العدد 3487 - السبت 24 مارس 2012م الموافق 02 جمادى الأولى 1433هـ

تحصين الحكم عبر العدل وليس عبر تشجيع جماعات متشددة وأنانية

ريم خليفة Reem.khalifa [at] alwasatnews.com

الصراع بين المطالبين بالاصلاح والديمقراطية والداعين الى المحافظة على الوضع القائم حتى لو كان دكتاتوريا ومخالفا في نهجه لحقوق الانسان ليس جديدا، فهو صراع مرتبط بطبيعة المجتمعات في كل زمان ومكان، وتزداد حدة الخلاف في المجتمعات التي تعاني وتعايش قهرا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في قبالة من يسعى للهيمنة على السلطة المنفردة اعتمادا على الرأي المنفرد. ولكن المشكلة تتعقد قليلا عندما يتم تحشيد جماعات لمعارضة الاصلاح باسم المجتمع، وكأن بعض الناس في هذا المجتمع يختلفون عن كل البشر، وكأنهم لا يريدون عدالة او انسانية، وليست لهم علاقة بهذه القيم.

وهذه الجماعات لا تمثل أي طائفة أو فئة في المجتمع، وهي تمثل من يقوم بتحفيزها لكي تتحول الى أداة لمعارضة اي فكرة ديمقراطية تحت مبررات مختلفة، ولكن اهمها الخوف من خسارة المصالح التي يحصلون عليها من الوضع القائم.

ان المتغيرات التي حدثت في 2011 ودخلت عامها الثاني (2012) في المنطقة العربية شهدت ثورات وانتفاضات أصبحت بسبب جرأتها محل اهتمام المجتمع الدولي الذي يتابع عن كثب ما يحدث في شوارع كل عاصمة عربية، وأصبحت «الصحوة الديمقراطية العربية» ظاهرة جديدة، ولذا فان هناك من يحاول اختطافها او حرفها، او تشويهها.

واليوم تعيش المنطقة مرحلة جديدة، ولكن مع الاسف نرى هناك جماعات متشددة وأنانية، تقاوم الصحوة الديمقراطية، وهي لا ترى مستقبلاً لها خارج أروقة السلطة والنفوذ والمواقع التي حصلت عليها بسبب اختلال ميزان العدل، وهي تعيش على اساس عدم وجود أي قيمة لآخرين معها في المجتمع، وهي على استعداد لتنفيذ كل خطة علنية او سرية لإقصاء الآخرين، وابعاد أي جماعة او فئة تؤمن بمبادئ انسانية، وهذه الجماعة اصبحت متددة في اقصاء المختلفين معها حتى من الفئة التي تدعي تمثيلها، ولا تتردد عن فعل اي شيء تعتقد أنه يخدم مصالحها فقط.

المصيبة الأكبر ان هناك من يعتقد ان تشجيع هؤلاء المتشددين المناهضين للديمقراطيين يعتبر افضل وسيلة لمقاومة الصحوة العربية، وهناك من يعتقد بان هذه الجماعات ستبقى الى الأبد ادوات مطيعة في يده لمساعدته في قمع الحركة الديمقراطية، ولكن هذا الامر غير صحيح، لان هذه الجماعات عندما تستقوي تصبح هي سيدة الموقف ومن ثم تنقلب على من ساعدها في الوصول الى ما وصلت اليه من نفوذ وسلطة.

وهكذا اصبحت الحركة الديمقراطية ليست في مواجهة الدكتاتورية الرسمية فحسب، وانما هناك جماعات تطالب بالدكتاتورية وتطالب بالقمع اكثر من اجهزة الأمن القمعية، وهذه الجماعات تفعل ذلك من أجل مصلحتها الشخصية وليس اهتماما بالشأن العام، وهذه النماذج تجلت بشكل واضح وأصبحنا نرى ابتعادا عن القيم بشكل فاضح.

هذه الجماعات تم تنميتها لدعم سياسات التضييق على كل المطالبين بالعدالة الاجتماعية وبالديمقراطية وبحرية التعبير والتظاهر السلمي، واصبحت هذه الجماعات متخصصة وتعمل بدوام كامل في برامج ومشاريع لتنفيذ حملات تضليل وبث الرعب من المستقبل ومن اللحاق بركب الديمقراطية.

وفي مقال كتبه الكاتب محمود يوسف بكير بعنوان «أرخص إنسان على وجه الأرض» في الشبكة العربية الدولية وحيا فيه شهداء وأبطال ثورات وانتفاضات الصحوة العربية الذين يضحون بأنفسهم واستقرارهم وسلامتهم الشخصية ويخلفون الأسى والألم والحزن لأسرهم من بعدهم ليس من أجل مصلحتهم الشخصية ولكن من أجل أجيال المستقبل، واعتبر ان المعركة طويلة وشرسة بين النور والظلام وبين الضمير الحي والضمير النائم لأن الضمير لا يموت أبداً.

الكاتب وضع في مقاله تساؤلات، مثل: هل تشعر حقاً أنك إنسان حر وتستطيع أن تتحدث بما تشاء دون خوف كما هو حال أخيك الإنسان في مناطق أخرى في العالم؟ ما هي أرخص سلعة في بلادنا؟ وهل يوجد ما هو أرخص من الدم العربي؟

الكاتب بكير اختتم مقاله بواقعة الأسوار التي حدثت في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز حيث كتب أحد الولاة إلى الخليفة يطلب منه مالاً كثيراً ليبني سورا حول عاصمة الولاية التي يحكمها لتحصينها ضد أي ثورة محتملة، فأجابه عمر «ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم». هذه الواقعة تعيد قراءة فصول وصفحات من التاريخ العربي وأيضا ما هو معاش حاليا في الشوارع التي نراها محاصرة إما بقوات أمنية أو بأسوار عالية أو بخرافات تستهلك في تضليل وإرهاب المجتمع أن يطالب بحقه.

ان تحصين الحكم كما قال عمر بن عبد العزيز يأتي عبر اقامة العدل وليس عبر تشجيع جماعات متشددة وانانية واقصائية تلتهم كل شيء من اجل مصالحها الخاصة، ومن ثم تنقلب على من استخدمها لقمع المطالب الديمقراطية.

إقرأ أيضا لـ "ريم خليفة"

العدد 3487 - السبت 24 مارس 2012م الموافق 02 جمادى الأولى 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 21 | 2:09 م

      عندما يعدل الحاكم

      الحاكم العادل هو من يتفقد أحوال الرعيّة بأي شكل حتى ولو تنكر في زيّ شخص عادي، المهم يصل إلى الحقيقة. الحاكم العادل هو من يقوم بزيارات للسجون و يلتقي بالسجناء ليتأكد بنفسه-لا بتقارير ترفع إليه- هل يهذه السجون أناسٌ سُجنوا ظلماً أم أنهم مخطئون حقاً و يستحقون السجن. عندما يعدل الحاكم فإن الأمن سيسود بلاده، و يخلص له رعيته و يحبوه من أعماقهم، و لا خوف عليه و إن نام تحت ظل شجرة. و كما قال قيل للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وُجد نائماً تحت ظل شجرة: عدلتَ فأمنتَ و نمت. فالعدل أساس الملك

    • زائر 20 | 1:47 م

      القضاء!!!!!!!!!!!!!

      اذاصلح صلح كل شي!!!!!!!!!!!

    • زائر 18 | 8:54 ص

      العدل مقابل الظلم

      العدل يقابل الامن

      الظلم يقابل غياب الامن

      فماذا يختار طالب الامن العدل أو الظلم ؟

    • زائر 17 | 8:04 ص

      حولوا المطالبة بالعدالة الى مأساة علينا

      "المأساة" كل المأساة ان شرهم سيستشري حتى أعوانهم وبني لحمهم والحقود لا يستريح الا بتدمير نفسه ومن معه .

    • زائر 14 | 5:09 ص

      من قلب واديان

      دئمآ المصالح الشخصية هى حركة مادية فقط
      تحياتي للاخت الفاضلة ريم امدها الله بالصحة والعافية ورمز نحتدى به

    • زائر 13 | 4:37 ص

      لا أمان بدون عدل

      اذا فقد العدل ضاع معه الأمن

    • زائر 11 | 2:45 ص

      العدل أساس الملك

      على الحاكم أن يعدل بين الناس فلا يميز أنسان على أخر ولا فئه على أخرى , ولا يعمل لمصلحة فئة من المجتمع دون الأخرى والمساواة بين الناس.

      وكذلك علينا أن نفهم قول الرسول (ص) " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقالوا الصحابة فكيف ننصرة ظالماً يا رسول الله !! قال (ص) ترده عن ظلمه فذلك نصره.

      ولكنننا في هذه العصر العجيب نرى من يقف مع الظالم ويبرئ ظلمه ولا يكتفي بذلك بل يطلب من منه بالمزيد من الظلم بقطع أرزاق العباد وإنزال الشد العذاب عليهم.

    • زائر 7 | 1:52 ص

      نعم استاذه

      العدل ثم العدل ثم العدل هو الطريق لنشر الامان والمحبه

    • زائر 2 | 12:17 ص

      Agree With U

      Agree with U 100%

اقرأ ايضاً