العدد 3363 - الإثنين 21 نوفمبر 2011م الموافق 25 ذي الحجة 1432هـ

اليوم الدولي للتسامح: التسامح تلك الحقيقة الغائبة

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

كعادته لا يتوانى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن تذكيرنا بالأيام الدولية وخاصة تلك التي تحمل قيما إنسانية نبيلة، وها هو بمناسبة اليوم الدولي للتسامح (16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 ) يبعث رسالة إلى العالم داعيا «ألا تقتصر ممارستنا لمفهوم التسامح على التعايش السلمي، على رغم أهميته البالغة، بل يجب أن تستند إلى فهم حقيقي يعززه الحوار والتفاعل الإيجابي مع الآخرين». وإن إحياء هذا اليوم للتسامح واعتماده أمميا دليل على ضيق العالم بمفهوم العنف والانتقام وما لف لفهما.

إن تدويل مفهوم التسامح ليس بـِدْعا مع هذه المنظمة الدولية وإنما هو راسخ في الديانات التوحيدية قديم قدم الإنسان وما قصة قابيل وهابيل إلا واحدة من صور العنف والتسامح في الحياة روتها كل الأديان، فضلا عن سير الأنبياء والرسل والصالحين وهي شهادات أكثر من أن تحصى أو تحصر.

لكن ما شدني في رسالة بان كي مون تركيزه على «التسامح الفعلي» وسبل تعزيزه، وفي ذلك إشارة واضحة وصريحة إلى أن هذا الشعار يرفع من دون أن يعمل به ولئن جاء حرص بان كي مون على هذا السلوك النبيل والراقي كونه من القيم الأساسية التي تشكل جوهر المنظومة القيمية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن حرصنا - نحن العرب والمسلمين - عليها من باب أولى كونها من المعاني التي يتضمنها اسم الله «العفوّ» حيث قال جل جلاله: «إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوّا قديرا» (النساء: 149). وكذلك للدعوة القرآنية الكريمة إلى العفو: «وأن تعفو أقرب للتقوى» (البقرة: 273) وقوله تعالى: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» (آل عمران: 134).

وإذا ما نظرنا إلى تقلبات المنطقة العربية والإسلامية على أيامنا هذه وجدناها في أشد الحاجة إلى تعزيز التسامح الفعلي بل في أشد الحاجة إلى «جمعة التسامح» على غرار عناوين الجمع الأخرى التي يطلقونها. نعم شباب الدول العربية التي نجحت فيها الثورات وغيَّرت نظم الحكم فيها يحتاجون إلى هذا الترياق: التسامح بلسم للبناء، لبناء أوطانهم من جديد ولا يعني التسامح في مثل هذه الدول التنازل عن حقوق الشعب في محاكمة رموز الفساد القديمة بشكل عادل وفي ظروف قانونية ولكن من دون كيل التهم جزافا وتخوين هذا ورمي ذاك بتهم باطلة ليست من التسامح في شيء ولا من العدالة الانتقالية المرتقبة، وهو ما يدعو هؤلاء الشباب في هذه البلدان إلى أن تكون نفوسهم بعد نجاح الثورة كبيرة على حد قول جواهر نهرو «النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تسامح».

أما الدول التي لاتزال تحت وطأة الاحتجاج والعنف والعنف المضاد فلها أن تتذكر قول دوج هورتون «في سعيك للانتقام احفر قبرين... أحدهما لنفسك». وكذلك قول غاندي «إذا قابلت الإساءة بالإساءة فمتى تنتهي الإساءة؟».

لكن أنـَّى لهؤلاء وأولئك أن يتذكروا قول هذا وقول ذاك؟ أنى لهم الاستماع إلى أقوال بان كي مون الداعية إلى تعزيز التسامح الفعلي والمنطقة كلها على شفا جرف هار تتجاذبها الأحلام في الديمقراطية والإصلاح السياسي من جهة، ومن جهة أخرى المطامع الأجنبية التي قد تركب هذه الأحلام فتحوّلها إلى كوابيس مزعجة؟

أين منا اليوم من يتذكر قول الإمام الشافعي: «وعاشر بمعروفٍ وسامح من اعتدى»، أو أين منا من يسمع لتولستوي حين قال «عظمة الرجال تقاس بمدى استعدادهم للعفو والتسامح عن الذين أساءوا إليهم»؟

وليس أجمل من أن نختم بقصة لو كتبت بالإبر على آماق البصر لظلت عبرة لمن يعتبر حيث حُكي أن صديقين شدا رحالهما وفي الطريق الصحراوي امتدت يد الأول على الثاني بالضرب على وجهه بعد اختلاف في الرأي فتألم الصديق وكتب على الرمال:اليوم ضربني صديقي. ووصلا طريقهما حتى علقت رجله بالرمال المتحركة وكاد يغرق فيها لولا أن ساعده صديقه فكتب على الصخرة: اليوم أنقذني صديقي من الموت. فسأله الصديق: لماذا كتبت في المرة الأولى على الرمال و الآن عندما أنقذتك كتبت على الصخرة؟ فهل عرفت عزيزي القارئ الإجابة؟

تعلموا أن تكتبوا آلامكم على الرمال وأن تنحتوا المعروف على الصخر

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 3363 - الإثنين 21 نوفمبر 2011م الموافق 25 ذي الحجة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 10 | 3:03 م

      مزيد من التسامح

      عظمة الرجال تقاس بمدى استعدادهم للعفو والتسامح عن الذين أساءوا إليهم


      جميل هذا الشعار لو يقع تطبيقه

      موضوع يستحق مزيد التوسع والإلحاح عليه

    • زائر 9 | 12:24 م

      وعاشر بمعروفٍ وسامح من اعتدى

      أرجو أن يتخذها الجميع شعارا

    • زائر 8 | 7:30 ص

      اليوم الدولي للتسامح

      يا خوي وين انت وين التسامح ما في خلاص الكل يبي ياخذ حقو ولو على جثة غيره
      الله يستر يا رب

    • زائر 7 | 6:09 ص

      تعلمنا

      تعلموا أن تكتبوا آلامكم على الرمال وأن تنحتوا المعروف على الصخر

      يا ريت يا أستاذ

    • زائر 6 | 5:30 ص

      متسامح

      شكرًا لك يا استاذ سليم على طرح هذهي المواضيع الجميلة

    • زائر 4 | 5:29 ص

      متسامح

      شكرًا لك يا استاذ سليم على طرح هذهي المواضيع الجميل

    • زائر 3 | 3:44 ص

      جميلة

      هي تلك القصة التي ختمت بها

    • زائر 2 | 2:35 ص

      لا ننتظر با كي مون

      ولكن نحتاج إلى العودة إلى قيمنا العربية الإسلامية والاتصاف بالحِلم والعفو لكي نتعايش

    • زائر 1 | 11:11 م

      أرجو

      أرجو أن يعم التسامح أرجاء وطننا البحرين قبل أن تستفحل فيه الأزمة

اقرأ ايضاً