نادر كاظم يُصدر «إنقاذ الأمل: الطريق الطويل إلى الربيع العربي»

أم الحصم - دار مسعى 

13 أبريل 2013

صدر مؤخراً عن دار مسعى (الكويت/ البحرين) كتاب «إنقاذ الأمل: الطريق الطويل إلى الربيع العربي»، الذي يعد الإصدار التاسع للكاتب وأستاذ الدراسات الثقافية بجامعة البحرين نادر كاظم. وكان قد صدر للكاتب ثمانية كتب فكرية ونقدية، كما عمل مدير تحرير لثلاث مجلات تصدر عن جامعة البحرين (أوان، ومجلة العلوم الإنسانية، وثقافات).

يقدم الكتاب قراءة في اتجاهين لثورات وانتفاضات «الربيع العربي»، يذهب في الأول منهما إلى قراءة حفرية في الجذور التاريخية التي مثّلت «ذاكرة الأمل» لشعوب هذه المنطقة منذ مطلع القرن التاسع عشر. واتجاه ثانٍ يرمي ببصره صوب المستقبل في محاولة من أجل قراءة مآلات «الربيع العربي» ومصائره المحتملة.

ويجادل الكتاب في أن بلدان المنطقة وصلت إلى «الربيع العربي» بعد أن قطعت مشواراً طويلاً ابتدأ مع مطلع القرن التاسع عشر حين أخذت موجة التنوير تتسع في المنطقة عبر إسهام سلسلة طويلة من التنويريين بدءاً برفاعة الطهطاوي حتى سلامة موسى وعلي عبدالرازق وطه حسين، ومروراً بخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وشبلي الشميل وفرح أنطون وقاسم أمين وعبدالرحمن الكواكبي وآخرين. هذه كانت بداية «الطريق الطويل» الذي اتصل بموجة الثورة والتغيير الراديكالي الشامل منذ خمسينات القرن العشرين عندما رأى جيل الثوريين آنذاك أنه بالإمكان تحقيق «حلم النهضة» بقفزة واحدة عن طريق الثورة بما هي تغيير جذري وشامل وسريع لبنية الدولة والمجتمع معاً. ثم جاءت موجة الأمل الثالثة في التحول الديمقراطي الذي كان ينبغي أن يأتينا، بحسب تنظيرات دعاة المجتمع المدني والدمقرطة، على ظهر حصان المجتمع المدني الذي كان ينبغي أن يجرّ عربة الديمقراطية والتحديث فينقذنا من الاستبداد والظلامية سواء بسواء.

هذه كانت هي موجات الأمل الكبرى في مسيرة التاريخ العربي الحديث. وقد انفجرت حوادث الربيع العربي بعد أن وصلت موجة الأمل الأخيرة «موجة التحول الديمقراطي» إلى طريق مسدود منذ أواخر التسعينات من القرن العشرين. والكتاب يقدّم قراءة معمقة في هذه الموجات الثلاث ثم ينتقل إلى التأكيد على أن الطريق إلى ربيع عربي حقيقي ربما مازال طويلاً، وأن معوقات كبرى مازالت تحول دون ذلك، وأن التعقيدات التي تمرّ بها بلدان «الربيع العربي» اليوم تؤكّد أن التحول الديمقراطي، في هذه المنطقة، لن يكون إلا مخاضاً صعباً وعسيراً.

يأتي «الربيع العربي» كتتويج لذاكرة الأمل الضاربة بجذورها على مدى قرنين من التاريخ العربي الحديث، وهي ذاكرة انتظمت في مسار تاريخي طويل تعاقبت عليه ثلاث موجات كبرى من الآمال العربية الجماعية. وبقدر ما كانت البدايات مفعمة بالأمل؛ فإن النهايات كانت تعمّم ذلك الإحساس العام بالخيبة والإحباط وبأن شيئاً حقيقيّاً لم يتحقّق، وبأننا قد وصلنا إلى نهاية الطريق المسدود، وكأن كل مسافات السباق الطويلة على مدى قرنين كاملين لم تكن إلا مراوحة في المكان نفسه، فلا النهضة تحققت ونقلت مجتمعاتنا إلى مجتمعات متمدنة ومتحضرة، ولا الثورة جاءتنا بالديمقراطية، ولا الرهان على المجتمع المدني تمكّن من التحويل الديمقراطي لهذه الدول التسلطية.

في هذه الأجواء المشحونة باليأس والإحساس بخيبة الأمل والاحتقان السياسي والاجتماعي، انفجرت ثورات «الربيع العربي» وانتفاضاته بكل احتجاجاتها السلمية والواسعة والمترامية على مدّ البصر في الميادين العامة في مشهد غير مسبوق في كل تاريخ البلدان العربية. فقد سبق أن شهدت هذه البلدان انقلابات عسكرية، وانتفاضات خبز وجياع، ومطالبات إصلاحية، إلا أن ما جرى في انتفاضات «الربيع العربي» كان مفاجئاً واستثنائيّاً بكل المقاييس. فقد انفجر «الربيع العربي» في وقت كان الجميع مصاباً باليأس، وكانت النخب العربية قد أيقنت لا بنهاية عصر الثورات فحسب، بل بالعجز الديمقراطي البنيوي المزمن وغير القابل للإصلاح في هذه المنطقة. وقد جاء «الربيع العربي» ليكسر أفق التوقع لدى الجميع، وينقذ الأمل مجدداً، وليذكّر الجميع بأنه مازال ثمة بديل.

إلا أنه لن يكون من الصعب أن نتوقّع حجم الإحساس بخيبة الأمل الذي سيكون في انتظار مثل هذه الاستجابات المتحمّسة والمبالغة في سقف توقعاتها، وذلك بعد أن ظهرت على السطح الكثير من مؤشرات الانتكاسة حتى في بلدان «الربيع العربي» ذاتها. ويجادل الكتاب بأنه لم يكن مطلوباً من انتفاضات «الربيع العربي» أن تحقق، بضربة واحدة وخاطفة ونهائية، ما عجزت سنوات متطاولة عن تحقيقه. نعم، تمكّنت هذه الانتفاضات من تخليص هذه المنطقة من أربع ديكتاتوريات مزمنة حتى الآن (تونس، مصر، ليبيا، اليمن)، إلا أن هذه الخطوة ليست أكثر من تجاوز عقبة واحدة في طريق التحول الديمقراطي، وهو تجاوز كشف عن عقبات أخرى في الطريق. لقد وضعت هذه الانتفاضات بلدان «الربيع العربي» على مسارات صعبة ومعقّدة، وعمّمت داخلها حالة من الفوضى، ودفعت اقتصاداتها إلى حالة من التردّي تهدّد بالانهيار، وأفسحت المجال أمام صعود لافت ومتوقّع للإسلاميين، والإخوان المسلمين والسلفيين على نحو خاص. وهذه قوى ظلّت تعمل وتكابد، ولسنوات طويلة، من «تحت الأرض» و «في الظل» وأحياناً من داخل لعبة «الانتخابات بدون ديمقراطية» حقيقية؛ ولهذا فإن تكيّفها مع ظروف العمل السياسي العلني من «فوق الأرض» و «على المكشوف» قد يتطلّب فترة من الزمن. إلا أنه لا ينبغي أن نتصوّر، كذلك، أن أحداً سيمنح هذه القوى الفرصة المواتية والسهلة لالتقاط الأنفاس وإنجاز التكيّف الناجح مع الظروف الجديدة. إن حسن النية لا ينفع هنا، فلا الحشود التي انتفضت وملأت الميادين كانت مستعدة لتفعل ذلك؛ لأنها كانت على عجلة من أمرها لقطف الثمار والعودة إلى حياتها الطبيعيّة، ولا القوى السياسية المنافسة كانت ستهدي غريمها السياسيّ القويّ فرصة العمر ليتمكّن من بسط هيمنته على كل مفاصل الدولة، ومن إعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية بما يتناسب مع مصالحه. أضف إلى ذلك أن اللاعبين الخارجيين لن يقفوا، في الفترة الانتقالية، مكتوفي الأيدي ومقتنعين بلعب دور المتفرّج الذي يشاهد مصالحه الحيوية وهي تضيع من بين يديه، ومناطق نفوذه الاستراتيجية وهي تفلت من قبضته. ثم إن هناك شكوكاً كبيرة كانت كامنة ثم بدأت تطل برأسها فيما يتعلّق بإيمان هذه القوى الدينية بفكرة الديمقراطية من الأساس، وبمدى استعدادها لاستلام إدارة دول قامت انتفاضات «الربيع العربي» من أجل الانتقال بها إلى الديمقراطية بكل ما يفترضه المعنى الأساسي والمتعارف عليه في الديمقراطية من ضمانات أكيدة للحريات والحقوق الأساسية، وتداول سلمي للسلطة، وفصل بين السلطات، والالتزام بسياسات اقتصادية عادلة وشفّافة، والأهم من ذلك كله، تأمين توافق واسع بين القوى السياسية التي أسهمت في هذه الانتفاضات بحيث يضمن تجاوز الفترة الانتقالية بنجاح بدون أن ينفجر التنافس السياسي الحادّ على السلطة ومغرياتها. الأمر الذي من شأنه أن يبدّد مكتسبات هذه الانتفاضات، ويديم فترتها الانتقالية، بل إنه قد يعجّل بانزلاقها نحو الصراع والمسارات الصعبة، ويدفع بها نحو المجهول، أو نحو ديكتاتورية جديدة، وخاصة أن بنية الديكتاتورية مازالت قائمة في هذه البلدان في ظل بقاء أجهزة الدولة التسلّطية وانعدام الموانع الحقيقية التي يمكنها أن تحول دون إعادة إنتاج الديكتاتورية مجدداً.

لا ينبغي لأحد أن يتوقّع أن التحول الديمقراطي في البلدان العربية يمكن أن يكون سهلاً وسلساً وسريعاً، بل إن التعقيدات التي تمرّ بها اليوم بلدان «الربيع العربي» بما في ذلك أنجح تجربتين حتى الآن أي تونس ومصر، إنما تؤكّد أن التحول الديمقراطي، في هذه المنطقة، لن يكون إلا مخاضاً صعباً وعسيراً، وأن الطريق إليه ربما مازال طويلاً، وأن دونه سيرورات صعبة ومفتوحة على نهايات يصعب التكهّن بها. وعلى رغم ما أحدثه زلزال «الربيع العربي» من تحولات كبيرة هزّت المنطقة، إلا أن علينا أن نتقبل تلك الفكرة المزعجة والتي تقول بأن «الربيع العربي» الحقيقي ربما يوجد أمامنا لا وراءنا، وأن ما حدث مع مطلع العام 2011 لم يكن سوى بداية سيرورة جديدة وربما شاقّة على ذلك «الطريق الطويل» الممتد على مدى قرنين والمؤدي إلى «الربيع العربي». إلا أن هذا لا ينبغي أن يكون، كذلك، مدعاة لليأس والإحباط على الإطلاق؛ لأنه إذا كان علينا أن نتقبل الفكرة التي تقول بأن «الربيع العربي» لم يكن وما كان ينبغي له أن يكون «موعد المهرجان» الأخير والنهائي، فإن لنا، في المقابل، كامل الحق في أن نعتقد بأن لا بديل عن الديمقراطية في هذه المنطقة، وأن ما جرى مع مطلع العام 2011 كان فصلاً مهماً في مسيرة هذه المجتمعات على ذلك «الطريق الطويل» والشاقّ من أجل هذه الديمقراطية، ومن أجل التخلّص من الديكتاتوريات والأنظمة التسلطية، ومن أجل «إنقاذ الأمل»، نعم الأمل في أنه مازال هناك «بدائل أخرى» حتى لو كانت كُلفتها عالية جداً، وموعدها مُرجأ هناك إلى المستقبل الذي من حقنا أن نتمنى أن يكون قريباً وأفضل وأجمل، والأمل، كذلك، في أن الديمقراطية في هذه المنطقة ليست «قضية خاسرة» وميؤوس منها ولا أمل فيها.

العدد 3871 - السبت 13 أبريل 2013م الموافق 02 جمادى الآخرة 1434هـ




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً