العدد 2934 - الجمعة 17 سبتمبر 2010م الموافق 08 شوال 1431هـ

«الفيسبوكيّون»

ياسر حارب comments [at] alwasatnews.com

قبل أذان الفجر بقليل، تصلني رسالة على الفيسبوك تطلب مني تصحيح مقال، أو مراجعة خاطرة أدبية. وأحياناً، تصلني تعليقات على موضوع ما نشرْتُهُ على موقع الفيسبوك، وقد تكون تلك التعليقات ساخرة، أو ساحرة، كل هذا، قبل الفجر بقليل.

أحاول الخروج، فيشدّني حوار حول موضوع فكري أو أدبي وقد احتدم النقاش بين المتحاورين حتى تتصاقب ردودهم وتتراص مزاحمة بعضها البعض في خصام، وفي وئام، على صفحة بيضاء تشبه قلوب مرتاديها الكرام.

أتردد في المشاركة، ولكن التدفق الأدبي لهؤلاء المتحاورين يدفعني لقول شيء بسيط، فتشتعل الساحة مرة أخرى ليشترك فيها قادمون جدد، حتى أشعر بأن الوقت قد توقف، وتسمّرت النجوم وهي تراقب هذا النقاش الأدبي الذي لم نسمع عنه إلا في الصالونات الأدبية في القاهرة، أيام الرافعي وتوفيق الحكيم وطه حسين وأحمد الزيّات وغيرهم. أقول في نفسي بأنني سأتوقف عندما أسمع الأذان، ويطول انتظاري دون أن أسمعه، فيراودني شعور بأن المؤذن موجود معنا في مكان ما في هذا الفضاء الجديد.

لا ينصرف الوقت حتى ننصرف نحن الذين سمّينا أنفسنا بـ «الفيسبوكـيّون» نسبة إلى بلاد ما وراء الإنترنت والمسماة «الفيسبوك». لا ندري كم عالم وأديب ينتسب إلى بلادنا هذه، ولكننا نعلم بأن التاريخ سيذكر منهم الكثير في يوم من الأيام.

قال لي أحد الفيسبوكيين مرة بأنه أصدر ستة دواوين شعر خلال سنة واحدة فقط بسبب الفيسبوك، فكلما بذر عدة أبيات من الشعر، عادت له ثمار بذره أبياتاً جديدة خلال دقائق معدودة من أحد المرتحلين معه في تلك البلاد الواسعة، فيجد نفسه مضطراً للرد عليه والاستمرار معه حتى تكتمل قصيدته، قلت له إن السبب هو أن الفيسبوك يمثّل أمسية مفتوحة، وجمهورها لا يرحلون حتى يأتي غيرهم لينصت باهتمام، ثم لا يستنكفُون عن المشاركة فيها.

لقد استطاع هذا العالم الجديد، المسمى فيسبوك، أن يغيّر الإنسان حقاً، فلقد كنت أتعامل مع بعض الزملاء في العمل وبعض الشركاء في السوق بطريقة رسمية، وعندما أعود في المساء أجد هؤلاء وقد خلع كل منهم قناعه الذي تسربل به، مثلي، خلال النهار، ليكشف عن الجانب المنير من وجهه، ذلك الجانب الإنساني الذي نفتقده كثيراً تحت ضوء الشمس. فالكذب صعب على الفيسبوك، وكلّما حاول أحدهم أن يكذب فإنه يقع في شرّ أعماله عاجلاً، أو أنه يشعر بالوحدة في عالم يعجّ بالناس، ويضجّ بأصوات لوحات مفاتيحهم التي تئن تحت وطء أصابعهم ليل نهار.

لقد أوجد الفيسبوك نوعاً جديداً من التواصل الإنساني بين البشر، وكم أستغرب عندما يعلّق أحدهم بأريحية على صورة أو موضوع ما وضعه شخص آخر لا تجمعهما صداقة وطيدة، وكم أستغرب أكثر عندما نندمج في حواراتنا المفتوحة تماماً دون أن نشعر بالخجل مما نقول.

لقد ساعدنا الفيسبوك على أن نبدو أمام البشرية جمعاء على طبيعتنا السمحة، البسيطة، الخالية من تعقيدات بعض المجتمعات وتوترها، وأثبت لنا هذا الفضاء الممتع المتّسع، بأنه علينا ألا نخشى من كلماتنا، ولا من مشاعرنا، ولا من أنفسنا أيضاً.

أعجبني د.سلمان العودة عندما دعا، في رمضان، جميع المسئولين والمثقفين لقضاء ربع ساعة على الأقل في اليوم على الفيسبوك لكي يتواصلوا مع الناس، وكأن الشيخ يقول بأن هذا الأمر يكاد يكون، بالمفهوم الاجتماعي وليس الديني، فرض عين وليس فرض كفاية.

الكلّ يعرف كلّ ما يحدث على الفيسبوك، وكما يسمّيه أخي بَدْر «الموقع الفضيحة»، فلا يمكنك الاحتجاب وراء أقنعة مجتمعك مهما كانت جذورك ضاربة في تربته، وبسبب هذا التواصل الخلاّق المتدفق، يشعر أحدنا بأنه يستطيع أن يحادث العالم أجمع من خلال شاشة صغيرة فقط، فلقد وصل عدد مشتركي الفيسبوك إلى أكثر من نصف مليار، يزور نصفهم صفحاتهم الشخصية بشكل يومي، أي أنه لو كان الفيسبوك دولة لكان ثالث أكبر دولة في العام، وفي الشهر الواحد، يقضي زوّار الموقع أكثر من سبعمئة مليار دقيقة في تواصل دؤوب مع الإنسانية جمعاء.

