اللقاء مع تيمورلنك والوقوف على حريق دمشق

رحلة ابن خلدون إلى الشام (2)

وليد نويهض

كاتب ومفكر عربي لبناني

مال ابن خلدون إلى المفاوضة وشاهده على ذلك الماضي القريب ومثاله على الأمر تاريخ المغول (التتار) نفسه. فدولة المغول انطلقت بظهور جنكيزخان «أمير المغل من شعوب الططر» حين غلب «الغُزّ في المفازة واستولى على مُلك الططر وزحف إلى كرسي الملك بخوارزم (...) فغالبه على مُلكه، وفرّ أمامه، إلى بحيرة طبرستان (...) ورجع جنكيزخان إلى زنذران، من أمصار طبرستان فنزلها وأقام بها (...) إلى أن مات ودفن بها، ومات ابنه طولي وله ولدان، قبلاي وهولاكو، ثم هلك قبلاي، واستقل هولاكو بملك خراسان (...) واقتحم بغداد على الخليفة المستعصم آخر بني العباس وقتله، وأعظم فيها العيث والفساد (...) إلى أن هلك هولاكو سنة ثلاث وستين من المئة السابعة (يقصد 663 هجرية)» (التعريف، ص616). وحصلت المنازعة بين أمراء مصر «من موالي بني أيوب، وكبيرهم يومئذ قطز، وهو سلطانهم فاستولى على أمصار الشام التي كان هولاكو انتزعها من أيدي بني أيوب، واحدة واحدة، واستضاف الشام إلى مصر في ملكه» (التعريف، ص617).

بقراءة صاحب المقدمة تحول المُلك في مصر والشام من الأيوبية (الدولة التي أصابتها الشيخوخة) إلى المماليك (الدولة الشابة) وفي الآن نفسه انقسم المغول حين تحول ابن هولاكو (أبغا) إلى الإسلام. فأسلم بعد «أن كان أسلم بركة ابن عمه» وبعد ذلك أسلم بنو جقطاي من المغول «فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد جنكيزخان من المُغل». وانقرض مُلك بني هولاكو سنة (740 هجرية/ 1339م) و «افترقت دولتهم بين عمال الدولة وقرابتها من المُغل» إلى دولتين الأولى تابعة لبني هولاكو والثانية تابعة لبني جقطاي فتحالفت الثانية مع بني دوشي خان (الذين بقوا على البداوة) وأجلسوا ملكهم أميراً عليهم و «كبيرهم تيمور المعروف بتمر بن طرغاي (...) وزحف إلى بغداد فملكها من يد أحمد بن أويس» (التعريف، ص617).

استجار ابن أويس بصاحب مصر السابق السلطان الظاهر برقوق. وخرج السلطان و «جمع العرب والتركمان (...) فحشد ووصل الأبواب. ثم زحف تمر إلى الشام سنة ست وتسعين (يقصد 796 هجرية) وبلغ الرها، والظاهر يومئذ على الفرات» (التعريف، ص617) فخاف تيمورلنك من المواجهة وتراجع فاستولى السلطان الظاهر «على أعماله كلها ورجعت قبائل المُغل إلى تمر وساروا تحت رايته» (التعريف، ص 618).

وصل إلى تيمورلنك خبر موت السلطان الظاهر في مصر وما رافقه من قلاقل سياسية في فترة انتقال الدولة إلى ابنه فرج (ابن الظاهر) وتمرد أمراء الشام وفتنة الاتابك فاستغل الظرف وعاد إلى المنطقة و «مرّ على العراق، ثم على أرمينيا وارزتكان، حتى وصل سيواس فخرّبها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المئة التاسعة (يقصد 803 هجرية) (التعريف، ص619). وتابع سيره إلى حلب وبعلبك وضرب الحصار على دمشق وابن خلدون موجود فيها يحاول إنقاذها بعد أن عاد السلطان فرج وجيوشه إلى مصر خوفاً من انقلاب داخلي فيها تاركاً المدينة تواجه مصيرها.

نستطيع أن نتفهم موقف الحاج المسالم انطلاقاً من فهمنا لقصده من العرض التاريخي لسيرة المغول (التتار). بدأ المغول من مرحلة الخشونة (البداوة) فاندفعوا كالسيل الجارف يحرقون ويدمرون ويقتلون فهتكوا المدن والأمصار والعواصم واستباحوا بغداد واجتاحوا الشام إلى أن هزمهم قطز (أمير الجيوش في نهاية العصر الأيوبي) واستولى المماليك على الحكم ثم تحول المغول إلى الإسلام وانقسموا واستقر حالهم وخفت بداوتهم وانتقلوا بذلك إلى النعيم والترف. ثم انقسمت دولتهم ثانية ونهضت قوة بدوية جديدة تتميز بالخشونة والعنف على رأسها تيمورلنك (دولة صاعدة) في وقت تمرّ دولة المماليك بفترة اضطراب وانقسامات داخلية (صاحب مصر وأمراء الشام) وهو أمر يعطل إمكانات المدافعة ويسهل المهمة على تيمورلنك.

انطلاقاً من هذا الفهم التاريخي قرأ صاحب المقدمة الموقف السياسي واعتقد أن ما حصل أمس (الغزوات الأولى) يمكن أن يحصل اليوم. وكما تحول المغول في موجتهم الأولى إلى الإسلام يمكن إقناع المسلم المغولي (تيمورلنك) بالصلح وإنقاذ المدينة من الدمار والتخريب، وخصوصاً أن تاريخ الحروب التترية يقوم على الغزو ثم الانسحاب. فهم شعوب بدوية لا تستقر في مدينة وتستولي عليها لتقيم المُلك بل تمرّ في المدينة وتحرقها وتنتقل إلى أخرى وتكرر الأمر نفسه. المدافعة مغامرة حسب قانون ابن خلدون التاريخي وترجيح المفاوضة هو الأسلوب الأفضل لإقامة الصلح وإنقاذ المدينة.

وافق الحاج على تشكيل وفد يقوم بالاتصال ويمهد الطريق للتفاوض وتسليم المدينة سلماً بشرط المحافظة عليها وعدم حرقها وتدميرها. وخرج «القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ومعه شيخ الفقراء (...) فأجابهم إلى التأمين» لكنه طلب تشكيل وفد موسع يضم الوجوه والقضاة ورفض نائب القلعة في دمشق الأمر وتحصن فيها وانقسم أهل المدينة إلى خيارين. وخرج الوفد ثانية «متدلين من السور» بسبب رفض عساكر القلعة ذهابهم فاضطروا إلى التسلل نحو معسكر تيمورلنك «فأحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الأحوال، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد وتصرف الناس في المعاملات» (التعريف، ص619).

رفض عساكر القلعة الاتفاق الذي أتى به وفد المدينة فازداد الانقسام و «حدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع» وخشي ابن خلدون من العاقبة فذهب باكراً إلى جماعة القضاة عند الباب «وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر». وتدلى صاحب المقدمة من السور يعتزم اللقاء بتيمورلنك الذي سأل عنه عندما لم يلحظ حضوره مع الوفد المفاوض.

كان شاهد ابن خلدون على الحاضر هو الماضي ونجاح المسلمين في تحويل المغول إلى الإسلام على رغم انتصاراتهم العسكرية وتدميرهم الأمصار والمدن وصولاً إلى حرق ونهب عاصمة الخلافة العباسية آنذاك. فلماذا لا ينقذ المدينة من خلال ملاطفة هذا الطاغية واللعب على عواطفه ودغدغة أحلامه.

يروي الحاج قصة اللقاء الأول مع تيمورلنك (مدّ له يده وقبلها) ثم استدعى من بطانته «الفقيه عبدالجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم ما بيننا» (التعريف، ص619). وبدأ الحوار في الزمان والمكان وحوادث البشر وبلاد المغرب وأحوالها وجغرافيتها، وطلب منه تيمورلنك كتابة معلوماته خطياً (فقدت تلك الكراريس التي بلغت 12 دفتراً). وحضر الطعام وطلب إليه الجلوس و «تناولتها وشربت واستطبت» (التعريف، ص620).

لاحظ الحاج أن تيمورلنك ارتاح للجلسة فأراد أن يستغل الظرف لطلب حاجته منه وهي إنقاذ المدينة من الدمار والحرق «فزورت في نفسي كلاماً أخاطبه به وأتلطفه بتعظيم أحواله وملكه» (التعريف، ص620). فابن خلدون يعلم أن هذا النوع من الطغاة لا يفهم لغة العقل والروح ولا يملك ذرة من الأخلاق ليحدثه بالفضيلة والموعظة الحسنة (كما فعل الوفد الذي التقاه صباحاً) فلجأ إلى كلام يستريح إليه وتختلط فيه المعلومات بالأساطير وما يقوله أصحاب الطلاسم والتنجيم وضرب الكف وقراءة المستقبل. فبادره إلى القول «لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك» واستغرب المترجم الفقيه عبدالجبار كلامه. وقال له «ما سبب ذلك؟». وأخذ يشرح له توقعات المتصوفة وما يقوله كبار الأولياء عن ظهور كائن في آخر الزمان. وبعد أن حدد ابن خلدون علامات ذلك الكائن وصفاته ومواصفاته وفترة ظهوره أشار إلى أن ذاك الشخص إنما هو (تيمورلنك).

فشلت خدعة ابن خلدون ولم تكن موفقة في إقناع الغازي إذ مع طلوع الفجر «جاءه الخبر بفتح باب المدينة وخروج القضاة وفاءً بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان». وسار إلى دمشق و «دخل إليه القضاة وأعيان البلد ودخلت في جملتهم، فأشار إليهم بالانصراف (...) وأشار إليَّ بالجلوس» (التعريف، ص622). وأدى موقف تيمورلنك إلى إثارة الشبهات حول ابن خلدون و «سر» اجتماعه المنفرد به طوال الليل إلى الصباح. لكن صاحبنا انصرف بعد انصرافهم وذهب إلى بيته في دمشق وعكف على كتابة ما طلبه تيمورلنك في «وصف بلاد المغرب» (التعريف، ص623).

إذاك توتر الجو في المدينة وحولها بعد فشل المفاوضات واشتد الحصار على القلعة وضاق وتهدم جدرانها فطلب أهلها الأمان. لكن تيمورلنك ضرب القلعة وطمس معالمها و «صادر أهل البلد على قناطير من الأموال» و «أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة (...) وأضرموا النار (...) فاتصلت بحيطان الدور (...) فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمراً بلغ مبالغهُ في الشناعة والقبح» (التعريف، ص623).

ما كاد يسيطر على دمشق حتى خرج أحدهم وادعى الخلافة واستدعى تيمورلنك الفقهاء والقضاة وبينهم الحاج وسألهم بأمره. وشرحوا له قصة الخلافة وانهيارها في العهد العباسي وأن هذا المدّعي لا حق له بها.

عاد ابن خلدون والتقى به واصطحب معه هدية تشتمل على مصحف وسجادة صلاة ونسخة من قصيدة البردة في مدح الرسول (ص). واستقبله وأخذ الهدية ووضع المصحف على رأسه وقبّل السجادة، و»تقبل ذلك كله وأشعر الرضى به» (التعريف، ص625). وطلب منه صاحبنا الإذن له بالعودة إلى مصر والإفراج عن المخلفين من السلطان من «القراء والموقعين والدواوين والعمال» فوافق على إخلاء سبيلهم. ورفض عرض تيمورلنك بالانتقال معه من دمشق إلى «الاردو عندي». ثم التقاه قبل أن يترك تيمورلنك المدينة قافلاً إلى بلاده ويعود هو إلى مصر. وفي طريق عودته تعرض له «جماعة من العشير» وقطعوا عليه الطريق ونهبوه مع أصحابه و»نجونا إلى قرية هنالك عرايا». بعدها انتقل إلى صفد ثم غزة ومنها إلى القاهرة فوصلها في 803 هجرية و «كان السلطان صاحب مصر، قد بعث من بابه سفيراً إلى الأمير تمر (تيمورلنك) إجابة إلى الصلح الذي طلب منه» (التعريف، ص626).

أهم ما في لقاءات ابن خلدون المتكررة مع تيمورلنك (دامت 35 يوماً) أنه يروي لنا ما قاله له من شروح في التاريخ والدروس المستخلصة من حوادثه. وتكشف تلك الروايات التي كتبها في أيامه الأخيرة أن الحاج لم يعدل نظريته في التاريخ (العصبية والدولة) بل إنه يدمج في شروحه بين نظريات المقدمة وحوادث تاريخه ويضيف عليها الكثير من المعلومات وخصوصاً تلك التي تتعلق بأمر المغول وصولاً إلى المماليك وعصرهم وهي كلها حوادث راهنة كان لصاحبنا دوره الخاص في مراقبتها وملاحظتها ومحاولاته الفاشلة لتعديلها. فآخر ما كتبه (السيرة) يعتبر في مقام الوصية التاريخية التي تلخص كل عمره الثقافي والعلمي والمعرفي منذ طفولته في تونس إلى إقامته الطويلة في مصر

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3115 - الجمعة 18 مارس 2011م الموافق 13 ربيع الثاني 1432هـ

التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً