العدد 3676 - السبت 29 سبتمبر 2012م الموافق 13 ذي القعدة 1433هـ

فصل الطب العام عن الخاص... الهدف والتوقيت

علي العكري

طبيب استشاري بحريني

فكرة فصل الطب العام عن الخاص لم تكن وليدة اللحظة، وإن كان الهدف من أحيائها في هذه الفترة ذا مدلولات وأهداف سياسية وطائفية لا يختلف عليها عاقلان متابعان للساحة البحرينية.

نعم، الموضوع وفي أساسه قديم، ويرجع لفترة تولي الوزير الأسبق خليل حسن زمام وزارة الصحة، حيث وضع آنذاك في أولويات أجندته، التصدي لظاهرة الاستغلال الجشع للخدمات الصحية «المجانية»، خصوصاً من قِبل القلة القليلة من الاستشاريين «المتنفذين». فقد دخل الوزير آنذاك في حرب مفتوحة مع هؤلاء المتنفذين، واتخذ حينها قرارات عدة لم يكتب لها -للأسف- النجاح ودخول حيز التنفيذ لوقف عجلة الاستغلال الجشع لهؤلاء «القلة»، والمتمثل في تحصيل مبالغ مالية من المرضى «المضطرين» مقابل العمليات والأشعة والفحوصات وحتى الغرف الخاصة في بعض الحالات!

للأسف، لم يكتب للوزير الطموح والحالم حينها بوزارة «أفلاطونية»، لم يكتب له النجاح، فسرعان ما ترجل عن صهوة حصانه الجريح وتركه لإدارة وكلاء ومدراء ممن كانوا غير قادرين على مواجهة أيٍّ من هؤلاء المتنفذين كي لا يدخلوا معهم في مواجهة تكون عاقبتها فقدان مناصبهم الريادية التي ما كانوا يحلمون بها لولا المحسوبيات التي يتمتعون بها.

لقد لعبت الإدارة العليا بوزارة الصحة ومنذ زمن طويل دور الشريك والمتستر على كل تلك الممارسات والتجاوزات، حتى أصبح عُرفاً وأمراً طبيعياً تحصيل مبالغ نقدية من المرضى المساكين مقابل خدمات عامة مادام المدخل لها هو عن طريق العيادة الخاصة!

أذكر ذات يوم حضرت أحد اجتماعات المجلس الطبي الأسبوعي في الإدارة ممثلاً لقسم جراحة العظام، وطرح الوكيل المساعد آنذاك الموضوع ذاته قائلاً لرؤساء الأقسام ومن ينوب عنهم: «قولوا لزملائكم في الأقسام أن لا يأخذوا أموالاً من المرضى مقابل العمليات والفحوصات! ترى إحنا إنعرف بعضهم وعندنا مستمسكات ووثائق وشكاوى بالاسم على وايد منهم!»، فردّ عليه أحد رؤساء الأقسام: «ليش إحنا إنقول لهم، إنتو عمّموا وكلّموهم وقدموهم للنيابة إذا عندكم وثائق وشكاوى عليهم».

يومها عقّبتُ على كلام الزميل قائلاً: «من أمن العقوبة أساء الأدب»، وأضفت: «يجب اتخاذ إجراءات رادعة لكي يكونوا عبرةً لمن تُسوّل له نفسه، لكن (عمك أصمخ)». أمِنَ من يتجاوز ويستغل المال العام العقوبة فتمادى هو ومن لحقه حتى صار الأمر -للأسف- عرفاً وشرعاً... فمازالوا حتى هذه اللحظة يمارسون نفس النهج والممارسة والاستغلال الجشع، وبمباركة غير معلنة وعلمٍ من إدارة المستشفى.

الآن، وقد جاءت الفرصة مع ما يتطلبه الوضع السياسي والطائفي المقيت، انتفضت الوزارة وبقيادة القائمة بأعمال الوزارة إبان أوج الأزمة السياسية وكمخرج من مخرجات السلامة الوطنية، وجدت الوزارة أن إجراءً من هذا النوع (أي الفصل) سيفي بالغرض المطلوب على أكمل وجه، ويُقصي شريحةً كبيرةً من الأطباء الاستشاريين من فئة معينة، بحُجة الحفاظ على الخدمات العامة، وتفرّغ الأطباء للعمل في المستشفى! وبذلك يتم التخلص من شريحةٍ مشاكسةٍ وغير مرغوبٍ فيها لانتماءاتها ولسانها الطويل، ويتم بذلك «تطهير» المستشفى منهم كما طُهّر «الدوار»!

طبعاً في المحصلة، يفّرغ المستشفى من كلّ الكوادر والتخصصات الدقيقة والناجحة، ويتحول المجمع إلى «مركزٍ صحي» كبير، ما يضطر المريض المعدم والفقير إلى البحث عن تلك التخصصات خارج المستشفى، ويستعد لمستقبل من الديون فوق الديون.

الحل كما أرى، نعم للفصل، ولكن ليس بين الطب الخاص والعام، وإنّما الفصل بين الطبيب المخلص الملتزم و»الطبيب المتنفذ الجشع».

إقرأ أيضا لـ "علي العكري"

العدد 3676 - السبت 29 سبتمبر 2012م الموافق 13 ذي القعدة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 15 | 1:11 م

      المتضرر الوحيد هم المرضى

      ستفقد وزاره الصحه الصحه بخروج هؤلا الاستشاريين
      من سيسدالفراغ الذي سيحصل والكفائه والخبره التي سيفتقدها المستشفى
      حاليا مع وجود الاستشاريين وهناك نقص شديد في الاطباء فمثلا د العجمي لديه عده الاف من المرضى السكلر او امراض الدم من سيحل محله
      الرجاء دراسه الموضوع بدقه
      ابوفيصل السكران

    • زائر 14 | 7:07 ص

      لكن الطرف الاخر

      الدكاتره لايرحمون المرضى في عياداتهم من رسوم مبالغ فيها فياريت يرحمون المرضى الذين يقتلعون اللقمه من افواه اولادهم لعلاجهم في بعض العيادات التي لاترحم.
      ارحوا من في الارض وخفضو من رسومكم شوي ترى مو الكل يقدر يدفع هذي المبالغ .

    • زائر 13 | 5:42 ص

      شكرالكم يادكتور

      بارك فيك يادكتوريا من وفيت لبلدك وشعبك فأنت وزملائك الأطباء والمنرضين حقا ينطبق عليكم ملائكة الرحمة فشكرالكم شكرالكم فلابدمن يوم تكرمون من الشعب تكريمايشرف مابذلتموه في حق الشعب

    • زائر 12 | 5:42 ص

      لا يصح

      لا يصح الجمع بين وظيفتين ،،، او طبيب يعمل بالوزارة او يتفرغ للطب الخاص,,, و اذا صح لمهنة الطب فلم لا يصح لمهمة الهندسة !!!

    • زائر 11 | 4:54 ص

      الشعب المسحوق

    • زائر 9 | 3:28 ص

      بارك الله فيك دكتورنا

      منور الصحيفة دكتورنا الغالي، دمت موفقاً عزيزاً..

    • زائر 8 | 3:24 ص

      مصوا دماء الشعب

      هذا من أنجع القرارات الحكومية ومن يعتقد إنه طائفي فقد تجنى على طائفتة والوزارة. أصبح الكثير من الإستشاريين مثل مصاصوا الدماء يستغلون حاجة المريض إلى إجراء عملية ويستغلون توافر الأجهزة في السلمانية ويستغلون نفوذهم ليحصلوا على غرف خاصة لمرضاهم, وفي نفس الوقت لا يداومون إلا ساعتين بالكثير. بعض الإستشاريين يجني 40 ألف دينار لجيبه العامر كل شهر!! إذا دفع حصل على العناية وإلا فلينتظر في أروقة أجنحة السلمانية. ولن يتأثر مستوى العلاج بل سيتحسن بعد التطهير.

    • زائر 7 | 12:54 ص

      نعم من طرح الموضوع كان صادق و بنية الاصلاح فابعدوه عن الوزارة

      الان كلمة حق يراد بها باطل
      يمكرون و يمكر الله

    • زائر 6 | 12:52 ص

      المفلس يبحث في الدفاتر القديمة

      أن هذا الموضوع كان مدار بحث على مدى

    • زائر 5 | 12:37 ص

      هناك حل لكل الوطن

      أعتقد أن الوقت قد حان لبناء اقتصاد شعبي قائم على أموال الشعب و تأسيس مؤسسات شعبية توفر كل الخدمات و فرص العمل لأبناء هذا الشعب من تعليم و صحة و مجمعات و غذاء و إعلام و غيرها ... و هذا التحرك بالمختصر المفيد يقيم دولة داخل دولة و يحل مسألة الإقصاء ... و يكسر ظهر الدولة فهي تعتمد على أموال الشعب ... و من جانب آخر له إيجابياته المعيشية و السياسية ...

    • زائر 4 | 12:36 ص

      أنتقام طائفي فقط ..!!

      يا ولد العكري يا أبن بلادي هاي الأنتقام اللي قايم عليكم بسبب أنسانيتكم بعلاج الجرحي والمصابين فهذه هي قيمه الفاتوره التي أرادت الحكومه لكم بأن تدفعوها والعالم كله يقف معكم هذه الوقفه , قلوبكم صافيه كصفاء بياض الثلج ,,,,

    • زائر 2 | 11:06 م

      ولد سترة

      بارك الله لك يادكتور علي شكرا لكم

    • زائر 1 | 11:01 م

      تلك هي اجراءات لا يراد بها سوى ...

      في كل زاوية يطبقون مايريدون وينخرون في جسد الوطن ويحاربون كل مخلص له
      ولاهله انهم هم اين ما دهبوا تعرفهم من تصرفاتهم واصواتهم واقلامهم
      لا بارك الله في كل عمل لايرضي الله

اقرأ ايضاً