لقد ساعدني الفيسبوك على الوصول إلى محبين كثر، جلّهم لا أعرفهم، ولكنني أحببتهم جميعاً منذ الرسالة الأولى، لأنها غالباً ما تكون صادقة. وساعدني الفيسبوك على التعرف على الإنسانية المحضة، المجرّدة من كل تعقيد، والمنقّاة من كل شوائب، فأحسست بأنني أتواصل مع الأرواح لا مع الأجساد.

لقد تعلمت من الفيسبوكيين اللطف، ووجدت عندهم الحب والوفاء، ووجدت في معاشرتهم أناساً يحبون من أحسن إليهم، ويعفون عمّن أساء إليهم، لأنهم يؤمنون بأنه باللطف تُفتَحُ جميع الأبواب.

الفيسبوك يدفعنا إلى خارج كهوفنا الجبلية، والجليدية، ويعلّمنا كيف نمشي بين الناس دون أن نفكّر في تحاشيهم، أو الاصطدام بهم. ويعلّمنا الفيسبوك أيضاً أن ننير المكان بمواهبنا، وبقدراتنا، وبنجاحاتنا وبقصص إخفاقاتنا، ويعلّمنا دائماً أن نُشعِل الشموع، لا لكي ننشر النور، ولكن لكي نبدد العتمة، يقول طاغور: «من يحمل مصباحه خلف ظهره يُرسل ظلّه أمامه».

إقرأ أيضا لـ "ياسر حارب"

العدد 2934 - الجمعة 17 سبتمبر 2010م الموافق 08 شوال 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 11:26 ص

      جيد ولكن

      موقع التواصل الاجتماعي جيد ولكن ينغي ترشيد استخدامه ولا ينبغي ان يحولك الى مدمن كما لانبغي ان يكون اداة للثرثرة بل غلى العكس من ذلك ينبغي ان يكون مصدر لتبادل المعارف والمرئيات لصناعة منهج التقارب الثقافي ومعالجة القضايا ذات الاهمية المجتمعية.
      سعيد ان أقرأ مقالات ابن صديقنا العزيز المفكر والاستاذ الفاضل الدكتور سعيد حرب.

    • زائر 7 | 9:10 ص

      جــــــــــسور ... الفجـــــــــوات

      حركة فكرية ومضمونية ومفاهيمية،ويكون الحوار إطارها ونسيجها البياني للآراء والأطروحات الاستدلالية،تتلاحم مع المضامين الذاتية،أو مع التجليات المعرفية الفكرية والتجريبية( للفيسبوكيّة أو أي وسيلة تواصلية اتصالية الكترونية ) والمتعاطي معها في حركته النظرية والعملية،فهي كالجسور لسد الفجوات عبر مسالك خيّرة ورقي للقيمية الذهنية،مع أخذ الحيطة والحذر- رادع ذاتي- من الآثار الجانبية (السلبية) للحياة الشخصية والاجتماعية و للمسؤوليات الأساسية وفرض الأولوية.كل الشكر للكاتب وللوسط ... نهوض

    • زائر 6 | 6:14 ص

      ليت كل الناس تفكر استخدامه للثقافة

      الجانب المضيء من الفيس بوك لمن احترم نفسه وسادت أخلاقه وتعامل مع هذه المحطة بإيجابية وإبداع.. أما الجانب المظلم فهو النفس الأمارة بالسؤ والتي ارجعتنا أو تكاد ترجعنا إلى زمن وأد البنات

    • زائر 4 | 12:18 ص

      الى السابقين..

      الى من سبقني في التعليق.. الفيس بك سكين اخرى حيثما استخدمتها كانت قاطعة

    • زائر 3 | 11:16 م

      خراب العالم

      خراب العالم وانحرافهم وانجرافهم نحو الرذائل والانحطاط

    • زائر 2 | 9:52 م

      مجرد رأي...

      تعطيك ربي العافيه على ماكتبته ...
      ولكن كل شي ليه ايجابيات وليه سلبيات..
      وانت نظرت للفيس بوك من جانب واحد وهو الجانب الايجابي,, ونسيت الجانبي السلبي
      هناك من يستخدم الفيس بوك للتواصل كما ذكرت وهناك من يستخدم الفيس بوك لنشر صور محرمه..!!!
      لو تطرقت الى الجانبين لكان الموضوع مكتمل..
      ومره ثانية يعطيك ربي العافيه

    • زائر 1 | 9:20 م

      الفيسبوك

      نسيت ان تقول بأن الفيسبوك دفع بناتنا الى التعارف ونشر صورهن الى العالم وان الفيسبوك اصبح يأخذ كل وقتنا حتى تراجعنا دراسيا وأن الفيسبوك قد اشعل فينا شعلة من النشاط حتى نسهر عليه الى ساعات الفجر الاولى وان الفيسبوك يدفع بمعدلات الإغتصاب والطلاق الى اعلى المستويات ‏

اقرأ ايضاً