العدد 3646 - الخميس 30 أغسطس 2012م الموافق 12 شوال 1433هـ

حصة العرب من «ضرائب المناخ»

نجيب صعب comments [at] alwasatnews.com

ناشر ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»

إن انعقاد القمة العالمية حول تغير المناخ في الدوحة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 يشكل فرصة للدول العربية لتلعب دوراً فاعلاً في المفاوضات، كما يحمّلها مسؤولية في العمل من أجل إنجاح القمة ووصولها الى نتائج إيجابية واتفاقات عادلة وفعالة.

هذا ليس واجباً فقط، بل هو ضرورة حقيقية للدول العربية. فعدا عن أن هذه الدول هي من أكثر المتضررين من آثار تغيّر المناخ، ستكون لأية تدابير قد يتم الاتفاق عليها لوضع قيود على استعمالات الوقود الأحفوري مضاعفات مباشرة على اقتصادات الدول المنتجة للبترول، بما لا تنحصر آثاره داخل هذه الدول، بل تنعكس على برامج التنمية في المنطقة العربية كلها. ويظهر التقرير الذي يعده المنتدى العربي للبيئة والتنمية، حول البصمة البيئية والموارد الطبيعية في الدول العربية، ويتزامن صدوره مع قمة الدوحة، أن جميع الدول العربية تعاني عجزاً في الموارد المتجددة التي توفر مصادر الحياة، وهي تستهلك ضعفي ما هو متوافر محلياً، خاصة في مجال الغذاء. ويتم تغطية هذا العجز، بشكل أساسي، من عائدات تصدير النفط. لذا يجب التحضير الدقيق لمرحلة انتقالية استعداداً لانخفاض أكيد في حصة الفرد الحقيقية من دخل النفط.

في مواجهة هذا التحدي، انتهجت معظم الدول النفطية سياسة سلبية في مفاوضات المناخ خلال السنوات الأخيرة، تميزت بمحاولة التأجيل عن طريق التعطيل، من دون تقديم مقترحات إيجابية وبدائل. غير أن تأجيل المشكلة لا يؤدي إلى حلها أو إلغاء وجودها. فالانخراط الايجابي في المفاوضات هو الطريق الأفضل للوصول إلى اتفاقات تدعم حقوق الدول العربية النفطية في تحول سلس إلى اقتصاد قليل الكربون، كما تؤهلها لمواجهة تحديات تغيّر المناخ.

فقد أظهرت جميع الدراسات الموثوقة، وخاصة التقرير العلمي الذي أصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية عام 2009، أن البلدان العربية هي من المناطق الأكثر تعرضاً لتأثيرات تغير المناخ المحتملة، وأبرزها الإجهاد المائي، وتراجع إنتاج الغذاء، وارتفاع مستوى البحار، وتردي الصحة البشرية. ولكي تستفيد الدول العربية من الدعم الدولي التقني والمالي الذي تحتاج اليه للتكيف مع آثار تغير المناخ، عليها أن تلعب دوراً إيجابياً للمساهمة في العمل الدولي للوصول الى اتفاقات جدية.

جميع الدول الصناعية تقريباً وكثير من الدول النامية تطور وتنفذ الآن خططاً وطنية لكفاءة استخدام الطاقة. على الدول العربية أن تكون جزءاً من هذا التوجه العالمي، فتضع أهدافاً لترشيد إنتاج الطاقة واستهلاكها، مرتبطة بجدول زمني محدد. يمكن للدول العربية مثلاً وضع هدف لتحسين كفاءة الطاقة بما لا يقل عن 20 في المئة مع حلول سنة 2020، بمعدل 2 في المئة سنوياً، والعمل لجعل هذا هدفاً دولياً متفقاً عليه.

أما في ما يتعلق بالطاقات المتجددة، فعلى الرغم من الفكرة الشائعة عن أنها غالية الثمن، إلا أنها اليوم واحدة من أسرع القطاعات تطوراً في العالم، بحيث وصلت الاستثمارات فيها الى 256 بليون دولار عام 2011، وهذا يوازي ستة أضعاف ما كانت عليه عام 2004 على المستوى العالمي. وقد تضاعفت إمدادات الطاقة المتجددة لتصل الى 16,7 في المئة من الاستهلاك العالمي عام 2010، وفي نهاية عام 2011 ازدادت بنسبة 8 في المئة عن عام 2010. وفي دول الاتحاد الأوروبي، كانت حصة الطاقة المتجددة 71 في المئة من مجموع الزيادة في إمدادات الكهرباء عام 2011، ما جعل النسبة العامة للطاقة المتجددة من إمدادات الكهرباء تتجاوز 31 في المئة. وقطاعات الأعمال التي تبيع اليوم بضائع وخدمات «أقل كربوناً» تحقق أرباحاً تتجاوز قطاعي الفضاء والتسلح مجتمعين. وقد وضعت دول صناعية ونامية، بما فيها الاتحاد الأوروبي والصين والهند والبرازيل، أهدافاً لاعتماد الطاقة المتجددة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة مع حلول سنة 2020.

الدول العربية ليست غريبة عن هذا التوجه، بل لديها قصص نجاح كثيرة يمكن أن تتحدث عنها في قمة الدوحة. فالسعودية أعلنت عن خطة طموحة لإنتاج 41 جيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول سنة 2032، ما يجعلها تنافس أكثر الدول تقدماً في هذا المجال. وقد بدأت استثمارات ببلايين الدولارات لإقامة عدة محطات شمسية تنتج ما بين 60 و600 ميغاواط في الامارات والكويت وعُمان والجزائر والأردن والمغرب وتونس. والتزمت مصر بإنتاج 20 في المئة من الكهرباء من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2020، بينها 7200 ميغاواط من الرياح.

تشير جميع التوقعات إلى أن حصة الطاقة المتجددة ستصل الى 50 في المئة عالمياً سنة 2050. ولا يمكن أن ننكر أنه على الدول العربية المصدرة للبترول أن تكون مستعدة للتعامل مع هذا الوضع، الذي سينتج عنه انخفاض في حصة الفرد الفعلية من دخل البترول. فما هو المطلوب من هذه الدول لكي تحافظ على مستوى لائق من الحياة لشعوبها، وتفي بالتزاماتها بدعم برامج التنمية في المنطقة عامة؟ وهل تؤدي سياسة المساهمة في تعطيل الاتفاقات إلى نتائج مفيدة؟

على الدول النفطية: أولاً، تنويع اقتصاداتها لتخفيف الاعتماد شبه الكامل على البترول. ثانياً، تحويل دخل النفط المرتفع اليوم الى تكنولوجيا يتم تطويرها وامتلاكها محلياً، وليس استيرادها على شكل معدات جاهزة. ثالثاً، الاستثمار في الطاقة المتجددة، ليس للاستهلاك المحلي فقط بل للتصدير أيضاً.

ولأن هذه البرامج تحتاج الى حجم ضخم من التمويل، على الدول العربية المصدرة للبترول، وجميعها دول نامية، أن تفاوض خلال مرحلة انتقالية للحصول على حصة من أية «ضرائب مناخية» يتم فرضها على البترول في الدول المستهلكة، واستخدام هذه الحصة في صندوق مناخي مخصص لتمويل برامج التحول الى اقتصاد أقل كربوناً في الدول النفطية. فليس من العدل أن تحصل الدول المستهلكة على كامل الدخل من «ضرائب المناخ» واستثناء أطراف الانتاج.

كما أن على الدول والمجموعات الاقليمية العربية تطوير قدراتها الذاتية في التكنولوجيا والبحث العلمي في المجالات المناخية. ومن الضروري أن تدعم تفعيل تعهدات المؤتمرات السابقة لتأمين تمويل كاف لتطوير التكنولوجيا ونقلها وبناء القدرات. ولدى الدول العربية أيضاً مبادرات كبيرة في هذا المجال يمكن أن تفتخر بها في قمة الدوحة، من مركز الملك عبدالله للطاقة المتجددة في السعودية الى معهد مصدر للطاقة المتجددة في أبوظبي.

لكن لا يمكن الاستمرار في اعتبار جميع الدول النامية، المنخرطة في ما يسمى مجموعة الـ77، كتلة واحدة تنطبق عليها الشروط نفسها. فبعد تحوّل الاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا الى المصدر الأكبر لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في العالم، أصبح من الواجب اعتماد ثلاثة مسارات: أولاً، الدول الصناعية المتقدمة المسئولة تاريخياً عن الانبعاثات الكربونية تلتزم فوراً بتنفيذ أهداف طموحة وسريعة لتخفيف الانبعاثات ومساعدة الدول الأخرى على الانتقال الى اقتصاد قليل الكربون. ثانياً، تُعتبر الصين ودول الاقتصادات الصاعدة مجموعة مستقلة، تلتزم بتخفيض الانبعاثات تدريجاً وفق جدول زمني وأهداف محددة، ويتم منحها فترة سماح ما بين خمس وعشر سنوات. ثالثاً، تعطى بقية الدول النامية فترة سماح أطول تصل الى عشرين سنة، مع حوافز مالية وتكنولوجية تزداد قيمتها مع تسريع الالتزام بتخفيض الانبعاثات.

كلنا أمل أن تكون قمة الدوحة حول تغيّر المناخ فرصة لإثبات الحضور العربي الإيجابي الفاعل، فنكون، كأصحاب مصلحة، شركاء في صنع القرار الصائب.

إقرأ أيضا لـ "نجيب صعب"

العدد 3646 - الخميس 30 أغسطس 2012م الموافق 12 شوال 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:20 ص

      لماذا نعطى الدنية فى بترولنا

      اننى لست ممن يطلق عليهم المتشككون والذين ورائهم من يدفعون .بل انا من المهمومين بغرق الدلتا فى مصر وليست لى اى اتصالات باحد.احزننى غرق الدلتا طبقا لتقرير اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية .فبحثت فى الامر على مدى اكثر من خمس سنوات واؤكد لسعادتكم ان الدلتا لن تغرق وليس لما يسمى بالاحتباس الحرارى اى دور فى ذوبان جبال الجليد فى القطبين .ان هى الا فزاعة زكية وماكرة للاقناع بالرعب وليس بالعقل .(حصة العرب من ضرائب المناخ).ان ذلك لا يخرج عن اثبات الحضور العربى الفاعل والايجابى .حاجه صعب موش كدا..

اقرأ ايضاً