العدد 3038 - الخميس 30 ديسمبر 2010م الموافق 24 محرم 1432هـ

الدولة الإسلامية بين الشرعيّة الدينيّة والشرعيّة الإنسانية (2)

عبد العزيز كحيل comments [at] alwasatnews.com

إن الدولة الإسلامية تتأسّس بعهد واعٍ من شعب حرٍّ (أي اختارها عن قناعة) راضٍ بالقانون الإلهي تكون فيها الحاكميّة لله (أي يكون عمل الدولة منضبطاً بمقاصد الشرع وأصول الدين وقطعيات الشريعة تستمدّ منها فلسفتها وتتحرّك في الأطر الّتي لا تخالفها)، ويكون الشعب هو مصدر السلطات (أي هو الّذي يختار حكّامه وممثّليه ويملك محاسبتهم وعزلهم)، وتعتمد في تسيير شئونها على الشورى ليس بمعناها الأخلاقي كما هو متعارف عليه وإنّما كقيمة عمليّة يلتزم بها الحاكم والمحكوم وفق ما يبتكره البشر من آليّات وأساليب تضمن تحقيقها في الواقع باعتبارها إحدى رئتي المجتمع الإسلامي إلى جانب الحرية (ويجدر بالإسلاميين حتّى قبل مرحلة الدولة أن ينتقلوا بالشورى من طور الشعار الأخلاقي إلى الممارسة السياسية الفعلية)، ممّا سبق تتبيّن المساحة الكبرى المتروكة للجهد الإنساني في عمليّة إقامة الدولة الإسلامية وفق المنهج الطبيعي في التغيير المستفيد من التجارب البشرية بدءًا بتجارب التاريخ الإسلامي، بحيث يجد كل راغب في البناء فرصةً لبذل الجهد حتّى مع وجود اختلافات بين من يبنون، ولعلّه من المناسب الإشارة إلى إمكان إدراج فرضية دولة العقل كمرحلة تسبق دولة الشرع - كما قال الداعية راشد الغنوشي - لأنّ ذلك من شأنه تأليف القلوب وتذليل كثير من الصعاب وإيجاد فرص لتعلّم شئون الدولة ما يتيح التفقّه البصير الّذي يمزج بين النصوص الشرعية والواقع المعيش بتقلّباته وإكراهاته، فنحن المسلمين أشدّ الناس حاجةً إلى المصالحة الصادقة بين أبناء البلد الواحد وانتهاج التوافق مع الأطراف السياسية والاجتماعية بدل مغالبتها بعناد لا تسنده أية قوة ذات بال، فحبذا لو جنحنا إلى الصياغات التوافقية والبحث عن القواسم المشتركة واكتسبنا المرونة المعهودة عند دعاة الإصلاح والتغيير وطلّقنا المواقف الحدّية والصياغات الاعتقادية الصارمة في مواطن الاجتهاد وتعدّد الرؤى، فذلك أدعى إلى إرساء قواعد متينة تقوم عليها الدولة المنشودة.

ولا أخفي أن الخشية ليست فقط من نموذج الدولة الدينية الثيوقراطية الذي عرفته أوروبا ولكن أيضا مما يشاع عن الدولة الإسلامية التي يصوّرها بعضهم بنفس البشاعة من تسلّط فكري وسياسي ورقابة «رجال الدين» على كل ما يقال ويكتب ويصوّر وحتى على الأنفاس... باسم الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! في قراءة حرفية جافّة لنصوص الوحي وتجارب التاريخ الإسلامي.

وتلخيصاً نقول إن الدولة الإسلامية يجب أن تؤسّس على الشرعية الإنسانية أي تقوم بإرادة غالبية الشعب وبجهود المقتنعين بالمشروع الإسلامي، وهي بالتالي تنفي كلّ أشكال الاستبداد ابتداءً ووسطاً وانتهاءً، وحتّى نصل إلى هذه القناعة الجازمة لابدّ من إنتاج فكر تجديدي كي لا نبقى مشدودين إلى التاريخ وكأنّه معصوم وكي لا نعادي تجارب سياسية ناجحة في أرض الله بزعم أنها وضعية رغم أنها نماذج إنسانية يمكن الاقتباس منها في مجال الأساليب والآليات المبتكرة الفذّة التي تمكّننا من تجسيد قيم العدل والمساواة والفاعلية ونحوها، لأننا نعلم أن الوسائل مشاعة بين الناس لا نستبعد منها إلا ما كان مخالفا للشرع، فهذا من الحكمة، والحكمة ضالة المؤمن، ومن أهمّ مقوّمات هذا الفكر مبدأ المشاركة بدل المغالبة وإتقان إدارة الحوار بيننا، وكذلك بيننا وبين غيرنا، وبالأخصّ تهدئة حدّة العواطف وإعمال القرائح وتذكية حركة العقول والأذهان ليدرك من قصر فهمهم - وما أكثرهم مع الأسف - أننا نريد دولة إسلامية لا مجرّد دولة الشعارات الإسلامية، ولابدّ أن يرتشف جرعات من الواقعية من لا ينظر إلى تلك الدولة المنشودة إلا بعين المثالية، وهي نظرة من شأنها إلهاؤنا بالأحلام عن العمل الجدّيّ والبذل المجدي، وليتأكّد المرتابون من الإسلاميين بأنّ الطريق الموصل هو طريق التربية بمعناها الشامل الممتدّ إلى كل ميادين الحياة الفرديّة والاجتماعية والكفيل بكسب الساحة وعزل خصوم الإسلام - وهم قلّة في البلاد الإسلامية رغم ضجيجهم - وبيان حجمهم أمام الرأي العام عند الاحتكام إلى صندوق الانتخابات، واتّقاء شرورهم، والتربية هي البديل عن الصراع الّذي ليس قدراً محتوماً في العمل الدعوي المتكامل إلا ما كان من لأواء لا محيص عنها في طريق الدعوة.

إقرأ أيضا لـ "عبد العزيز كحيل"

العدد 3038 - الخميس 30 ديسمبر 2010م الموافق 24 محرم 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 12:24 ص

      إن الدول الإسلامية أو من تقول بأن دينها هو الإسلام فل يحكمها الصندوق ولي الكرسي

      كثير ما تقع الدول الإسلامية في الشعارات الزائفة التي لا واقعية لها, وعندما يكون الحكم هو الصندوق هنا تختلف كل المعايير لأن الرأي العام هو من يحسم الأمر, فأين صناديق الإقتراع في الدول التي تدعي بأن دينها الإسلام وأنها دولة إسلامية في القيادة لشؤون البلاد

اقرأ ايضاً