العدد 3014 - الإثنين 06 ديسمبر 2010م الموافق 30 ذي الحجة 1431هـ

نظرة علمية على وثائق ويكيليكس والشرق الأوسط (1)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

الكتابة هي علم وفن، هي علم له أصوله، وهي فن يعتمد على الموهبة. ولهذا برع كتاب ومفكرون أحياناً، رغم عدم حصولهم على المؤهلات الأكاديمية، ومن ذلك الكاتب المصري المشهور عباس محمود العقاد وغيره. والكتابة هي علم له قواعده التي تختلف وفقاً لطبيعة الكتابة والهدف منها.

الكتابة الدبلوماسية هي نوع من أنواع الكتابة بوجه عام، والتحليل العلمي للكتابة الدبلوماسية يقتضي أن نشير إلى ثلاثة أمور:

الأول: هدف الكتابة.

الثاني: مضمون الكتابة.

الثالث: وجهة نظر الكاتب.

والكتابة الدبلوماسية لها أنواع متعددة مثل البرقيات، التقارير، التحليلات، وكل من هذه الأنواع له طابع سري أو غير سري وفقاً لطبيعة المعلومة المتضمنة أو التحليل المشمول في الكتابة، وهذه الأمور لها قواعدها المحددة والمعروفة لدى الدبلوماسيين، كما أن لها جانباً تقييمياً شخصياً لدى كاتب الرسالة أو التقرير أو التحليل.

وننتقل إلى هدف الكتابة الدبلوماسية، وهناك نجد أربعة أهداف: إما نقل معلومة، وإما نقل وجهة نظر للتحاور، وإما تقديم تحليل أو قراءة خاصة للدبلوماسي، وإما تقديم رؤية مستقبلية.

والكتابة الدبلوماسية في معظمها تعتمد على اللقاءات والمقابلات أو على الأخبار المنشورة في الصحف والمجلات أو على تحليلات واستنتاجات لما هو منشور، وهو ما يسمى في التحليل السياسي باسم تحليل مضمون، أو ما يسمى في العامية بالقراءة لما بين السطور. ولعل من أبرز الأحداث المعاصرة هو ما قرأه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في لقائه مع إبريل جلاسبي السفيرة الأميركية في العراق آنذاك، قبل غزوه للكويت عندما استفسر منها عن علاقاتهم بالكويت فقالت إنه لا توجد اتفاقية أو معاهدة أمنية تدعو الولايات المتحدة لحماية الكويت، وإن الولايات المتحدة تحترم العلاقات الثنائية بين الدول العربية، هذا الكلام تعبير عام يتعلق بالمبادئ ويعكس واقعاً قائماً آنذاك، وقراءة المضمون التي استخلصها الرئيس صدام آنذاك إنه لو هاجم الكويت فلن تدافع عنها الولايات المتحدة. بالطبع هذه كانت قراءة خاطئة لاعتبارات ثلاثة:

الأول: ان الرئيس صدام حسين لم يقل للسفيرة الأميركية حسبما هو منشور عن المقابلة إثر حدوثها أنه سيغزو الكويت، وما هو رد فعل الولايات المتحدة لذلك، ثم إنه لم يسألها ما هو موقف الولايات المتحدة لو قام العراق بغزو الكويت؟

الثاني: إنها لم تقل له أية رؤية أو موقف أميركي محدد بخصوص تصرف عراقي محتمل تجاه الكويت.

ولكن من زاوية أخرى فان البعض انطلاقا من نظرية المؤامرة قدم قراءة مختلفة لكلام السفيرة الأميركية بأنه طعم نصب للرئيس العراقي لغزو الكويت، ومن ثم تدخل الولايات المتحدة لتدمير العراق بعد أن تم آنذاك تحجيم إيران والثورة الإسلامية بدفع العراق للهجوم على إيران وإشعال حرب معها، وهذا كان في إطار ما عرف بسياسة الاحتواء المزدوج، ويستدل أصحاب هذا التفكير بعدة أمور من بينها اختفاء السفيرة من المشهد السياسي والدبلوماسي وتحولها بعد ذلك للعمل الأكاديمي في إحدى الجامعات الأميركية وعدم ظهورها في الإعلام الذي يحرص على التحاور مع أمثالها من الدبلوماسيين أو السياسيين الذين يكون لهم موقف أو رأي أو اتصال ما بالأحداث المهمة.

الثالث: ومن وجهة نظري الشخصية ان القراءة العلمية الصحيحة يجب أن تعتمد المنهج العلمي بالنسبة لأية وثيقة، فليست كل كتابة تعتبر وثيقة، وليس كل رأي يعتبر سراً مهما كان قاله أو مهما كان كاتب الورقة.

فالوثيقة لدى علماء التاريخ لها قواعد محددة ومنهج واضح ولن نخوض في تفاصيلها وهي معروفة في المراجع التاريخية، ولكن الكتابة الدبلوماسية في معظمها لا تعتبر وثائق تاريخية لأنها لا تتبع المنهج التاريخي العلمي، وإنما لها منهج خاص بها لخدمة أهداف محددة للعمل الدبلوماسي، وقصارى ما فيها أنها تعبر عن رؤية أو قراءة لمعلومة، أما الوثائق الدبلوماسية السليمة فهي تكون مسجلة بدقة كمحاضر الاجتماعات ويتم توقيعها من الأطراف أو اتفاقات ثنائية أو جماعية، وقد تكون علنية أو سرية لفترة ما وفقاً لظروف الوثيقة والحدث، فكثير من الوثائق يتم الكشف عنها وفقاً لذلك وتتحول من السرية إلى العلنية رسمياً، ولعل أشهرها بالنسبة للشرق الأوسط هي وثائق سايكس بيكو التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا، وقامت روسيا بعد الثورة الشيوعية العام 1917م، بنشرها، وأظهرت بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية.

أما البرقيات التي ترسلها السفارات فهي أقل من مستوى الوثائق، وإنما هي كما سبق الإشارة تنقل معلومة محدودة القيمة من حيث الزمان والمكان والمحتوى. وهي تعبر عن رأي أو وجهة نظر أو رؤية معينة ومن ثم فهي قرينة على موقف وليست وثيقة ذات صدقية.

ولعل أكبر الفضائح المعاصرة هي تصريحات رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير بأن العراق لديه قدرة شن حرب نووية خلال 45 دقيقة، أو الأدلة التي استند إليها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول في اجتماعات مجلس الأمن بالأمم المتحدة حول قدرات العراق في مطلع العام 2003، وعرض ذلك بالصور على شاشة في الاجتماعات للتدليل على وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق. وكانت هذه معلومات أعطيت له من الاستخبارات الأميركية، ولكنها كانت معلومات مغلوطة وخاطئة وقد صدق عدد من الناس تلك المعلومات باعتبار مصدرها ومكانته، ولكن أبسط تحليل لذلك كان يوضح عدم صدقيتها. ونفس الشيء بالنسبة لما ذكره بلير والذي اتضح بعد ذلك استناده على رسالة دكتوراه لباحث عراقي موجودة على الانترنت، ولكن عضوا في المخابرات البريطانية بدون قصد أو بقصد تصور أنها معلومات جديدة وخطيرة.

ولقد كتبت مقالاً في جريدة الجمهورية المصرية بعد اجتماع مجلس الأمن الذي تحدث فيه كولن باول عن أسلحة الدمار الشامل في العراق في يناير/ كانون الثاني العام 2003م، وذكرت فيه عدم صدقية ذلك الكلام ووصفته بأنه جزء من الخيال العلمي والرغبات وليس تعبيراً عن حقائق. بالطبع كان ذلك فخاً نصب لأجهزة الاستخبارات الأميركية عن طريق العراق بسيارات تمويه خاصة.

ولست أدعي أنه كانت لدي معلومات موثقة تؤكد أو تنفي، ولكنني استخدمت أساليب التحليل العلمي السياسي، وخلصت لعدم قدرة العراق على إنتاج مثل تلك الأسلحة، واستخدمت الانترنت لاستخراج رسالة دكتوراه الباحث العراقي، واستخدمت منهج الذكاء المنطقي logical Intelligence لمعرفة عدم صدقية الادعاء بقدرة العراق على شن حرب نووية خلال 45 دقيقة. هذه بديهيات المعرفة والتحليل السياسي يتم التدريب عليها للطلاب الذين يدرسون العلوم السياسية والاستراتيجية.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3014 - الإثنين 06 ديسمبر 2010م الموافق 30 ذي الحجة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً