العدد 3047 - السبت 08 يناير 2011م الموافق 03 صفر 1432هـ

الدور الأميركي في بلورة كيان جنوب السودان

عزوز مقدم Azzooz.Muqaddam [at] alwasatnews.com

الاستراتيجية الأميركية تجاه كل قضية في العالم بصفة عامة تصنعها أو تساعد في صنعها العديد من الجهات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومنها البيت الأبيض، مستشارو الرئيس، وزارة الخارجية، الكونغرس، البنتاغون، وكالات الاستخبارات، مجموعات الضغط، أجهزة إدارة الازمات، ومراكز الدراسات والبحوث، إذ تحاول كل جهة الضغط لتنفيذ ما تراه مناسباً.

لم يكن السودان ومنذ استقلاله ضمن الأجندة السياسية والإستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية إلا من خلال مدى علاقته بالدول العربية ومناصرته للقضايا العربية سواء القضية الفلسطينية وغيرها، خصوصاً بعد انعقاد قمة اللاءات الثلاث العام 1967 في الخرطوم التي أعقبت هزيمة يونيو/ حزيران، إذ شكلت تلك القمة مصدراً لبعث الروح المعنوية العربية من جديد ولنظام جمال عبد الناصر.

وعندما أخذت العلاقات العربية تتعزز مع الاتحاد السوفياتي آنذاك حاولت الولايات المتحدة الأميركية وقف تمدد تلك العلاقات جنوباً في إفريقيا فزار نائب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقتها السودان. بعد ذلك لم يعد السودان لدوائر اهتمام الإستراتيجية الأميركية، إلا بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول العام 1973م مع بداية تنامي وتركيز الاهتمام الأميركي بمصر باعتبارها دولة محورية في عملية السلام. ووصل الاهتمام الأميركي بالسودان قمته في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين أي في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري، حيث بلغ حجم المساعدات العسكرية للسودان في بعض السنوات نحو 200 مليون دولار، واشترك السودان في العديد من المناورات العسكرية الأميركية. ودخلت بعض الشركات الأميركية في تبادل تجاري مع السودان ومنحت الخرطوم في العام 1974 شركة شيفرون الأميركية مناطق امتياز للتنقيب عن النفط السوداني.

وأعتقد أن بداية التدخل الأميركي السالب في السودان بدأ عندما أُكتشفت غالبية آبار النفط في جنوب السودان ذي الغالبية المسيحية والمعتقدات الروحانية. وكان إعلان الرئيس النميري لتطبيق الشريعة الإسلامية في العام 1985 القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة مع أميركا. لذلك عندما بُعث الضابط الجنوبي في الجيش السوداني جون قرنق للدراسة في أميركا ووجدت فيه الدوائر الكنسية والصهيونية ضالتها وأوحت إليه ربما بقيادة حركة ثورية في جنوب السودان عقب نيله درجة الدكتوراه.

وبالفعل في العام 1983 قاد قرنق حركة التمرد في الجنوب ولعبت الكنيسة والمنظمات الغربية غير الحكومية دوراً بارزاً في تغذية حركته (الحركة الشعبية لتحرير السودان) من خلال تقديم المواد الإغاثية وحتى المساعدة في نقل المتمردين من منطقة إلى أخرى عبر مروحيات الأمم المتحدة. وقد شكلت الدول الإفريقية المجاورة مثل كينيا ويوغندا وإثيوبيا بوابة لتلك المنظمات وحتى لتمرير الأسلحة إلى حركة التمرد وانطلاق إذاعة خاصة بها من أديس أبابا.

وعقب مجيء ثورة الإنقاذ بزعامة عمر البشير بعام وتحديداً في العام 1990م، كانت هنالك محاولة أميركية لحل مشكلة جنوب السودان تتضمن نقاط مقبولة لدى الطرفين مثل التأكيد على وحدة السودان وإقامة نظام فيدرالي وديمقراطي ليبرالي. وكانت النقطة الأساسية التي أدت إلى فشل هذه المبادرة هي ما يختص بالفصل بين القوات في الجنوب، لذلك لم توافق عليها الحكومة السودانية ودخلت في سوء تفاهم مع الإدارة الأميركية. وفي ذات العام مارست أميركا ضغوطاً على السودان لإجباره على السير على نهجها ومن هذه الضغوط منع واشنطن سفينة محملة بالقمح وصلت ميناء بورتسودان من إفراغ شحنتها في الميناء السوداني رغم أن حكومة الخرطوم دفعت قيمتها وتم تغيير مسار السفينة إلى جهة أخرى.

وفى حرب الخليج الثانية كان موقف الحكومة السودانية في البداية رفض التدخل الأجنبي وإعطاء أولوية للحل العربي، وقد تم تفسير الموقف السوداني بأنه مؤيد للعراق ما أغضب الحكومة الأميركية وهو في الواقع غير ذلك. وفي مارس/ آذار 1990م وبعد لقاء الرئيس البشير مساعد وزير الخارجية الأميركي للشئون الإفريقية هيرمان كوهين أوقفت الإدارة الأميركية مساعدتها الاقتصادية والعسكرية للسودان تنفيذاً للقرار الذي ينص على عدم تقديم مساعدات لحكم جاء من خلال الانقلابات العسكرية ما لم تبدِ الحكومة استعدادها لإعادة الديمقراطية خلال ثمانية أشهر. وفي يناير/ كانون الثاني 1991م أثار إعلان البشير تطبيق الشريعة الإسلامية مرة أخرى غضب الولايات المتحدة، فبدأت تتحدث عن النظام على أنه عسكري وغير ديمقراطي وينتهك حقوق الإنسان ويقود حرباً دينية ضد العنصر الإفريقي في الجنوب ويرعى الإرهاب ويمارس تجارة الرق.

مع استمرار صمود الخرطوم في وجه الضغوط الغربية من خلال توحيد الجبهة الداخلية ومحاولة التوصل إلى اتفاقيات سلام مع المنشقين من حركة التمرد الأم وكذلك إجراء مصالحة مع بعض الأحزاب الشمالية المعارضة، أصبح العداء الأميركي لنظام البشير متناقضاً في بعض الأحيان، فهناك دوائر أميركية تدعو للاستثمار النفطي في السودان وعدم ترك السوق السوداني نهباً لرأس المال الآسيوي، وخصوصاً أن شركة شيفرون الأميركية هي التي اكتشفت واستخرجت النفط السوداني، في حين أن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة يشددون على فرض حصار اقتصادي على السودان ومعاقبة الشركات التي تتعامل أو تستثمر فيه.

وهناك شركات أميركية لم تستطع قطع علاقاتها الاقتصادية البتة مع السودان، خصوصاً تلك التي تستورد الصمغ العربي الذي يمثل السودان أكبر سوق له في العالم ويدخل هذا المحصول النقدي في الكثير من الصناعات.

عندما وصل الحزب الجمهوري إلى البيت الأبيض برئاسة بوش الابن، وجد أمامه صور متضاربة عن الحكومة السودانية، السالبة منها أكثر من الإيجابية. ولم تنجح الولايات المتحدة من عزل الخرطوم ولم تفلح حركة التمرد في إسقاطها من الداخل، لذلك فكر بوش في تغيير أسلوب التعامل مع الشأن السوداني لعدة أسباب منها، ضغوط اللوبي ضد السودان بصورة أزعجت الإدارة الجديدة. اعتماد الرئيس بوش في حملته الانتخابية على جزء كبير من سند الجماعات الدينية واليمينية، وجمعيات السود الأميركيين التي كانت تناصر حركة قرنق، بدء استغلال النفط السوداني من قبل الصين وخروج الولايات المتحدة وشركاتها الكبرى عن الاستثمار الواعد والمتميز بخفي حنين، تمتع حركة التمرد بدعاية كبرى داخل الولايات المتحدة وغياب وجهة النظر السودانية الرسمية. كما أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001م في نيويورك شكلت نقطة تحول عقلاني في التعامل مع الحكومة السودانية، حيث أدانت الخرطوم العملية وبدأت تعاوناً مع الإدارة الأميركية في مجال محاربة الإرهاب، فرفعت أميركا العقوبات الدبلوماسية عن السودان في سبتمبر 2002م. وهذا التحول جاء أيضاً بعد عدة إخفاقات للسياسة الأميركية في التعامل مع السودان، إذ فشلت الولايات المتحدة في تقديم دليل على أن السودان يرعى يدعم الإرهاب وخصوصاً بعد حل «مؤتمر الشعب العربي الإسلامي» ومغادرة أسامة بن لادن للسودان وتسليم كارلوس لفرنسا. وفشلت واشنطن في تقديم إثبات على أن هناك سودانيين شاركوا في تفجير مبنى التجارة الدولي في نيويورك في فبراير/ شباط 1993م. وفشلت في إثبات تورط سودانيين في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في مايو/ أيار 1995م. وفشلت في تقديم دليل على أن مصنع الشفاء للأدوية ينتج أسلحة كيماوية. وفشلت في تقديم ما يؤكد أن سودانيين لهم علاقة بتفجير سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام في أغسطس/ آب 1998م.

كل ذلك جعل الرئيس بوش يفرد مبعوثاً خاصاً للسودان من أجل التوسط في حل مشكلة جنوب السودان، وقد لوّحت الإدارة الأميركية ظاهرياً للجانبين (الحكومة السودانية وحركة التمرد)، أنها تريد سلاماً عاجلاً، وأن أي طرف يعرقل جهود السلام ستعاقبه ولكن في الواقع كان الضغط على الخرطوم فقط بدليل أن اتفاقية السلام منحت الجنوبيين المتمردين سابقاً حقوقاً لم يحلموا بها من قبل، كما أن اتفاقية السلام كانت عبارة عن مرحلة تمهيدية لانفصال الجنوب.

عندما اقترب موعد الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان المنصوص عليه في اتفاقية السلام، ظهر التحيز الأميركي جلياً لوجهة النظر الجنوبية من حيث تطبيق الاتفاقية، وتراجعت واشنطن عن وعودها أثناء مفاوضات السلام بأن تدعم وحدة السودان بل بالعكس صرحت وزيرة الخارجية الأميركية بأن انفصال جنوب السودان أصبح حتمياً. ورفعت الولايات المتحدة العقوبات عن جنوب السودان وأبقتها على الشمال، وتقدم أميركا السلاح للجيش الجنوبي بينما تحظر بيع الأسلحة على الحكومة السودانية، وتسمح واشنطن للمسئولين الجنوبيين على زيارتها في أية لحظة بينما تمنع مسئولي الحكومة المركزية.

أعتقد أن هناك أهدافاً كبرى بعيدة المدى لدى السياسة الأميركية في السودان منها السعي لبناء «قرن إفريقي كبير» في القارة السمراء وتحديداً في هذه المنطقة ذات الأهمية النفطية والمائية الممتدة من القرن الإفريقي حتى مناطق البحيرات في جنوب القارة الإفريقية وشرقها، وخصوصاً في ظل أهمية المياه كعنصر ضغط على بعض الدول ومنع الإسلام من التمدد في المنطقة على حساب المسيحية. وقد ألمح لهذا تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن في يناير/ كانون الثاني 2004م، حيث أشار لصدور قرار عن الكونغرس بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأميركية في القارة الإفريقية، أوصى باعتبار السودان «قاعدة انطلاق جديدة للسياسة الأميركية في القارة الإفريقية»، ولكنه تحدث عن هذا المخطط بالطريقة الأميركية المنمقة المعهودة عن تحويل السودان لنموذج للديمقراطية في إفريقيا بعد إحلال السلام فيه، بحيث ينتقل صداه فيما بعد من دول القرن الإفريقي وصولاً لدول الشرق الأوسط عبر البحر الأحمر.

وإذا ما أدركنا أن الاحتياطي النفطي السوداني الإجمالي مرجح أن يصل إلى 3 مليار برميل، وأن القسم الأعظم من آبار البترول السودانية هي في الجنوب والغرب والشرق لاتضح لماذا ارتبطت بهذه المناطق قلاقل وتدخلات أميركية ولو بطريق غير مباشر مع أعوان أفارقة وانتهى الأمر باتفاقات سلام تشجع على الانفصال ضمناً.

لن تتحسن العلاقات الأميركية مع الخرطوم حتى بعد انفصال الجنوب الوشيك فقد رحلت واشنطن كل ذرائع الضغط إلى قضايا أخرى مثل الأزمة في إقليم دارفور الذي استلهم المتمردون فيه المكتسبات التي تحققت للجنوبيين، وبالتالي ربطت إدارة أوباما تطبيع العلاقات مع الحكومة السودانية بما يحرز من تحسن في أوضاع الإقليم الغربي.

وهكذا سيظل الخطاب الرسمي الأميركي يتميز بالحدة المفرطة تجاه النظام السوداني المتهم أميركياً بأنه استبدادي يمارس الإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ويدعم الإرهاب ويزعزع الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل لا تفتأ حكومة البشير توجه الانتقادات وتكيل التهم لأميركا بحيث لو عثرت بغلة بشاطئ النيل لتبرع مسئول سوداني بالإشارة إلى مؤامرة أميركية - صهيونية تقف وراء الحادث. وفي نهاية المطاف، يكون المتضرر الأكبر من هذه الدائرة المفرغة هي وحدة التراب السوداني والمواطن البسيط المغلوب على أمره

إقرأ أيضا لـ "عزوز مقدم"

العدد 3047 - السبت 08 يناير 2011م الموافق 03 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً