هل مازال للطائفية من حظ في ربيعنا العربي؟

محمد عبدالله محمد

كاتب بحريني

شَهِدَ العالَم، خلال ثلاثين سنة، حربيْن عالميتيْن طاحنتيْن. الأولى (1914 – 1918) تعاركت فيها أربع عشرة دولة. خسرت البشرية خلالها ثمانية ملايين ونصف المليون قتيل، وواحداً وعشرين مليون جريح، وسبعة ملايين مفقود. وفي الثانية (1939 – 1945) تحاربت فيها واحدٌ وثلاثون دولة. وخسرت البشرية فيها اثنين وستين مليون إنسان، ودُمِّر سبعون في المئة من البنية التحتية لأوروبا.

دققوا في تلك الأرقام. إنها مهولة بكل المقاييس. وإذا ما أضيف لها التقسيم السياسي الجديد للعالم، وانهيار دولة وقيام أخرى، سنعلم أن المسألة غاية في «الكارثية». وعلى رغم كل ذلك الدم المراق، فإن أوروبا اليوم، بها اتحاد سياسي واقتصادي!. أوروبا التي قدَّمت كلَّ تلك الملايين من القتلى والجرحى والمشردين، هي اليوم تعيش فيما بينها شراكة حقيقية. وربما أصبحت تلك الذاكرة المزكومة، بمثابة التاريخ «الطارئ» على الأوروبيين، الذي به يتندرون على أحوال سابقة لا أكثر.

السؤال هنا: لماذا نسيت أوروبا (أو كادت أن تنسى) مأساتها في الحربيْن العالميتيْن، على رغم تلك الخسائر الفلكية، وأيضاً، على رغم قرب مأساتها «زمنياً» عن حاضرها اليوم، لكنها لم تنسَ بعد، المأساة، التي خلفتها الحروب الدينية على أرضها، خلال القرنين، الخامس عشر والسادس عشر، والتي اندلعت بين الأوروبيين، على رغم أن الفاصل التاريخي في هذه الحرب، هو أضعاف مضاعفة، لما يصل الحربيْن الكونيتيْن عن الحاضر الأوروبي؟ هذا سؤال جدير بأن يُناقَش ويُدرَس.

كيف أصبحت السياسة والاقتصاد والدفاع في المدرك الأوروبي، من الأمور المشتركة، ومن دون أدنى غضاضة، لكن بقِيَت الهوية الأوروبية، والحالة الثقافية فيها وحولها، تعاني حساسية التموضع، والحدود الفاصلة والحادة فيما بينها؟

إن الإجابة عن تلك التساؤلات تنبغي منها توسيع دائرة النظر والاحتمال. فالحروب الدينية الأوروبية ضربت أدق ما تملك تلك الشعوب، وهو الهوية، فتباعدت أنوية الناس والجماعات عن بعضها، ثم وبعد علاج أمرها بالكَي، ارتبطت، بالتساكن فيما بينها لا أكثر، ثم تأجَّل البَتُّ في أمر تعايشها حتى حين. الغريب، أن تلك الحروب، لم يقتصر أثرها على الوجدانيات والمشاعر، ودواخل الإنسان الأوروبي، أو الأميركي، بل امتد ليصل حتى إلى التوزيع الديموغرافي الهش، الذي يفصل الأقوام عن بعضها. ولنا في سويسرا وبريطانيا وهولندا وغيرها شواهد في ذلك.

فهذه الحرب، تختلف عن غيرها من الحروب إنها حرب تندفع من عروق رقاب البشر. وتدار سيوفها على أوتار حمِيَّة الروح، التي ترمي على وقع الانتماء الديني والمذهبي، الذي به يتجانس الناس على مشتركات تاريخية وحاضرة، يتسالم عليها الأقربون في الدم، فتصبح شرعيتها من شرعية الوجود، فيتداعى الناس إلى نصرة بعضهم بجنون الانتماء الفرعي، لا انتماء الأصل، الذي يُرجِع الناس إلى إنسانيتهم الأولى.

عندما نرجع إلى مسببات الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية، سنرى أن الحرب الأولى قد اشتعلت بعد اغتيال ولي عهد النمسا، الأرشيدوق فرانز فرديناند مع وزوجته في سراييفو، على يد طالب صربي متطرف. وفي الحرب الثانية، اشتعلت بسبب غزو ياباني لمنشوريا (1931) وإيطالي لأثيوبيا (1933) وألماني للنمسا ولتشيكوسلوفاكيا (1938) وإيطالي لألبانيا، ثم ضم بولندا إلى الرايخ الثالث الألماني، والذي فجَّر الصراع على أشده في العام 1939.

إذاً، فالموضوع فيه تغوُّلات واستفزازات عسكرية لدول، حقَّ لها أن تتصارع ثم تتصالح. لكن، لو رجعنا إلى مسببات الحروب الدينية، سنرى أنها عبارة عن «نقاشات دينية»، واجتهادات في الرسوم المسيحية، وبروز حركات الإصلاح الديني وليس شيئاً آخر، أدت إلى اندفاع المنتمين إلى انتمائهم والدفاع عنه بوحشية متناهية. لم يكن أصل الصراع قائماً على كولونياليات أوروبية فوق الأرض الأوروبية. لكن تلك الرسوم، والاتهامات بالتجديف الديني، جعل القارة تتقاتل فيما بينها لقرن وبضع سنين، ومات من أجل ذلك خلق كثير.

بالتأكيد، حصلت هناك مجازر دامية، حيث صُرِعَ أربعة ملايين فرنسي بين العام 1560 - 1598 وأعدِمَ ألفان من الأناباتيست. لكنها لا تساوي شيئاً أمام ضحايا حروب القرن الماضي؛ والسبب هو، أن مذاق الحروب الدينية، يختلف تماماً عن مذاق الحروب السياسية. الأولى يكون المقدس فيها حاضراً، والثانية تفرض المصلحة نفسها على المتحاربين.

ما أودُّ أن أقوله من كلِّ ذلك، هو أن نعِيَ نحن العرب والمسلمين خطورة ما كان، لكي لا نتورَّط في مثله. المنطقة اليوم، تشتعل على أوار نار طائفية خطيرة، تغذيها أنظمة وسياسات سوداء، يخيطون عتمتها في دوائر استخباراتية، لا نعلم أبوابها أين، سوى أنها في الغرب ومريديه، الذين صرَّحوا في غير مرة، أن منفعتهم هي حرب طائفية، بين الشيعة والسُّنة في الشرق الأوسط. هم يريدون لهويتنا أن تنفرط كما انفرطت هوية الأمم السابقة، فلا تقوم لنا قائمة.

أعداؤنا لن يخشوا شيئاً مادامت الحرب على أرضنا، والضحايا من أبنائنا، ووقودها من ثرواتنا، وموازنتها من أموالنا، ليبقوا هم منتظرون قطاف ثمرة ذلك الصراع. الغرب المسيحي، باع مسيحيي الشرق، بأبخس الأثمان، وهم ينتمون إليه في العقيدة ذاتها، ورآهم كيف يُهجَّرون ويُقتلون في العراق وسورية، من دون أن يقول أكثر من أنه صلى من أجلهم.

أيها العرب... هذه أرضكم، وناسها أبناؤكم. لا تقعوا فيما وَقَعَ فيه الأقدمون. امسحوا من داخلكم ما يدفعكم لكره أخوتكم، الذين يبتغون الهدف ذاته الذي لديكم. ارجعوا إلى أصل منبتكم، ستجدون أنكم بشر قبل كل شيء، حتى جاءكم النداء «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3775 - الإثنين 07 يناير 2013م الموافق 24 صفر 1434هـ

التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 2013-01-07 | 12:26 مساءً

      تتكلم عن الطائفيه

      بلله عليك شنؤ هادى العقليه المنحرفه المتحجره واحد اهو وزوجته فى سياره مفخخه على جسر المسيب بلعراق ينتظر هائولأء الزوار اطفال ونساء كبيرات فى السن وشباب ليقتل اكثر عدد منهم فى اعتقادة ان الرسول والله ينتظرونه على باب الجنه ليعطوه مفاتيح الجنه اسكن انت وزوجك هنئيأ لكم بما قمتم به وين مسلمين اى اسلأم

    • زائر 7 زائر 6 | 2013-01-07 | 3:56 مساءً

      نصيحة محلية ايضا

      نحن كذلك بين انفراج وتعقيد لازمتنا فتجد يوم تميل الكفة لاطراف اقليمية محسوبه هنا او هناك فيتفائل ويفرح البعض ويتشمت وييتوعد وايضا يحزن ويتشاؤم الاخر وبعد كم يوم تنقلب المعادلة وهكذا دواليك والسؤال المهم متى نفيق جميعا ونجعل الجرح يلتأم سريعا ونتصالح ونتفاهم ونتشارك في صنع مستقبل ابنائنا كما فعل الغرب

    • زائر 8 زائر 6 | 2013-01-07 | 5:27 مساءً

      طلب الحق وطلب الباطل

      هؤلاء ينطبق عليهم قول الأمير عليه السلام " لا تقاتلوا الخوارج من بعدي؛ فإنه ليس كمن طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه" وفي عصرنا أن من طلب الباطل فأصابه هي الصهيونية العالمية والامبريالية الأمريكية والأوربية

    • زائر 5 | 2013-01-07 | 12:23 مساءً

      وهذا دليل على تأثير الحرب الدينية في أوربا على حاضرها

      (((جماعات متشددة مؤيدة لبريطانيا وهي جماعة اولستر والجماعة الرئيسية الاخرى المتشددة للكالثوليك في ايرلندا الشمالية وهي مقاتلو حرية اولستر تثيران أعمال شغب في إيرلندا))) كما جاء في وكالات الأنباء!!!!!

    • زائر 4 | 2013-01-07 | 12:18 مساءً

      الأخ العزيز امعور قلبك ليش

      قلت مسلمين وين الأسلأم مناير ناطحه السحاب اكثر من ميزانيه جابوتى مصروف عليها للتجميل فقط و الديكور الله يقول واعتصموا بحبل الله وهم يعتصمون بل القاعده والأرهاب و اعداء الأنسانيه والمبكى المحزن هم الذين يدفعون اموال النفظ و الأسلحه الى ما يسمى بين قوسين المجاهدين لنصره الأسلأم 60 سنه هاهيه اسرائيل لم يقم واحد من القاعده او من يدعمهم الى عمليه انتحاريه فى تل ابيب او تحرير القدس

    • زائر 3 | 2013-01-07 | 11:55 صباحاً

      العقل واللسان

      قالها المرجع الكبير السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله : لن يفلح المسلمون إلا إذا وضعوا عقولهم في رؤوسهم لا في أسلنتهم يقولون كل شيء بلا حساب

    • زائر 1 | 2013-01-07 | 10:10 صباحاً

      قول

      تسأل وتجاوب علي روحك

اقرأ ايضاً