إعادة استخدام المياه المعالجة في مملكة البحرين... المعوقات (2 - 2)

وليد خليل زباري

وليد خليل زباري

تناول المقال السابق فوائد إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في مملكة البحرين، وأوجه الاستخدام المحتملة لها، والتي تشمل بالإضافة إلى الري الزراعي الإنتاجي والتجميلي بشكل رئيسي، استخدامها في القطاع الصناعي والتغذية الصناعية للمياه الجوفية، وأنه في ظل تسارع معدلات الطلب على المياه في المملكة فإن استخدامها بكفاءة ضمن الموازنة المائية الكلية للمملكة يمكن أن يساهم في تخفيف عجز المياه الحالي والمستقبلي.

إلا أن عملية إعادة استخدام المياه المعالجة تحتاج إلى الكثير من المعايير والإجراءات الاحترازية والمراقبة المستمرة لضبط جودة المياه المستخدمة، كما تتطلب تقييم المخاطر الصحية والبيئية التي قد تنشأ في حال اختلال نظام المعالجة أو انخفاض كفاءته واتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لضمان تقليل نسبة هذه المخاطر، بالإضافة إلى وضع خطة للطوارئ في حال اختلال هذا النظام.

وعموماً يمكن تقسيم المعوقات التي تواجه إعادة استخدام المياه المعالجة في مملكة البحرين إلى معوقات اجتماعية وتقنية وصحية. وتتمثل المعوقات الاجتماعية في انخفاض الوعـي المائـي بالنسبة إلى المياه المعالجة والمعرفة بها عموماً في مملكة البحرين، ما ينتج عنه موقف سلبي وعزوف عن الاستخدامات المختلفة لهذه المياه، وقد دلت إحدى الدراسات التي تم إجراؤها في العقد الماضي لتقييم وعي الجمهور البحريني ومعرفته بأنواع مياه الصرف الصحي المعالجة وموقفه بالنسبة إلى إعادة استخدام هذه المياه تحت مختلف الظروف، على أن هناك رفضاً عاماً لاستخدام هذه المياه بسبب المحاذير الصحية، والاشمئزاز النفسي، والاعتقادات الدينية. ولذلك فإن هناك حاجة ملحة إلى عمل برامج وحملات تثقيفية وتوعوية بالنسبة إلى المياه المعالجة في مملكة البحرين وخصوصاً لمستخدميها. ففي حال استخدام المياه المعالجة في الري الزراعي، المستخدم الرئيسي لهذه المياه حالياً ومستقبلاً، هناك حاجة إلى تدريب المزارعين على كيفية التعامل مع هذه المياه واستخدامها في الري ونوعية المحاصيل التي تتناسب ونوعية هذه المياه، وكذلك الإجراءات الاحترازية التي يجب اتخاذها من قبل المزارعين عند استخدام هذه المياه في الري الزراعي الإنتاجي.

أما المعوقات التقنية/ الصحية فتتمثل في التلوث الميكروبيولوجي (البكتريا والفيروسات) لهذه المياه، إذ دلت الدراسات الوبائية على أن استخدام مياه الصرف الصحي «غير المعالجة» في الري الزراعي كان مصحوباً بالكثير من الأمراض الوبائية (السالمونيللا، الدوسنتاريا، الكوليرا، إلتهاب الكبد الوبائي، التيفود) بسبب احتوائه على الأحياء الدقيقة (البكتريا والفيروسات والبيض والطفيليات المتحوصلة) المنتشرة في مياه الصرف الصحي، والتي لا يمكن رصدها أو معالجتها بواسطة عمليات المعالجة التقليدية ويلزم استخدام طرق المعالجة المتقدمة. ولذلك يتم في مملكة البحرين استخدام المعالجة المتقدمة المتمثلة في عملية الأوزون لإبادة هذه الأحياء الدقيقة والقضاء عليها. وكما ذكر في المقال السابق تذهب بعض الدول، مثل دولة الكويت، إلى إضافة معالجة رباعية، مثل التناضح العكسي، كإجراء احترازي إضافي لضمان التخلص من الكائنات الدقيقة التي من الممكن ألا يتم القضاء عليها بواسطة طرق المعالجة الثلاثية. وعلى رغم استخدام هذه التقنية المتقدمة في مملكة البحرين فإن هناك حاجة إلى تقييم مخاطر واحتمالات اختلال نظام المعالجة المعمول به حالياً لضمان الحماية الصحية والبيئية من عملية الاستخدام.

كما يمثل تراكم العناصر الثقيلة (التي تنتج عن إلقاء المواد الكيماوية والصناعية وغيرها في شبكة المجاري المنزلية) في التربة أحد المعوقات التي يجب النظر إليها عند استخدام هذه المياه في الري الزراعي، إذ إنه وعلى رغم أن محتوى العناصر الثقيلة في المياه المعالجة قليل نسبياً في هذه المياه ومعظم الترب الزراعية رملية جيدة التصريف، فإن فرصة تجمع وزيادة التركيز لهذه العناصر تعتبر كبيرة نسبياً، وذلك بسبب قلوية التربة في مملكة البحرين والتي تؤدي إلى تثبيت بعض العناصر الثقيلة، وبالتالي قد تتراكم هذه المعادن ويزداد تركيزها إلى مستويات قد تجعلها سامة للنبات والإنسان معاً. كما يؤدي تفريغ المياه الصناعية في شبكات مياه الصرف الصحي البلدي إلى إدخال بعض المواد العضوية وغير العضوية السامة في هذه المياه، ورفع تركيز بعض العناصر إلى درجات تجعلها مضرة لمستخدمي المياه المعالجة وسامة للنبات.

يشار هنا إلى أنه وعلى رغم امتلاك مملكة البحرين خططاً طموحة لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في الري الزراعي وتخصيصها موازنات ضخمة نسبياً لذلك، فإن جانب البحث العلمي وإجراء البحوث العلمية المعمقة والخاصة بدراسة الظروف المصاحبة لاستخدام هذه المياه في المملكة وتقييم الآثار الصحية والبيئية لها على المديين القصير والبعيد، لم يحظ بالاهتمام المطلوب الذي يتناسب مع حجم هذه الخطط.

كما يعتبر عدم الوضوح الإداري في تحديد الجهة المختصة والمسئولة عن الجوانب الصحية والبيئية لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ومراقبة نوعيتها بشكل مستمر واتخاذ الإجراءات الاحترازية للمحافظة على الصحة العامة والبيئة إحدى الثغرات الواضحة في توجه المملكة لإعادة استخدام المياه المعالجة، على رغم إنشاء «الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية» في العام 2002، بصفتها المسئول الرئيس في المملكة عن حماية البيئة وتخويلها باتخاذ جميع الإجراءات الوقائية للحد من التلوث البيئي ومنعه، فإن دور الهيئة مازال غير واضح في هذا المشروع الوطني الكبير، إذ تعتبر الهيئة العامة الجهة الأمثل للقيام بالدور الرقابي للمياه المستخدمة وتقييم المخاطر الصحية والبيئية التي قد تنشأ في حال اختلال نظام المعالجة أو انخفاض كفاءته، بالإضافة إلى وضع خطة للطوارئ في حال اختلال هذا النظام.

لقد أصبحت عملية إعادة استخدام المياه المعالجة جزءا أساسيا من عملية إدارة الموارد المائية في دول العالم المتقدم، وتحتاج هذه العملية إلى وجود مستوى إداري عال رفيع المستوى يمتلك رؤية استراتيجية شاملة وتكاملية، ويعتمد على المنهج العلمي السليم الذي يشمل حصر جميع مصادر المياه المتاحة ونوعيتها المتاحة حالياً ومستقبلاً، وحصر استخدامات القطاعات المختلفة والمواصفات المطلوبة لمياهها الحالية والمستقبلية ومن ثم وضع الخطط والبرامج للتوزيع الأمثل لحصص المياه لهذه القطاعات بحسب احتياجاتها الكمية والنوعية، ويتبع ذلك منهج التخطيط الديناميكي متعدد المعايير والذي يشمل التحليل والتقييم الاقتصادي والتقني والبيئي/ الصحي والاجتماعي والمؤسسي للمواءمة بين المصادر المتاحة ومتطلبات القطاعات، وهو، للأسف، أمر مازال بعيداً عما هو متبع في إدارة الموارد المائية في المملكة

العدد 1402 - الأحد 09 يوليو 2006م الموافق 12 جمادى الآخرة 1427هـ

التعليقات (0)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم