مشاهد من عمق الفقد

سوسن دهنيم

الأماكن التي تخلو ممن اعتدنا على تواجدهم فيها، أماكن تحمل صفة الفخاخ. فخاخ الذاكرة، فخاخ الرائحة، فخاخ الصدى والهمس، هكذا تكون الأماكن شركاً يحمل بداخله طعماً هو في الصميم من بقايا من نحب.

حين يغادرنا من نحب على حين غفلة من الزمن، غفلة من القدر، قد تتحول الدنيا في نظرنا إلى غيمة من ألم، ننتظر انقشاعها متى ما سيطر الألم على قلوبنا واستسلمنا لذاكرة تكتظ بالمفقودين، والحنين الذي لن يفضي إلى لقاء دنيوي.

كيف تُرى تشعر الأم التي فقدت ابنها ذا السادسة عشر عاماً إثر مرضٍ لم يجد له الطب حلاً بعد، ومازالت تسمع صوته في كل أصوات صبية الحي والأهل والأصدقاء، فقدته ومازالت رائحة عطره الأخير تزكم أنفها كلما تذكرت أنه رحل إلى غير رجعة، رحل مخلفاً وراءه صورة على الحائط ليست أوضح من صورته التي زينت قلبها وجفنيها لتعود لها كلما اشتد بها الحنين. أمٌ في محراب الألم تدعو له بالرحمة والمغفرة بعد أن كانت تدعو له بالعودة سالماً قبل كل خروج إلى المدرسة أو اللهو. اللهو؟ كيف تراه الآن يلهو في عالمه الجديد؟ هل لديه أصدقاء جدد؟ هل يجد الحضن الحنون حين يحتاج إلى حضني؟ تلك أسئلة ليست ببعيدة عن كل أم فقدت ابنها مهما كان عمره وعمرها.

وكيف يكون حال الزوجة التي فقدت زوجها على غفلة منها حين أخذه المرض ذاته أيضاً، ولم تكن تريد الاستسلام لفكرة أنه قد يغادرها وحيدة وطفلاتها اللاتي مازلن يبحثن عن كلمة «بابا» في أفواههن؟ بابا الذي رحل قبل أن تبلغ الكبرى عامها الثامن وقبل أن تبلغ أمها عامها الثلاثين! زوجة تفتقد حضناً آواها بعد أن فقدت حضن أبيها في سن مبكرة، زوجة كان لها الفقيد أهلاً ووطناً وصحبة، وما أكثر من يعشن حالة الفقد هذه على اختلاف أسبابها وعلى اختلاف أعمارهن وعدد أطفالهن!

هل قلت أماً وزوجة؟ ماذا عن الأخت التي كانت تزور أخاها يومياً في المستشفى بعد اكتشافه المرض نفسه في الحالتين السابقتين؟ أخوها الذي لم يهنأ بزواجه الجديد إلا لخمسة أيام فقط، وقضى بقية الشهر المتبقي له في الحياة بين بياض الأسرة والأغطية وملابس الأطباء والممرضات، وبياض قلبه الذي عرف به حتى أخجل من في قلبه بقعة من سواد. أخٌ تنصل من اليأس، حتى في ذروة الألم وذروة يأس الأطباء، فأدخل الأمل في قلوب أشقائه واخوانه وشقيقته التي رفضت فكرة موته منذ إعلان الطبيب: لا فائدة ولا أمل هناك! فكان الأمل يغمر قلبها في انتظار المعجزة التي ستحصل وهي التي سمعت الكثير عن المعجزات التي كان العقل الباطن سبباً لها بإذن الله. أخت تسمع صوته في جميع الأصوات التي تقرأ دعاء صادقاً، وتراه في كل ابن بار بوالدته وهو الذي لم يغضب أمه يوماً، وتقرأه في كل قصيدة جميلة وهو الذي كان عراب الحروف. أختٌ لا تختلف عن الكثير من الأخوة الذين فقدوا أخوتهم فكانت الذاكرة زادهم في ليالي الحنين.

ولن أتحدث عن صديقتي التي فقدت أمها بالمرض ذاته، ومازالت تهجو الموت في كل قصيدة تضج بالغياب؛ لأنني حينها سأتحدث عن قلبي أيضاً الذي افتقدها بعد أن كنت أزورها بشكل يومي وكانت تستقبلنا بابتسامة عذبة تحمل طيبة أمهات المنامة اللائي لم يخلق الله لهن مثيلاً.

اللهم ارحم جميع أمواتنا برحمتك التي وسعت كل شيء، واجعل مثواهم الجنة. وهب لنا من لدنك صبراً وجلداً.

العدد 3829 - السبت 02 مارس 2013م الموافق 19 ربيع الثاني 1434هـ

التعليقات (12)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم