العدد 1073 - السبت 13 أغسطس 2005م الموافق 08 رجب 1426هـ

السجاجيد النووية: الطائر السحري الجديد

قراءة في مقال فريدمان

حسن الصحاف comments [at] alwasatnews.com

نقرأ كثيرا عن "البساط السحري" أو "بساط علي بابا" أو "السجاد الطائر" أو "بساط الريح" الذي يطير من مكان إلى مكان حال أن جلست القرفصاء على سطحه المخملي، هذا البساط السحري لا وجود له على أرض الواقع. هذه مقدمة لابد منها لنلج إلى جوهر عجالتنا.

في مقاله الصادر عن "نيويورك تايمز" يقول توماس فريدمان إن العالم يستطيع ان يلجم جميع النويا النووية وأن يحد من انتشارها وأن يوقف من تسول له نفسه في إنتاجها عن طريق شيء واحد لا غير ويحدده بما يأتي: يمكن ايقاف برنامج كوريا الشمالية النووي غدا من جانب البلد الذي يزودها بما يقرب من نصف طاقتها وثلث حاجاتها من الأغذية، وهو الصين، فكل ما يتعين على الصين قوله لكيم ايل جونغ الثاني هو: "أوقف برنامج أسلحتك النووية، وضع كل مفاعلاتك تحت رقابة دولية، وإلا أطفأنا أنوارك، وقطعنا عنك الحرارة ووضعنا بلادك بأسرها تحت نظام غذائي صارم. أواضح موقفنا؟" وينتهي فريدمان إلى القول: "واذا ما مارست الصين هذه اللعبة مع كوريا الشمالية فان خطر انتشار بيونغ يانغ النووي سينتهي".

ثم يعرج على "إيران" ويقول القول نفسه غير أنه يضع بدل "الصين" "الاتحاد الأوروبي"، فإذا ما قال الاتحاد الأوروبي للايرانيين: "أوقفوا برنامج أسلحتكم النووية، وضعوا كل مفاعلاتكم وما يرتبط بها من مشروعات تحت رقابة دولية، وإلا واجهتم مقاطعة اقتصادية شاملة من أوروبا. أي جزء من هذه الجملة لا تفهمونه؟" ويؤكد في نهاية جملته إن هذا "النمط من التهديد الواضح هو الذي سيثير اهتمام طهران". ولا يرى شيئا أقل من ذلك سيجعل "الايرانيين يساومون على سجاجيدهم النووية الى الأبد".

فريدمان وغيره كثيرون يتساءلون عن السر واراء عدم اتخاذ هذه الدول خطوات صارمة تجاه هذه الدول التي تعتزم إنشاء مفاعلات نووية ويصرحون هو الخوف من "الهيمنة الأميركية" أو "قطب أوحد" إذ هي على ما يبدو تدعو إلى قيام "عالم متعدد الأقطاب" ويصرح فريدمان قائلا: إن ما يهم هذه الدول بالدرجة الأولى هو أن تعتلي منصة القطبة في مواجهة القطب الأكبر أو "الشر الأكبر" "أميركا": غير أن الشيء الوحيد الذي تهتم به هذه الدول هو أن تكون قطبا في مواجهة الولايات المتحدة، ليس، في الواقع، للقيام بعمل شاق من اجل استقرار النظام العالمي".

أما عن "ألعاب دمينو نووية" فهو، أي "فريدمان"، يتحدث بما يأتي على افتراض أن الأمور "سارت" في "إتجاه خاطئ" إذ تتحول "كوريا الشمالية وايران الى دولتين نوويتين" وذلك "بسبب ان اميركا ارتكبت خطأ"، فهو يؤكد على أن "سياسة بوش في مجال الحد من الانتشار النووي عاجزة الى حد ما" ولكن هذا العجز ليس المشكلة الحقيقية للوضع النووي، "المشكلة الحقيقية هي أن تلك الأطراف التي تتمتع بنفوذ للقيام بخطوات دبلوماسية ترفض استخدام ذلك النفوذ".

مع الاعتراف بأن "أميركا" تقوم بدور رئيسي في عزل كل من "إيران" و"كوريا الشمالية" "إلى حد كبير" غير إنها لا تقوى على فعل أكثر من ذلك طبعا هو يستثني "استخدام القوة". عن هذا لمأزق التاريخي يقول بصريح العبارة هو أن المسئول الأول هو "أميركا"، هكذا يضع النقاط على الحروف ويقول بما معناه إن الولايات المتحدة عاجزة كالعجوز التي سقطت أسنانها الأمامية وأنيابها الأربعة: بريطانيا، فرنسا، اليابان، والمدللة.

"هذه ليست نكتة". هكذا يقول فريدمان وغيره. والسبب في أنها ليست نكته يكمن في الأتي: "فاذا ما تحولت كوريا الشمالية وإيران الى دولتين نوويتين فان تلك الخطوة قد تؤدي الى اعادة اصطفاف كبير في الاطار الجيوسياسي، وهو ما لم يحدث مثيل له منذ نهاية الحرب الباردة". أضف إلى ذلك أن كوريا الشمالية لو "شرعت باجراء اختبار نووي" كيف سيكون موقف اليابان وكيف ستكون سياستها ومعاهداتها التي تخولها على الاعتماد على "الولايات المتحدة لحمايتها نوويا؟" يتساءل فريدمان وما هي ردة فعل كوريا الجنوبية وتايوان؟ وماذا لو "تحولت اليابان وكوريا الجنوبية الى دولتين نوويتين" وما هي ردود فعل "الصين القلقة؟" وهو الحال نفسه فيما لو أضحت بين ليلة ضحاها "إيران الشيعية قوة نووية" "لاحظوا معي إيران الشيعية وليست الإسلامية لعزلها عن محيطها الواسع الإسلامي السني قبل الشيعي" وما يؤكد ذلك لاحظوا الفقرة التالية "بالتوافق مع عراق يحكمه الشيعة" ليؤكد بالقول: "فان العالم العربي السني سيصاب بالجنون ناهيكم عن الاسرائيليين؟ القضية ليست السنة هي التي ستصاب بالجنون وما يؤكد قولنا هذا هو الفرح العارم الذي أظهره الشارع العربي والشارع الإسلامي لانتصار المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان على المدللة الكبرى". نعم نتفق مع فريدمان على أن من سيصاب بالجنون بالدرجة الأولى من السجاجيد النووية هي الطفلة المدللة لاغير وسيكون جنونها عتبة من عتبات الإصلاح الإنساني الكبيرة.

ما الذي يخلص إليه "فريدمان" من مقاله الذي يعترف في بدايته عدم درايته بالأمور النووية بالقول: "ويعرف قرائي أنني نادرا ما أكتب عن الانتشار النووي. ولا يعود السبب الى انني غير مهتم أو لأنني لا أرى فيه خطرا مهلكا، وإنما يعود الى الحل الواضح الى حد مضحك، بمعنى أنه لا يوجد الكثير ما يمكن للمرء ان يقوله. واليكم ما أعنيه". وما يعنيه هو: "الأمر" الواضح وضوح الشمس بالنسبة له: "فما لم تكن الصين وأوروبا جادتين، فلن يتم الوصول لحل". غير إني هنا أرى حلا، وهو بربي الحل الأمثل والأجدى سأطرحه في نهاية هذه العجالة.

ما أود أن أقوله قبل أن اختتم هو أن "أميركا" خائفة جدا ومرعوبة من "إيران الشيعية" تحديدا وليس من إيران الإسلامية فهي اليوم من جراء هذا الخوف المشين الذي سيبقى وصمة عار في جبينها إلى قيام الساعة هو تفتيشها كل خصلة من خصل السجاد الإيراني المرسل إلى موانئها خوفا من أن تكون إحدى الخصلات قد علقت به نيوترانات نووية فوق البنفسجية وتحت الحمراء وفي المساحة المزرقة من مساحة قوس قزح. إنها البرنويا أو "الذهان الهذائي" بالعربية وهي ذففىف باللغة الإنجليزية مع ملاحظة استخدام الحرف الكبير في بدء المفردة التي نريدها هنا أسما لا فعلا والذي يعني إلى جانب ما يعني: "ذهان مزمن من أعراضه الرئيسية الهذاء الثابت النظم. وقد يبدو المريض سليما من حيث القدرة على الاستدلال والمحاجاة غير أنه يبني استدلاله على اعتقادات فاسدة وهمية ومقومات باطلة".

الحل الذي أراه وغفله مجمل مفكري الغرب هو تدمير المفاعلات بادئ ذي بدء شرط إنساني، قبل أن يكون شرطا عربيا أو إسلاميا لتلك الطفلة المدللة على مدى أكثر من نصف قرن إذ لم تتجرأ وتقتل فقط شعبا أعزل بل قتلت رعاياها - بإسم الدين الذي هو براء من كل هذا - الذين نعرفهم على مدى تاريخ معرفتنا بالإنسان في هذه المنطقة بالذات قبل أن تولد مناطق في العالم شر قتله.

*كاتب كويتي

العدد 1073 - السبت 13 أغسطس 2005م الموافق 08 رجب 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً