العدد 4453 - السبت 15 نوفمبر 2014م الموافق 22 محرم 1436هـ

اقتصاد البحرين بين الحربين العالميتين الأولى والثانية

حسن سعيد Hasan.saeed [at] alwasatnews.com

تتناول الوثائق البريطانية التي نشرها مؤخراً موقع www.qdl.qa بالتعاون مع المكتبة البريطانية، الكثير من الجوانب المتعلقة بالبحرين، ومنها اقتصاد البحرين في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

تميّزت بداية هذه الفترة باعتماد الاقتصاد البحريني بشكل أساسي على تجارة اللؤلؤ التقليدية وعدم ظهور صناعة النفط بعد، الأمر الذي أدى لتأثر اقتصاد البحرين بشكل كبير نظراً لتطور صناعة اللؤلؤ الصناعي الياباني منذ عام 1916.

وبسبب اعتماد اقتصاد البحرين على تجارة اللؤلؤ في بدايات القرن العشرين، فإن انحدار تجارة اللؤلؤ ساهم بشكل كبير في تعرض الميزانية التجارية في البحرين للعجز العام 1925، خصوصا أن النفط لم يكتشف بعد في تلك الفترة، الأمر الذي دفع إلى التفكير في بدائل تنعش اقتصاد البحرين.

جاء ذلك في مقال أعده مارتين وودوارد، وقد استند المقال على معلومات وردت في ملفات «البيع والتجارة» التي أعدتها الوكالة السياسية البريطانية بالبحرين خلال الفترة من 1925-1949، وقد وردت هذه الملفات في سجلات حكومة الهند البريطانية.

كان اقتصاد البحرين يعتمد على تجارة اللؤلؤ بشكل كبير، فقد «كانت هناك أكثر من 500 حرفة مرتبطة بتجارة اللؤلؤ، وعمل حوالي 15000 رجلٍ من البحرين كغوَّاصين، هذا بالإضافة إلى عددٍ كبيرِ من الأجانب القادمين من عُمان وفارس والساحل العربي».

كان لظهور اللؤلؤ الصناعي الذي طوّرته اليابان أثره البالغ على تجارة اللؤلؤ التقليدية، خصوصاً بسبب وفرة إنتاج اللؤلؤ الصناعي وثمنه المنخفض. ومما زاد الأمر سوءًا هو انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية العام 1929 على تجارة اللؤلؤ، بالإضافة إلى قرار حظر استيراد الهند للؤلؤ بعد استقلالها العام 1947. ويتجلّى التأثير السلبي الكبير لانحدار تجارة اللؤلؤ على اقتصاد البحرين من خلال ما نقله المقال عن المستشار تشارلز بليغريف العام 1928، من أن «ازدهار البحرين، بل وتقريباً وجودها ذاته، يعتمد على تجارة اللؤلؤ».

بمعزل عن تجارة اللؤلؤ الأساسية، كانت البحرين في تلك الفترة تصدّر بعض السلع مثل مواد البناء والحبوب والمحروقات والأصداف، كما كانت تستورد، حسب المقال، سلعاً متنوعة مثل الأنسجة والأقمشة ومواد الدباغة والحيوانات والزيوت. ولكن تأثير تصدير واستيراد مثل هذه السلع كان محدوداً للغاية بالمقارنة مع تجارة اللؤلؤ.

ونظراً لانحدار تجارة اللؤلؤ تم تنشيط الحركة التجارية في مساحات متعددة أخرى. ففي ثلاثينيات القرن العشرين كانت البحرين تستقبل الكثير من السلع من بلدان العالم المختلفة، ما ساهم في تنشيط الحركة التجارية بشكل عام، وبروز الشركات التجارية المحلية. في تلك الفترة «تنوعت دائرة الاهتمام التجاري لتشمل هياكل الأسِرَّة والسمن النباتي والمحرّكات والويسكي الأسكتلندي وبسكويت الشيكولاتة».

كان لافتاً في تلك الفترة الحديث عن رداءة بعض السلع والمنتجات اليابانية، وقد «انزعجت السلطات في البحرين بشكل خاص من الكميات الهائلة من السلع اليابانية المقلِّدة والتي تحمل ملصقاتٍ تفيد بأنها صُنعت في إنجلترا»!

وفي العام 1934 تم حظر استيراد الأسلاك من اليابان، كما تمت الإشارة إلى رداءة الأسمنت الياباني. هذا الحديث عن رداءة السلع اليابانية قد يكون منطلقه، حسب ما يذكر كاتب المقال، المنافسة التجارية ورغبة البريطانيين في الاستئثار بالسوق البحرينية لصالح الشركات والمصانع البريطانية. ففي العام 1929 كتب أحد المسئولين البريطانيين لصاحب مصنعٍ للدراجات في بريطانيا بأن «قيادة الدراجات أصبحت شائعةً في البحرين، وأن التاجر البريطاني يمكنه التغلب على منافسيه من ألمانيا والهند إذا قام بتحسين شروط البيع».

ويورد كاتب المقال بعض الحوادث ذات العلاقة بالعلامات التجارية في تلك الفترة، «ففي 1939 حاول تاجر عطورٍ من بومباي تسجيل علامة تجارية لزيت الشعر لقماني. وكانت صورة العلامة التجارية تظهر امرأة ترتدي ملابس كاشفة وتخرج من وراء ستار، على الأرجح في اقتباس لصورة ممثلة الإغراء الشهيرة ثيدا بارا التي كانت تظهر في الأفلام الصامتة. ولاقى الطلب رفضاً قاطعاً من قبل الوكيل السياسي البريطاني الذي وصف العلامة بأنَّها «غيرُ ملائمة». وفي العام 1948 تساءل مستوردٌ بحريني عمَّا إذا كانت أغلفة علب الكبريت، التي تظهر عليها سلَّة الزهور، والتي اعتزم استيرادها من تشيكوسلوفاكيا، قد تُوقع الشركة في مشكلةٍ مع الشركة السويدية الأصلية بشأن حقوق ملكية العلامة التجارية».

ويختم وودوارد مقاله بالإشارة إلى أنه «وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت حقول النفط في البحرين تتطوّر بشكلٍ سريع. ففي العام 1948 تم شحن ما يقرب من ستة ملايين طن من النفط، ما يعني زيادة سنوية بلغت أكثر من مليون طن. ومع اتساع نطاق صناعات النفط بشكلٍ مطّرد، شهدت البحرين زيادةً كبيرة في قيمة الآلات والسيارات والشاحنات والجرارات. كانت تجارة اللؤلؤ الطبيعي تحتضر في الوقت الذي كان فيه ميلاد عصر النفط».

هذه الصورة لاقتصاد البحرين في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تنبه إلى ضرورة السعي لتنويع مصادر الدخل، خصوصاً أن البحرين صارت تعتمد بشكل أساسي على النفط، بعد أن كانت تعتمد على تجارة اللؤلؤ، الأمر الذي يجعل من التفكير في تنويع مصادر الدخل أمراً ملحاً لكي لا تتكرّر الانعكاسات السلبية التي ألمت باقتصاد البحرين بعد انحدار تجارة اللؤلؤ.

من جهة أخرى، من خلال قراءة هذه المرحلة، يمكن تلمس بداية انحدار وخفوت لطبقات اجتماعية قامت على أساس تجارة اللؤلؤ، وبداية نهوض وبروز طبقات اجتماعية أخرى قامت بعد تطوّر صناعة النفط وتطور مستوى استيراد السلع المختلفة، ما ساهم في بداية نشوء الشركات المحلية في البحرين. على سبيل المثال، يمكن تلمس بروز طبقة التجار على حساب طبقة النواخذة التي كانت تسيطر على المشهد التجاري قبل انحدار تجارة اللؤلؤ. كما يمكن تلمس بروز طبقة العمال الذين يعملون في صناعة النفط على حساب طبقة الغاصة وغيرهم من العاملين في تجارة اللؤلؤ. تأسيساً على ذلك، يمكن القول بأن انعكاسات هذه المرحلة لم تكن اقتصاديةً فقط، وإنما كانت لها انعكاساتها الاجتماعية أيضاً.

إقرأ أيضا لـ "حسن سعيد"

العدد 4453 - السبت 15 نوفمبر 2014م الموافق 22 محرم 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:58 م

      ايه يالبحرين

      و تختلف الأزماان و تذهب اناس و يأتي آخرون و تبقى البحرين شامخة بأهلهاا

اقرأ ايضاً