الأزمة السورية وعلاقتها بالنفط والغاز الطبيعي (1)

عبدالله جناحي

كاتب بحريني

هل للأزمة السورية علاقة بالاكتشافات النفطية الضخمة في الكيان الصهيوني؟ وما دور وعلاقة قطر وتركيا وإيران وروسيا ودول الغرب الأوروبي والولايات المتحدة ولبنان بهذه الاكتشافات والأزمة السورية؟ وبالتالي هل احتمالية هذا الصراع العسكري والسياسي في سورية الذي يتابعه العالم ظاهرياً وراءه المخفي مصالح اقتصادية ضخمة؟

يحاول هذا المقال أن يكشف ذلك عبر متابعة التحليلات والتصريحات المتوافرة التي تكشف بعض جبل الجليد المخفي لغاية الآن في أعماق مؤسسات وأروقة الحكم في هذه الدول. ففي تقرير أعده الفريق الاقتصادي بجمعية «وعد» عن هذه الاكتشافات نسرد ملخصه:

تشير معظم المقالات الإنجليزية إلى أن اكتشاف الحقل الصهيوني «لفيثان» البحري للغاز الطبيعي يعد أحد أهم اكتشافات الغاز في 2010، إن لم يكن أكبرها في العالم لغاية الآن، إلا أنه ليس بجديد على الكيان الصهيوني أن يكتشف مثل هذه الحقول في مياه البحر المتوسط. فكان أول اكتشاف له في 1999 لحقل «ماري- بي» الذي استمد منه نحو 2.8 مليار متر مكعب سنوياً لمدة 10 سنوات حتى نضب احتياطيه في أغلب الظن. تلاه اكتشاف حقل تامار البحري الذي يعد قريباً من حيفا، وقُدّر احتياطيه بحسب بعض الجهات الصهيونية الرسمية أنه قد يفي باحتياجات هذا الكيان للغاز الطبيعي لمدة 20 عاماً. وهنا تأتي أهمية حقل «لفيثان»، حيث صرح البعض في الحكومة الصهيونية بأنه، إن تمت إدارته بحكمة، فيمكن للكيان الصهيوني أن يُصدر الغاز لأول مرة في تاريخه، وخمّن البعض أن تكون الأردن ودول أوروبا أول المستوردين له.

وقدرت بعض الجهات احتياطي لفيثان بنحو 16 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي (أي نحو 450 مليون متر مكعب) في الطبقة الأولى (لفيثان 1) على عمق نحو 5.170 متراً من البحر التي تعد سهلة التنقيب نسبياً. أما في الطبقة الثانية، على عمق 7.500 متر، فقد قدر البعض أن هناك احتياطياً إضافياً لـ 9 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي (270 مليون متر مكعب)، إضافة إلى 600 مليون برميل من البترول، وهو احتياطي كبير بالنسبة للكيان الصهيوني والعديد من الدول على رغم صغره مقارنة باحتياطي السعودية على سبيل المثال (والمقدر بنحو 262 مليار برميل). وقد حاولت شركة «Noble Energy» التي اكتشفت هذا الحقل وتعد أحد المساهمين في الشركة التي تديره حالياً، التنقيب في الطبقة الثانية، إلا أنها لم تنجح نظراً لعمقها وعدم امتلاك التكنولوجيا المناسبة.

إن اكتشاف هذه الحقول في حوض البحر المتوسط من شأنه أن يخفف على الكيان الصهيوني استيراد الغاز الطبيعي من الخارج واستيراد الفحم الحجري اللذين يوفران الطاقة لمستهلكيه «الإسرائيليين» والشركات، حيث يستخدم الكيان في توليد ثلثي الطاقة التي يحتاجها من الفحم الحجري، ونحو 26 في المئة من الغاز الطبيعي.

وقدرت دراسة لقسم خدمات الأبحاث بالكونغرس الأميركي، للكاتب مايكل راتنر أن «حقول داليت وتامار ولفيثان يمكنها أن تؤمن احتياجات إسرائيل من الغاز لمدة 100 سنة». ويقدّر البعض الآخر أن إجمالي الاحتياطات في هذه الحقول نحو 26 مرةً أعلى من استهلاك الكيان الصهيوني الحالي الذي يصل إلى نحو 330 مليون قدم مكعب في اليوم.

يذكر أن الخلاف على الحدود الإقليمية للمياه هي بين الكيان الصهيوني ولبنان وجمهورية قبرص (اليونانية) وشمال قبرص (التركية)، ولم تكن سورية طرفاً رئيسياً في الموضوع، كما لم يكن قطاع غزة جزءاً من الجدال أيضاً. إلا أنه يبدو أن هذا الحقل يقع بشكل عام في مياه فلسطين المحتلة، ولم تحتج قبرص واليونان بتاتاً على الحدود حيث تعد علاقة الكيان الصهيوني مع اليونان بشكل عام علاقات ودية، وتبع اكتشاف الحقل زيارات متعددة بين ممثلي حكومات البلدين، منها زيارة نتنياهو لرئيس اليونان حينها، باباندريو، ومعه وزير الطاقة. وقدر البعض أن الجزء الذي قد يكون تحت حدود قبرص الإقليمية هو جزء بسيط جداً من الحقل. ولا يبدو حقيقة أن ما يزعمه لبنان بوقوع الحقل في مياهه الإقليمية أقنع الأمم المتحدة أو دول العالم، كما هو من المتوقع، وخصوصاً أن لبنان والكيان الصهيوني لم يوقعا على اتفاقيات حول حدود مياههما الإقليمية.

وقد حلّل البعض أولاً أن الكيان الصهيوني لن يتمكن من تصدير أي من غاز حقل لفيثان من دون موافقة الدول المجاورة التي حتماً سيحتاج إليها لنقل الغاز المسال من الحقل، إلا أن أخباراً جديدة على شبكة «رويترز» تشير إلى أن الشركات التي تدير الحقل تبحث عن مساهمين جدد في الشركة لتوفير المال الكافي لعمليات التنقيب العميقة، وإحدى الشركات التي عبرت عن اهتمامها شركة «غازبروم» (Gazprom) الروسية العملاقة، التي يمكن أن تسهل عملية النقل حتماً، إضافة إلى شركات أخرى كـ «جي دي إف سويس» (GDF Suez) التي تدير جزءاً كبيراً من غاز مصر.

بيد أن تقريراً صدر في ديسمبر 2012 عن قناة «الجزيرة» أوضح وجود تفاهمات بين الكيان الصهيوني ولبنان وبإشراف الولايات المتحدة الأميركية على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، حيث أشار التقرير نقلاً عن صحيفة «هارتس» إلى أن مسئولاً أميركياً وصفته بالكبير قال: «إن الولايات الأميركية المتحدة نقلت إلى (إسرائيل) ولبنان مؤخراً خريطةً تتضمن صيغة حل وسط لاقتسام مخزون الغاز الطبيعي في شرقي البحر المتوسط». وجاءت هذه الوساطة الأميركية بهدف ترسيم حدود المياه الاقتصادية بينهما. ووفق الصحيفة فإن الحدود البحرية بين الكيان ولبنان تنقسم إلى قسمين، خط 12 ميلاً عن الشاطئ لكل دولة على جانبيه سيادة كاملة، وخط آخر بطول نحو مئة ميل فأكثر يسمى «منطقة اقتصادية حصرية» أو «مياهاً اقتصادية»، وفيها لكل دولة حقوق اقتصادية وبحثية على المقدرات الطبيعية.

وكشفت الصحيفة أن نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشئون الطاقة عاموس هوكشتاين، كشف عن تفاصيل الوساطة في مؤتمر عقد في معهد «إسبن» بواشنطن في 29 نوفمبر 2012 حين أشار إلى أن الخطة تستند إلى القانون والاتفاقيات الدولية، وقال: «إن الولايات المتحدة معنيةٌ بالوصول إلى اتفاق بين لبنان و(إسرائيل) وقبرص بشأن ترسيم الحدود في المياه الاقتصادية لكل دولة، والهدف من الوساطة هو «خلق أجواء تسمح للشركات الأجنبية بالوصول واستثمار الأموال في التنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة (التي تعمل بها حالياً شركة «نوفيل إنيرجي» الأميركية) من دون خوف أمني».

وأشارت الصحيفة إلى أن لبنان كان قد تقدّم في أغسطس 2010 إلى الأمم المتحدة بحدود للمياه الاقتصادية، وإن هذه الحدود لم تتضمن مخزوني الغاز الكبيرين في الحقلين «تمار» و «لفيثان» اللذين تشغلها شركتان إسرائيلية وأميركية، وإن حكومة الكيان اتخذت قراراً في يوليو 2011 بتحديد مجال حدوده الاقتصادية، وعلى أساس المقترحين الصهيوني واللبناني بلور الأميركان خريطة حل وسط.

وكما ذكرت العديد من المقالات والأبحاث عن أهمية هذه الحقول لأمن الكيان الصهيوني وتطوره الاقتصادي، وخصوصاً في ظل الشكوك حول استمرار إمدادات الغاز من مصر وإمكانيته في تصدير النفط لتعزيز موقعه الاقتصادي، وخصوصاً مع الأردن والدول الأوروبية.

وقد أشار تقرير الولايات المتحدة للمسح الجيولوجي إلى أن حوض البحر المتوسط يمتلك احتياطي نفط يصل إلى 1.7 مليار برميل من النفط، إضافة إلى 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي الذي يسهل التنقيب عنهما.

والشركة الأميركية Noble Energy هي التي اكتشفت حقل لفيثان، ومكاتبها الرئيسية في مدينة هيوستن، تكساس، وهي التي تدير حقلي تامار وداليت في الكيان، ولديها عمليات تنقيب كثيرة حول العالم، منها في خليج المكسيك وقبرص وغرب إفريقيا. أما عن الشركات الأخرى التي تدير الحقل فأغلبها شركات صهيونية.

بُنيت أنابيب نابوكو حتى تتمكن الشركات في الكيان من تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وخصوصاً في ظل ارتفاع الطلب عليه في أوروبا وشح الموارد الطبيعية فيها. وتبدأ هذه الأنابيب من الحدود التركية - الجيورجية والتركية - العراقية، إلى داخل تركيا وبلغاريا وهنغاريا لتنتهي في النمسا على طول 3.900 كيلومتر، وقد وقعت كل من هذه الدول اتفاقيات حول بناء هذه الأنابيب على أراضيها. ويستطيع الكيان الارتباط بهذه الأنابيب مباشرة من حقوله البحرية.

وتبلغ قدرة هذه الأنابيب الاستيعابية نحو 31 مليار متر مكعب في العام، ومن المزمع أن يبدأ استخدام هذه الأنابيب في العام 2017. وقد تأسست شركة نابوكو في النمسا، وتملك 6 شركات فيها أسهماً متساوية، إحداها شركة (BOTAS) التركية، و (Bulgargaz) البلغارية، و (Tranzgaz) الرومانية و (MOL) الهنغارية، والنمساوية (OMV) والأخيرة ألمانية (RWEST).

وفي تقرير لسايمون هندرسون (مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن) نشر في 3 ديسمبر 2012، يكشف بعض المعلومات عن الشركات المتصارعة، حيث أعلنت شركة «وودسايد للبترول» أنها ستشتري حصة قدرها 30 في المئة من حقل الغاز الطبيعي (لفثيان) في الكيان بقيمة تصل إلى 2.5 مليار دولار. هذه الشركة يعود نجاحها في حقول الغاز المكتشفة قبالة ساحل أستراليا الشمالي الغربي، وكذلك تكنولوجيا «الغاز الطبيعي المسال». وحصة ملكية (وودسايد) تكون من المساهمين الحاليين وهم «نوبل إنيرجي» و «مجموعة ديليك» وشركة «ريشيو أويل اكسبلوريشن». وقد نجحت «نوبل إنيرجي» بصورة كبيرة في قيادة أعمال الحفر الاستكشافية قبالة سواحل قبرص والكيان، لكنها تفتقر للمؤهلات الخاصة بـ «الغاز الطبيعي المسال» الذي يمكن شحنه بواسطة الناقلات لجميع أنحاء العالم.

أما بشأن الدور الروسي فيشير التقرير إلى أن موسكو تشعر بخيبة أمل، فقد شاركت شركة «جازبروم» العملاقة للغاز بالمناقصة لشراء حصة في حقل (لفيثان) ولكنها تفتقر إلى المؤهلات الخاصة بالغاز الطبيعي المسال. ويعتقد أن موسكو حذّرت الكيان من أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على إقناع سورية وحزب الله بعدم استهداف أرصفتها البحرية بالصواريخ البحرية من نوع «ياخونت» الموجهة بالرادار التي زودتها روسيا لكل منهما. ويخلص التقرير إلى أنه من غير المرجح أن يتم ضخ غاز «لفيثان» من الشاطئ للاستخدام المحلي الصهيوني حتى العام 2016، إلا أن الغاز من حقل «تمار» الذي تم اكتشافه 2009 سيبدأ بالتدفق في الربع الثاني من 2013. في الجزء الثاني سنتناول السؤال: أين سورية والصراع المحتدم فيها من كل ذلك؟

العدد 3775 - الإثنين 07 يناير 2013م الموافق 24 صفر 1434هـ

التعليقات (8)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم