قانون العمل الجديد... أسوأ قانون تشهده البحرين (16)

علي محسن الورقاء

-

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012، وقفنا في الحلقات الماضية على بعضٍ من نصوصه ورأينا ما حملته تلك النصوص من أحكام أقل ما يقال عنها أنها نَباتٌ شائكٌ يوخز العمال قد دُسَّ في متن هذا القانون، وكأن هذا القانون قد نَكَصَ على عقبَيه ونأى عن حماية العمال وتأمين مصالحهم، فضلاً عن جملة من العيوب المختلفة في الصياغة وغيرها التي وطأت هذا القانون لسبب أو لآخر.

وفي هذه الحلقة سنقف على بقية النصوص المتعلقة بـ «انقضاء عقد العمل» تكملة لما وقفنا عليه في الحلقة الماضية لننظر إلى ما هو أسوأ مما واجهنا في هذا القانون، ولنثبت من خلالها مجدداً أنه أسوأ قانون تشهده البحرين. وذلك فيما يلي:

جاء في المادة رقم (106) من القانون المذكور النص الآتي: «يجوز للعامل إنهاء عقد العمل بعد إخطار صاحب العمل في أي من الحالتين التاليتين: 2 - تدليس صاحب العمل أو من يمثله على العامل فيما يتعلق بشروط أو ظرف العمل متى كان التدليس من الجسامة بحيث لولاه ما أبرم العقد. ويجب على العامل، قبل توجيه الإخطار بإنهاء عقد العمل، أن يطلب كتابة من صاحب العمل إزالة أوجه الإخلال أو التدليس خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ تقديم الطلب، فإذا انقضت هذه المدة دون إجابة العامل إلى طلبه كان له، بعد توجيه الإخطار المشار إليه، الحق في إنهاء عقد العمل، ويعد هذا الإنهاء بمثابة إنهاء للعقد بدون سبب مشروع من قبل صاحب العمل إذا ثبت ما ادعاه العامل».

نفهم من النص السابق أنه في حالة تدليس صاحب العمل أو من يمثله على العامل فيما يتعلق بشروط أو ظروف العمل يجوز للعامل المُدلس عليه أن ينهي عقد العمل. ولكن يشترط في ذلك طبقاً لما جاء في النص ما يلي:

1 - أن يكون التدليس جسيماً، وأن يكون هو الدافع إلى تعاقد العامل مع صاحب العمل.

2 - أن يقدم العامل المُدلَّس عليه طلباً كتابياً إلى صاحب العمل يطلب منه إزالة التدليس خلال مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ الطلب، فإن لم يستجب له صاحب العمل خلال هذه المهلة يقوم العامل مرةً أخرى بإخطار صاحب العمل عن رغبته في إنهاء العقد.

فالنص السابق وما حمله من حكم مقترناً بتلك الشروط هو لِغرابتِهِ يَصدِقُ عليه تسمية «قَتَرة»، أي الغبرة أو الدخان الذي يُعمي العين أو يُغْشى الوجه، إن لم نقل أنه نصٌ قَرِف يحمل وباءً مستورداً لنا. ولكي نثبت غرابة هذا النص وما يحمله من قَرَف نوضح بدايةً معنى «التدليس» ثم نقوم بالتعليق على النص، وذلك فيما يلي:

فالتدليس هو أحد عيوب الرضا يتم نتيجة تضليل أو استعمال طرق احتيالية يقوم به أحد المتعاقدين في العقد للتأثير على إرادة المتعاقد الآخر (المُدلَّس عليه) فيدفعه إلى إبرام العقد بحيث لولا هذا التضليل لما رضي بإبرام العقد. وهذا التدليس الدافع للتعاقد يجعل العقد قابلاً للإبطال بناءً على طلب المُدلَّس عليه وحده، لأن العقد لا يقوم إلاّ إذا كان صحيحاً، ولا يكون كذلك إلاَّ إذا نشأ عن تراضي المتعاقدين، وأن يكون هذا الرضا غير مشوب بعيب يفسده. ومن عيوب الرضا: نقص الأهلية، والغلط، والإكراه، والتدليس.

ومن أمثلة التدليس الذي يرتكبه صاحب العمل: أن يُخفي حقيقته على العامل المُتعاقِد معه فيتخذ مظهراً إعلامياً كاذباً بمظهر الميسور وذي السعة خلافاً لوضعه «المُعسر»، أو أن يخلق لنفسه (أو لشركته) اسماً مزوراً أو شخصية وهمية أو صفة مختلفة غير صفته الحقيقية، أو أن يُخفي على العامل طبيعة العمل المتعاقد عليه وخطورته فيُظْهِره له على غير واقعه وطبيعته فينخدع العامل في فهمه لطبيعة العمل، وإلى غير ذلك من طرق الاحتيال.

مع التنويه إلى أن «التدليس» الذي يدفع للتعاقد ويكون سبباً لإبطال العقد ليس هو «الغش» كما يظن البعض، فهو يختلف عنه، من حيث أن «التدليس» هو ذاك الذي يقع أثناء انعقاد العقد ويكون هو الدافع إلى التعاقد، فيجعل العقد قابلاً للإبطال. أما «الغش» فقد يقع بعد انعقاد العقد وأثناء سريانه أو يقع خارجاً عن دائرة العقد، ولا يكون سبباً لإبطال العقد إنما قد يكون مبرراً لإنهاء العقد أو فسخه حسب الأحوال.

فإذا كان «التدليس» – على نحو ما تقدم - هو إظهارُ شيء على غير حقيقته، أو خَلْق واقع مزور لأمر معين يقوم به أحد المتعاقدين فينخدع به المتعاقد الآخر ويكون ذلك سبباً من أسباب إبطال العقد خاصةً عندما يكون هذا التدليس جسيماً.

وإذا ما تبين أن هذا الأمر أو ذاك الشيء الظاهر على غير حقيقته (محل التدليس) يستحيل تغييره ولو بعد حين، كأن تكون طبيعة العمل المتعاقد عليه أو آثاره ونتائجه تختلف عما أظهره صاحب العمل، أو يثبت خطورته لاحقاً وكان صاحب العمل قد أخفى ذلك على العامل، فأي عقل أو منطق سليم في مثل هذه الحالة أو تلك يستسيغ النص السابق ذاك الذي يُلزم العامل (المُدلَّس عليه) بأن يطلب من صاحب العمل (المُدلِس) إزالة تدليس يستحيل إزالته ولو بعد حين، أو أن يلزم العامل في البقاء في العمل محل التدليس خلال مهلة شهر لا طائلة من بقائه فيه.

وليس هذا وحسب إنما جاء النص يلزم العامل فوق ذلك أن يخطر صاحب العمل مرةً أخرى بعد انتهاء تلك المهلة برغبته في إنهاء العقد دون أن يفصح عن مدة هذا الإخطار، هل هي مدة شهر أيضاً أم أقل من ذلك. أنه بحق نصٌ غريبٌ يفتك بالعمال لا ينم إلاّ عن فهم رخوٍ لمفهوم التدليس وآثاره، فيستحق أن ننعته بالقترة.

بل والأسوأ من هذه «القترة» أن نرى قانون العمل الجديد قد أظهر عدم مساواته بين العمال وأصحاب الأعمال حتى في هذا الجانب. إذ نص في المادة رقم (107) بأن «يجوز لصاحب العمل إنهاء عقد العمل دون إخطار أو تعويض في حالة انتحال العامل شخصية غير صحيحة أو تقديمه لشهادات أو توصيات مزورة».

وحيث أن ما يحمله النص السابق (انتحال شخصية غير صحيحة أو تقديم شهادات أو توصيات مزورة) هو نوع من أنواع التدليس، فكيف إذاً يحق لصاحب العمل (المُدلَّس عليه) إنهاء العقد دون إخطار مسبق وبدون تعويض في حالة تدليس العامل طبقاً للمادة (107)، ولا يحق للعامل (المُدلَّس عليه) في حالة تدليس صاحب العمل إنهاء العقد إلاّ بعد مهلة شهر يتبعها إخطار آخر لصاحب العمل (المُدلِس) طبقاً للمادة (106). أليس هذا تمييزاً ينطوي على ظلمٍ أو عدم مساواةٍ بين طرفي الانتاج لا مبرر له؟.

ولنا لقاء أخرى في الحلقة القادمة لنكتشف مجدداً الأسوأ من خلال ما سنراه في باقي النصوص المتعلقة بانقضاء عقد العمل التي تنوء بالعمال، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.

العدد 3899 - السبت 11 مايو 2013م الموافق 01 رجب 1434هـ

التعليقات (5)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم