنا كثيرا في الخليج لأسباب لا تخفى على عاقل، فالجوار الإيراني سبب ويسبب الكثير من الشد والجذب في قضايا خليجية مختلفة بعضها وصل إلى حدود التوتر الأقصى، ومازال بعض تلك القضايا عالقا في أفق العلاقات من دون حل قريب. كما أن طموحات الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ القرن الماضي سببت بعض القلق في الضفة الغربية من الخليج، وقد يزيد هذا القلق بسبب الخلاف المستحكم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في السنوات القليلة الماضية، ويتضاعف في حال عدم الاستقرار السياسي في هذا البلد الكبير والجار.

إلا أن الانتخابات الجارية في إيران لاختيار رئيس للجمهورية هذه المرة تختلف عن سابقاتها، فلم تعد النخبة الإيرانية بقادرة على إنتاج وجوه جديدة تقدمها في خيار السباق على أول المناصب، رئاسة الجمهورية، فعادت بعض الأسماء من جديد في المقدمة منها الشيخ هاشمي رافسنجاني، والتي ذكرت الكثير من التقارير منذ فترة غير قصيرة، انه قادم من جديد إلى الرئاسة الأولى، أما بعض المرشحين الآخرين فقد جربوا حظهم أكثر من مرة من دون فائدة، وقد كان البعض يؤمل أن يحدث الإصلاحي الذي يسلم السلطة السيد خاتمي نقلة نوعية في مسيرة الجمهورية الإيرانية، إلا أن برنامجه الذي حشد له الشعب الإيراني تعثر إن لم يكن قد فشل. وتأتي أزمة الانتخابات الحالية لتضع من جديد تجربة إيران الحديثة على المحك.

لا أحد ينكر أن هناك الكثير من الإنجازات تمت منذ الثورة الإيرانية حتى اليوم قبل نحو ربع قرن من الزمان، فهناك تقارير مؤكدة وعلمية عن انتشار التعليم، وإجراء الانتخابات الدورية للمجالس البلدية والقروية في طول البلاد وعرضها، كما لا أحد ينكر أيضا الصعوبات التي تواجه الحكم في طهران.

أولى هذه الصعوبات أن النظام الثوري يكاد يصبح ضحية انجازاته، فقد تدفقت على المدن الإيرانية أعداد كبيرة من الريف، بعد أن حصلت على شيء من التعليم باحثة عن فرص عمل أفضل، ولكن غير موجودة، فتراكم حول المدن الإيرانية، خصوصا طهران، أحزمة من البشر والسكن العشوائي، فلم تعد العاصمة قادرة على استيعابها. كما اضمحل نتيجة ذلك الإنتاج الزراعي التقليدي، فعانت إيران مما عانت منه الكثير من الدول "الثورية" وهي تطبيق المعادلة غير المتسقة: إصلاحات كبرى في مكان من دون استعدادات كبرى تلازمها لاستيعاب نتاج هذه الإصلاحات والسير قدما فيها، فتعددت أعناق الزجاجة في الاقتصاد الإيراني وفي السياسة الإيرانية، أثر ذلك بسلبية شديدة على الموقف السياسي الخارجي والداخلي.

بلاد معظم سكانها شباب يحتاجون إلى التعليم والعمل، في سوق ضيق نسبيا وأمام ضغوط عالمية قاسية، ويحتدم الصراع الداخلي بين "محافظين" و"إصلاحيين"، ويرتبط الجميع سياسيا بسقف واحد هو "ولاية الفقيه". في مثل هذه الأحوال من البيئة السياسية فإن الأزمات تنتج نفسها.

لذلك فإن الداخل الإيراني أقرب إلى التأزم منه إلى الانفراج، وما الأخبار القادمة من هناك إلا تأكيدا لمشهد التأزم، فالمرأة الإيرانية، على رغم حصولها، على الورق على حقوق كثيرة، منها التعليم وبعض التساهل في تطبيق قوانين الأسرة، إلا أن التضييق عليها اجتماعيا وسياسيا، جعلها تنظم نفسها باتجاه المطالبة بالتغيير لا بالتشبث بما هو قائم. والشباب الإيراني وهو يرى نفسه مقبلا على سوق عمل ضيق يعبر عن ضيقه بالاحتجاج المباشر وغير المباشر.

أما المشهد الخارجي، وهو ليس بعيدا عن التأزم الداخلي، فيسوده موضوع واحد له تفريعات كثيرة، وهو العلاقة بالولايات المتحدة، أما تفريعاته فهي القوة النووية الإيرانية، وما إذا كانت للسلم ستستخدم أو غيره من الأغراض، وما يتبع ذلك من تفريعات في ملف العلاقات الشائكة منها موقع إيران مما يحدث في العراق وفي لبنان، واحتمالات ما يمكن أن يحدث في الخليج، وليس سرا أن الولايات المتحدة ناشطة دبلوماسيا في التضييق على إيران بسبب كل تلك الاحتمالات.

لقد أصبح قولا شائعا أن إيران مطوقة استراتيجيا بالولايات المتحدة، فمن شرقها أفغانستان وباكستان، ومن غربها العراق ومن جنوبها الخليج، فقد أصبحت "جارة" غصبا عنها للولايات المتحدة "الشيطان الأكبر لدى بعض الساسة الإيرانيين"، وهي بذلك تعاني من أزمتين داخلية وخارجية، لا فكاك منها بغير تبني استراتيجية مختلفة عما تبنته حتى اليوم.

لدى طهران بعد ذلك كله أوراق مناورة لا يستهان بها، بل قوية إلى درجة التعطيل، منها أوراقها في العراق، فلا أحد ينكر أن القيادات العراقية في الحكومة الحالية قريبة إلى طهران ايدولوجيا ونفسيا، فهي أو قل معظمها حتى الأمس القريب كانت "لاجئة" في إيران ولها صلات قربى ومودة، وحمل من معروف أيضا، تجاه القيادة السياسية الإيرانية جراء ما قدمت لها من عون سابق. هذه العلاقة توجد للإيرانيين موضع قدم نفسي وإنساني على الأقل، إن لم يكن أكثر من ذلك. وبهذا فان طهران تستطيع أن تساعد أو تعرقل الجهود الأميركية وجهود الحلفاء في العراق، وهو أمر لا يخص العراق أو الولايات المتحدة فقط، بل يتعداه إلى التأثير على بقية دول الخليج.

أما الأوراق الأخرى لطهران فهي ورقة حزب الله المنظم تنظيما جيدا في لبنان، والذي استطاع في الانتخابات الأخيرة أن يشهد من يريد القراءة أن له موضع قدم راسخة، ليس بسبب عدد أعضائه الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة، ولكن أيضا بسبب تحالفاته الواسعة، وأي اضطراب في لبنان يقلق الولايات المتحدة وقبلها "إسرائيل"، ويستطيع أن يقلب الأمر إلى عكسه.

من هذه الأوراق القوية تستطيع إيران أن تبعد نسبيا أي خطر عليها من الخارج مؤقتا، ولو أن دينيس روس، الرجل الذي كان مندوبا لأكثر من إدارة أميركية للنظر في الصراع العربي الإسرائيلي، كتب حديثا في مجلة "فورن افيرز" ذات النفوذ الواسع، أن اليوم ليس ببعيد الذي يدخل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي على رئيس الولايات المتحدة ليقول له: "سيدي الرئيس إني استأذن للقيام بضربة استباقية على المنشآت النووية الإيرانية"!

أكان ذلك حقيقة مستقاة مما عرفه روس المطلع، أم هو رغبة دفينة وتفكير مستحب من جانبه، إلا انه من غير المنطقي تجاهل مثل هذا السيناريو في القادم من الأشهر القلية المقبلة، ان لم نشهد تغيرا حقيقيا في مسار السياسة الخارجية الإيرانية.

لقد عودتنا طهران، على رغم كل الشعارات، أن تكون عملية ومتسقة مع مصالحها البعيدة، لذلك ليس من المستغرب أن تبدأ الإدارة الإيرانية الجديدة، بعد انتخاب الرئيس، بالانخراط في تبادل واقعي للمصالح مع الغرب والولايات المتحدة على سبيل التحديد، بعدها سنرى أن الخريطة السياسية في منطقتنا تميل إلى التحول، وربما التحول الجذري.

من هنا فإن نتائج الانتخابات الإيرانية والسياسات المتوقع أن يتخذها الرئيس الجديد من الأهمية ما للسياسيات الداخلية من تأثير في عالم يزداد تقاربا وتأثيرا على بعضه بعضا، إلا أن النظرة العامة في ضوء ما يحدث ليست قريبة إلى التفاؤل

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 1019 - الإثنين 20 يونيو 2005م الموافق 13 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً