العدد 3562 - الخميس 07 يونيو 2012م الموافق 17 رجب 1433هـ

المثقف ومشهد التغير العربي

شفيق الغبرا comments [at] alwasatnews.com

«لا مفر من مواجهة الحقيقة المحتومة وهي أن... الاحتجاجات من جانب المثقفين أو المفكرين لن تأتي لهم بأصدقاء في أعلى المناصب ولن تتيح لهم أن يحظوا بآيات التكريم الرسمي. والمثقف أو المفكر يجد نفسه إذاً في عزلة، لكن هذه العزلة خير من الصحبة التي تعني قبول الأوضاع الراهنة على ما هي عليه».

إدوارد سعيد، صورة المثقف: قد يكون المثقف روائياً أو صحافياً أو كاتباً وإعلامياً أو رساماً أو صاحب مدونة وفناناً فيؤثر في الآخرين، ناقلاً إليهم مشاعره وأحاسيسه ومشاهداته. إن جانباً رئيساً من هوية المثقف مرتبط أساساً بعدم تقبله القوالب الجامدة ومقدرته على التجديد والتساؤل والتصدي للخطأ، أكان ذلك ظلماً أم فساداً أم سوءاً. إن أحد مواصفات المثقف مرتبط بمقدرته على بناء مسافة مهما بدت بسيطة بينه وبين السلطة. فالسلطة في كل مجتمع معرّضة باستمرار للخطأ وتسعى بطرق مختلفة إلى تقييد الحريات وقلّما تفهم الثقافة أو تتفهم الرؤية النقدية والبعيدة الأمد التي يحملها المثقف. إن حتمية بناء المسافة بين المثقف والسلطة مرتبطة بطبيعة الثقافة، فالثقافة لا تتطور إلا بعلنية النقد وحرية التعبير والتقاط مصادر الظلم واحتياجات رفعة الإنسان والحفاظ على كرامته. إن محنة المثقف في بلادنا العربية مرتبطة بتعرضه لتأثيرات أنظمة سياسية تتحكم في تعابير الثقافة المعلنة. لهذا بالتحديد لا مثقف بلا استقلالية ولا قيمة للمثقف بلا شجاعة خصوصاً في التعامل مع مناخ سياسي لا يشجع على النقدية والرأي المخالف.

وفي نقاش دور المثقف العربي والتغير، فلنأخذ حادثتين من سورية قبل الثورة. الحادثة الأولى وقعت مع الروائية السورية روزا ياسين التي كتبت رواية توثّق فيها حال سجون الرأي في نظام الأسد. لكن روزا ياسين منعت من السفر لسنوات إلى أن سمحت لها المخابرات السورية بالسفر للتحدث عن الرواية العربية في مؤتمر «فكر 9» المعقود في بيروت في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2010 قبل «الربيع العربي» بأيام. كنت شخصياً رئيس الجلسة وصاحب الدعوة من خلال «مؤتمر فكر»، لكن في يوم سفرها إلى المؤتمر جاءها قرار المخابرات السورية، الذي كان صادماً للمشاركين في المؤتمر، والذي منعها من السفر. هذا يوضح جانباً من معاناة الثقافة والمثقفين في البلدان العربية. أما الحادثة الثانية فحصلت مع برهان غليون الذي كان في زيارة نادرة إلى وطنه سورية في صيف 2009 قادماً إليها من باريس حيث إقامته وعمله كأستاذ جامعي. قضى برهان أيامه في سورية، ثم عندما همّ بالخروج إلى لبنان في طريقه إلى فرنسا أوقف عند الحدود السورية وقيل له إنه منع من المغادرة من جانب المخابرات. سأل برهان المتفاجئ: أي مخابرات؟ قالوا له: عليك أن تبحث في دمشق بين الأجهزة الأمنية المختلفة. بدأ برهان في التنقل من فرع الى آخر مع صديق له في دمشق ليستدل على الفرع الذي أمر بعدم سفره. وحينما وجد ذلك الفرع في العاصمة، قابله رئيس الفرع الذي عاتبه بسبب توقيعه قبل سنوات على بيان مثقفين خاص بالإصلاح في سورية. ثم أردف رئيس الفرع مهدداً بلباقة: هذه المرة أستطيع أن أساعدك، لكن في المستقبل لن أستطيع عمل أي شيء. أعرف هذه القصة لأنني التقيت برهان في بيروت في اليوم الذي غادر سورية إلى بيروت في طريقه إلى فرنسا.

وكم من مرة على مر العقود ذهبت إلى مؤتمر فأعلم أن المشارك الثاني في الندوة من دولة عربية لم يأتِ على رغم وصول بحثه القيّم، وذلك بسبب عدم نيل الإذن من مدير الجامعة ووزير التعليم العالي والديوان والمخابرات والقصر والأجهزة المخفية وغير المخفية التي تتحكم بالثقافة. من جهة أخرى، لم أسمع على مر سنين وعقود من العمل الثقافي أن مثقفاً إسرائيلياً أو أوروبياً او أميركياً منع من حضور مؤتمر أو منع من تقديم بحث مهم كان يسارياً أو ثورياً أو نقدياً، لأنه لم يأخذ موافقة من السلطات.

إن معاملة المثقفين كخطر ومنعهم من السفر أو من دخول نصف البلاد العربية جعلت الفارق بين المفكر من جهة وبين القاعدة من جهة أخرى وكأنه غير ذي معنى. لقد ساهمت حالة المنع في وصولنا إلى ما نحن عليه اليوم من ثورات وغضب، فقد وصل غضب المثقف العربي وضيقه، بل وشعوره بالاختناق إلى الطبقات الوسطى والشعبية التي لم تكن لتعرف كيف تعبّر عن آلامها وتهميشها. إن معاملة المثقفين بتعسف جعلت المزيد منهم ينخرط في قضية التغير عبر إيصال رسالتهم إلى المجتمع المقهور. لهذا بالتحديد في ظل «الربيع العربي» والثورات العربية الراهنة تعبر الثقافة العربية عن لحظتها التاريخية، وهي في هذا تختبر بداية جديدة بدأت تخلصها من القيود التي كبّلتها... الثقافة العربية في طريقها لأن تفيض إلى العلن.

إن المثقف والحرية وجهان لعملة واحدة. فالحرية تعطي المثقف قوته، بينما يؤدي سلب الحرية إلى جعلها قضية نضال بالنسبة إليه. في الحالتين لا يمكن قتل الثقافة. فمثلاً عندما ألف صادق جلال العظم كتابه «في نقد الفكر الديني» بعد حرب 1967 عومل بتعسف وسُجن، وعندما ألف عبدالله النفيسي كتابه «الكويت والرأي الآخر» منذ عقود، وعندما ألف المرحوم خلدون النقيب كتابه «عن القبيلة والدولة في الخليج» قامت الدنيا ولم تقعد وعوملا معاملة سلبية، ولكن عندما كتب أخيراً محمد عبدالقادر الجاسم في الكويت كتابه «آخر شيوخ الهيبة» كانت ردود الفعل أهدأ. أحياناً يبرز في الأفق العربي بعض الاستعداد الرسمي لتقبل رسالة المثقفين، لكن لايزال القول بأن الحرية تنتزع ولا تعطى صالحاً كما تؤكد لنا تجارب الثقافة في مناطق العالم قاطبة.

وفي الثورة المصرية مجموعات من المثقفين تحولت لمصلحة الثورة وتبنتها قبل أن تنفجر بسنوات وعقود، فكم من مثقف مصري كتب للثورة وغنى لها قبل أن تكون (الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم مثلاً)، وكم من مثقف وضع في السجن بتهم لأنه عارض توريث السلطة كما حصل مع سعد الدين إبراهيم وشخصيات معارضة إسلامية وآخرين... بعض المثقفين لعبوا دوراً يكاد يكون مبشراً في الثورة مثل الروائي علاء الاسواني ومحمد سلماوي ومصطفى الحسيني. في الثورة المصرية تحول المثقف إلى قوة تغير ولايزال، وفي الثورة السورية شاهدنا كم من المثقفين السوريين هُمّشوا وعانوا وسحبت جوازات سفرهم ثم اضطروا للهرب من بلادهم من دون أن يحيدوا عن رسالة المثقف وسعيه إلى الحرية والتجديد. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الحراك البحريني والأردني واليمني وبقية الحراكات العربية في كل مكان...

هذا لا يعني أن المثقف عدو للسلطة في كل الأوضاع، والمسألة ليست بين الأبيض والأسود في كل الحالات، فقد شهدت البلاد العربية نوعاً من المثقفين ممن ينضمون إلى السلطات لفترات متقطعة ثم لا يلبثون أن يستقيلوا تاركين المكان وعائدين للناس ولتبني القضايا التي تؤثر في الحقوق والتجديد. كم من مثقف ممن عملوا في سلك القضاء أو سلك الحياة العامة تركوا نظام مبارك وأنظمة عربية كثيرة من أجل موقف ورأي مفضلين الانضمام إلى حسّ النقد والتغير؟ كم من مثقف رفض مواقع رئيسة لأجل المبدأ؟ وكم من مثقف انسحب من مشروع سياسي وكتابي لأنه يقدم صورة زائفة لواقع مرير؟

وللمثقفين نقاط عمياء، من أسوئها أن يرى المثقف آلام بعض الفئات ثم لا يرى آلام فئات تمر بظروف مشابهة في الجانب الآخر من السور... وقوع المثقف في كمين الكيل بمكاييل مختلفة بشأن الظلم والحقوق شائع. ففي حالات كثيرة نجد أن المثقف يرى حقوق السنّة ولا يرى حقوق الشيعة أو العكس، ونجده يتفهم حقوق المسلمين وبغض النظر عن حقوق المسيحيين من أبناء وطنه بينما يهمش حقوق المرأة ويغضب لتهميش حقوقه. هذا النمط من المثقفين لا يختلف عن المثقف الغربي الذي يرى حقوق الإنسان في العالم كله لكنه يقف عاجزاً أمام حقوق الإنسان الفلسطيني كونه يتصارع مع مراكز قوى مؤثرة في بلاده.

عودة المثقف العربي إلى عالمه النقدي والطبيعي تعني أن دور المثقف الرئيسي كان ولايزال يتلخص في إثارة الجدل وتسليط الضوء على النواقص ونقد الظواهر وطرح روايات جديدة للتاريخ وللأحداث الجديدة والمقبلة. في ظل الحالة العربية الجديدة الراهنة ستتصاعد هذه التعبيرات في الرواية والقصة وفي الكتابة والمقال وفي الشعر والأدب والمسرح والأغنية واللغة وفي الشبكات الاجتماعية. من الآن فصاعداً ستفشل محاولات احتواء الثقافة وذلك بفضل انكسار حاجز الخوف والرهبة، ستفيض بنا ثقافة جديدة في السنوات المقبلة. نحن في الطريق إلى عالم أكثر شجاعة وأكثر حرية.

إقرأ أيضا لـ "شفيق الغبرا"

العدد 3562 - الخميس 07 يونيو 2012م الموافق 17 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 3:01 ص

      لكنها أمانة يجب تأديتها على اكمل وجه مهما كانت النتائج

      المثقفين قادة الامم ومعلميهم وموقظيهم من سباتهم
      فبما اعطاهم الله من علم وفهم وخبرة فسمؤليتهم امام الله تقع في توعية الجهلاء من الأمة ودلّهم على الطريق الصحيح والسليم ومن يبخل فإن الله محاسبه فكما أن بخيل المال مسؤول عن ماله فكذلك بخيل الفكر والعلم والمعرفة ايضا محاسب عن كنز هذه الامور وعدم انفاقها في سبيل الله وقد تكون مسألة بث العلم والوعي احيانا اكثر اهمية من انفاق المال خاصة وإذا وجد من يلعب ويتلاعب بمقدرات الامة بسبب جهلها وغفلتها

    • زائر 2 | 12:55 ص

      عتب ايجابي

      الاستاذ شفيق الغبرا جدير بالاحترام لان مداخلاته في القنوات الفضائية منصفة في حق الاخرين وحيادية .والفقرة الاخيرة من المقال المنشور تؤكد ان المثقف يجب ان يكون جرئ في طرحة دون خوف وهذا للاسف نادر جدا في الدول العربية لان الحكومات صارت تشتري العقول لمصالحها لا لمصلحة الامه وهو سبب تخلفنا

    • زائر 1 | 12:37 ص

      المثقف وحالة المشهد العربي

      أعجبني الموضوع ، ولكن بات الان على المثقف الانتقال من حالة النقذ الى التواجد صفا بصف مع المناضلين من اجل الحرية ،

اقرأ ايضاً