العدد 2466 - الأحد 07 يونيو 2009م الموافق 13 جمادى الآخرة 1430هـ

خطاب أوباما... الكعكة لا تشبع الجياع

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

جاء من أقصى الأرض إلى الأرض الملتهبة بالعواصف والحروب والبراكين، ليوزّع على شعوبها قطعا من الكعك! وعلى مدار ساعة وعشر دقائق، ظلّ الرئيس الأميركي (الجديد) باراك أوباما يوزّع وعوده في كرم وسخاء.

جاء أوباما إلى منطقةٍ يأسرها البيان، وتطربها البلاغة، وتسحرها الكلمات، فأخذ يزايد على ترقيص أهلها، حتى كلّت أيديهم من التصفيق.

كان يدرك المفاتيح التي تدغدغ مشاعر هذه الشعوب العاطفية، فأحسن استخدامها، فهو من هنا خرج، وإليها عاد.

خطابٌ تاريخي... ومسحةٌ خطابيةٌ عالية، فهذا أهم ما يحتاجه لفتح القلوب وتسويق سياسات واشنطن الجديدة. الخطابة كثيرا ما رفعت أقواما إلى العروش وأبقتهم طويلا، وأطاحت بآخرين. واليوم يأتي رئيس أغنى دولةٍ في العالم ليرسم خلال ساعة وعشر دقائق خريطة الطريق للجميع ليأخذ بأيديهم نحو المستقبل.

كان ذكيا، أو يحاول استخدام أعلى درجةٍ من الذكاء، فهو جاء ضيفا، ولا يجمل بالضيف إلا العمل على إرضاء مضيفيه، وأسمعهم ما يريدون أن يسمعوه من قصص عن أمجاد أجدادهم. وقد أعد الرجل جيدا لخطبته، فطعمها بالاقتباس من آيات القرآن والتلمود، فهنا صراعٌ دينيٌ قديم، لا يحلّ عقدته إلا التذكير وسوق المواعظ التي ترقق القلوب! ولم يكن ينقص المشهد إلا أن يتقدم الشيخ أوباما الصفوف ليؤم المؤمنين في الصلاة!

جاء إلى منطقةٍ مخدّرة، اعتادت أغلب شعوبها على التسليم لأقدارها الغالبة، فأوضاعها السياسية البائسة قضاءٌ لا يرد. شعوب لا تمتلك إرادة التغيير، وإنّما تنتظر أن يرسم الآخر المخلّص مستقبلها، وينتشلها من بؤسها، ويكنس لها شوارعها ويعيد بناء أحيائها المتهالكة. شعوبٌ كسولة تنتظر من يقدم لها الديمقراطية بالملعقة... بينما قاتل غيرهم بالسيف والبارود حتى فرضوها دساتير وقوانين يعود إليها الجميع، ويحتكم إليها الكبير والصغير، والأمير والفقير.

شعوبٌ جُوّعت حتى ذلت، وقُمعت حتى ملّت، وركعت حتى استسلمت، فلم يعد لها من خيار غير الحلم بهبوط رئيس دولة أجنبية بعيدة، ليوزّع عليها الأماني المستحيلة، ديمقراطية وازدهارا اقتصاديا، وحلا لأزمات السياسة والرغيف. كيف تنتظرها من رئيس يتلمّس طريقه للخروج من تبعات سياسة سلفه وحروبه الإرهابية، ومازال عاجزا عن الخروج من أزمةٍ مالية أطاحت بالاقتصاد هناك.

من حقه أن يحلم، وهو لم يكمل شهره الخامس على أكبر عرش، في أكبر قصر حاكم في العالم، ولكن من حقنا أن نشكّك فيما يقول. فنحن نحمل على ظهورنا خطيئة محارقهم وأفران الغاز، ومازلنا ندفع كفّارتها منذ ستين عاما. والقاضي النزيه في نسخته الجديدة، يطالب اليوم الفلسطيني بإلقاء سلاحه، للوصول إلى حل الدولتين. عيناه لم تبصرا أطلال غزة، ولا محرقة مليون ونصف مليون فلسطيني خلال 22 يوما، ولا أمطار الفوسفور الأبيض ولا الحصار، ولكنه أبصر فقط أعمال «العنف» الذي لا يُغتفر.

من حقه أن يكون سخيا في وعوده، ولكن من حقنا أن لا نكون بلهاء. فأوباما هو رئيس أميركي، ولا يمثل ابن مهاجر كيني. جاء ليصلح ما أفسده بوش من علاقات بلاده مع العالم ويعيد الاعتبار لمصالحها العليا، وليس للنهوض باقتصادات بلداننا، وإعطاء الحقوق لنسائنا، وتقديم القروض الصغيرة لشبابنا.

ليقل ما يقول... ولكن حدّث العاقل بما لا يليق، فالكعكة الخرافية الكبيرة التي جاء بها أوباما لا تشبع الجياع

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 2466 - الأحد 07 يونيو 2009م الموافق 13 جمادى الآخرة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً