العدد 4224 - الإثنين 31 مارس 2014م الموافق 30 جمادى الأولى 1435هـ

العرب والعودة إلى الجاهلية!

محمد علي الهرفي comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

والجاهلية التي أعنيها لا تعتمد على الفترة الزمنية المعروفة قبل مجيء الإسلام؛ إذ أن الفكر الجاهلي الذي مارسه أجدادنا قبل إسلامهم نراه يعود مرةً أخرى في أيامنا هذه عندما أحياه بعض الأحفاد، ظنّاً منهم أنهم يحسنون بذلك صنعا، وما درى هؤلاء أنهم بذلك الصنيع إنّما يخربون بيوتهم بأيديهم، وأنهم يمكّنون أعداءهم منهم ومن بلادهم. وهذا النوع من الجهل هو الذي شجّعهم على التمادي في الفساد والإفساد.

الجاهليون كانوا يتقاتلون على أتفه الأسباب، وكان قتالهم يستمر لعشرات السنين أحياناً (حرب داحس والغبراء وحرب البسوس) وغيرها من الحروب، أما عربنا هذه الأيام فهم يتقاتلون أيضاً... ولكنهم لم يجدوا من بينهم حكماء يوقفون هذه الحروب كما فعل أسلافهم الجاهليون!

المطلع على ما يجري في بلادنا العربية من المحيط إلى الخليج، يُصاب بالذهول من شدّة الاختلافات بين كثير من هذه الدول وبين دول أخرى مجاورة لها أو بعيدة عنها. كما أن هذه الاختلافات موجودة في الدولة نفسها، فنراها أحياناً بين مكوّنات شعبها - بحسب أفكارهم أو مذاهبهم أو أديانهم - ونراها أحياناً أخرى بين بعض مكونات الشعب وبين حكام الدولة ومسئوليها!

هذا الواقع المؤسف جعل كثيراً من مقدرات دولنا تذهب في الطريق الخطأ؛ فلا المواطن استفاد من مقدرات بلده ولا هي بقيت محفوظة للأجيال القادمة، وإنّما ذهبت لإضعاف دولة عربية أخرى كان من المفترض -لولا العقلية الجاهلية- أن يكون هذا المال دافعاً لإسعاد ذلك الشعب أو تقوية تلك الدولة العربية التي تشاركنا -هكذا يجب- آمالنا وآلامنا وطموحاتنا.

وهذا الواقع أيضاً جعل بعض الدول تلجأ إلى عدوّ خارجي تتقوى به على دولةٍ جارةٍ عربيةٍ مثلها، وهذا الوضع البائس مكّن العدو الذي يتربّص بالجميع، مكّنه من بسط نفوذه شيئاً فشيئاً على نواصي من استجار به وإخضاعه لسيطرته ومهّد له لفعل الشيء نفسه مع الباقين! هذا العمل لم يتجرأ على فعله أسلافنا الجاهليون بل إن عدوهم حاول مراراً أن يخترق صفوفهم لكنهم رفضوا تمكينه من نواصيهم، لأنهم كانوا أكثر حصافةً وإدراكاً لمقاصد عدوهم من الموجودين حالياً!

ديننا حذّرنا من الفرقة والاختلاف، وكثيرٌ من عاداتنا في الجاهلية كانت تصبّ في الاتجاه نفسه لأن الاختلاف طريق الضعف والضياع، ولكن أليس الاختلاف موجوداً في معظم دولنا؟

إن اجتماع القمة الأخير في الكويت أوضح بجلاء، حجم الاختلاف بين الدول العربية، كما أوضح بجلاء تلك الصغائر التي يختلفون عليها وكيف يعبّرون عن اختلافاتهم! اجتماع الكويت هو الخامس والعشرون من نوعه، ومع هذا التاريخ الطويل لم يستطع العرب ولا جامعتهم المسكينة أن ينهوا خلافاتهم التي تتزايد عاماً بعد آخر. فمغربهم العربي مضطرب؛ ففي ليبيا صراع داخلي يموت الكثيرون من أجله وهناك من يغذّي هذا الصراع ويحاول أن يزيده اشتعالاً. وهناك خلافٌ بين الجزائر والمغرب، ونيران تونس لم تنطفئ تماماً حتى الآن. وفي مصر واليمن صراع يخشى أن يتحوّل إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، ولم يستطع عربنا حلّه أو حتى التخفيف منه. وللأسف فقد يكون هناك من يغذّيه ويعمل على استمراره.

وفي العراق وسورية ولبنان قتالٌ لا يكاد يتوقف، مات فيه عشرات الآلاف ولايزال الحبل على الجرار، وهذه الأرقام لم نر لها مثيلاً في حرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين عاماً، لأن عربنا أكثر حقداً على بعضهم من حقد عرب الجاهلية على بعضهم بعضاً! أولئك تدخّل حكماؤهم فأوقفوا حروبهم، ولكن أين حكماؤنا ليفعلوا الشئ نفسه؟

سوداننا انقسم وبدأ بعضه يحارب البعض الآخر، وربما يسير اليمن على الطريق نفسه، فمن يدري فهناك من يحاول ذلك! أما خليجنا الواحد فما عاد واحداً، فمن يصدّق ما يحدث بين دوله؟ بل ومن يصدّق ما يكتبه بعض أبنائه عن البعض الآخر؟ أين ذهب ذلك الحديث عن الخليج المتحد؟ وأين ذهبت قرارات ثلاثة وثلاثين عاماً وفي كل سنة نسمع من المجتمعين أن كل شيء على مايرام؟ كل ذلك ذهب أدراج الرياح وحلّ محله الشكوك وسوء الظن والخوف من المستقبل!

الجاهلية ليست أفعالاً معيّنةً ظهرت في زمن معين، بل هي أفكار وممارسات سلوكية عندما تحدث في أي وقت فهي تعبر عن سلوك جاهلي، قد يكون أحياناً أسوأ بكثير مما كان يفعله أجدادنا قبل الإسلام؛ وها نحن اليوم نعاني من جاهليةٍ نخشى أن تطيح بنا جميعاً ولا ينفع حينها ساعة مندم! فهل نتنبه لذلك قبل فوات الأوان؟

إقرأ أيضا لـ "محمد علي الهرفي"

العدد 4224 - الإثنين 31 مارس 2014م الموافق 30 جمادى الأولى 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً