العدد 4539 - الإثنين 09 فبراير 2015م الموافق 19 ربيع الثاني 1436هـ

إطلالة سياسية عابرة على المشهد اللغوي الراهن

رضي السماك

كاتب بحريني

انطلاقاً من الإحساس بالمسئولية الوطنية العليا لأهمية المحافظة على نقاوة لغتنا العربية، وأهمية تطويرها وانتشالها من جمودها المزمن العاجز عن التكيف مع روح العصر السريع التغير، وهو الجمود المرتبط تماماً مع جمود وتخلف العرب الحضاري، فقد أفنيت نحو ربع قرن من عمري منذ امتهنت الكتابة الصحافية السياسية، لم أعدم طوال هذه المسيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً عن التوقف عند محطات عديدة لتناول القضايا اللغوية المختلفة، وعلى الأخص تلك التي يتطلب تحليلها من منظور أفق سياسي شامل بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، كقضية المآل الحالي الذي باتت عليه لغتنا، والذي بات يسير حثيثاً القهقري من سيئ إلى أسوأ في ترابط مُدهش، لكنه مفهوم، مع اطراد نكوصنا الحضاري المعاصر على مختلف الصُعد، وذلك تبعاً لتردي وتفاقم الأوضاع السياسية الكارثية التي تنكب بها أمتنا العربية من الخليج إلى المحيط.

ومما حفزني على اقتحام باب هذا المجال، انكفاء الغالبية العظمى من أهل الاختصاص اللغوي من أساتذة وأدباء ومثقفين، عن التصدي لهذه المهمة الجليلة الخطورة التي تواجهها لغة اُمتهم التي تقاعسوا عن أدائها، على الرغم من أنهم ما انفكوا يتباهون بأنها كانت لغة التنزيل ولغة حضارتهم التي ازدهرت بها عالمياً في القرون الذهبية الخوالي، وذاع صيتها وتداولها في أرجاء المعمورة كافة، تماماً كتصدر وتألق الانجليزية في عصرنا الراهن.

ولم تكن ظاهرة انكفاء اللغويين المتخصصين إلا لقنوطهم من إمكانية صيانة اللغة الفصحى تحت ضغوط، وتكرس ظاهرة العبث بأسسها وقوانينها، وعدم اكترات الدولة العربية بذلك رغم أنها تتحمل المسئولية الأولى، ناهيك عن أن القلة التي نذرت نفسها لهذه المهمة اقتصرت جهودها على التصدي فقط لتدهور اللغة من منظور لغوي نحوي بحت ضيق الأفق، تتباكى من خلاله وتغضب لتفشّي ظاهرة الإخلال بقواعدها داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع بسائر مؤسساته الثقافية والدينية والمدنية والسياسية، وبمعزل تام عن المنظور السياسي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، لتدني أو لغياب الوعي بأهميته، أو للإحباط المزمن من قِبل كلا الفريقين للأسباب المشار إليها.

وإذا ما أردنا أن نلقي اليوم نظرة بانورامية عابرة على المشهد الحالي للغة، سنلمس على الفور التدهور المأساوي المريع لأحوال لغة الضاد في مختلف المجالات، وهي أحوال لا تسر العدو، والأخطر بأنها باتت مثاراً للتندر والاستسلام من قبل ذوي الاختصاص اللغوي أنفسهم، تماماً كالمستسلم لمرض عضال لا أمل له في الشفاء منه، اللهم إلا تفويض أمره إلى لله والانتظار بأن يهبط بالدعاء فرجه إليه من السماء. إلا أننا سنكتفي هنا في هذه العجالة بثلاثة مجالات متداخلة ومترابطة أحسبها مهمة، وتتصل على التوالي بالتعليم والإعلام والترجمة.

أولاً: المجال التعليمي: ويتمثل في المشهد التعليمي الراهن وهو الأهم، حيث ازداد تدني مستوي خريجي اللغة العربية في الجامعات العربية المدنية والدينية على السواء، دع عنك خريجي التخصصات الأخرى، فالمأساة هنا أفدح، وما ذلك إلا نتاجاً طبيعياً لضعف مستويات المدرسين وخصوصاً في المراحل الدراسية دون الجامعية، وانعدام حافزهم على التدريس بروح حماسية وطنية عالية، فضلاً عن غياب المناهج الدراسية العلمية الحديثة، وكل ذلك إنما يعود إلى سبب أكبر، يتمثل في فشل السياسات التعليمية والفساد المزمن والآخذ في التفاقم الذي ينخر المؤسسات التعليمية الرسمية نخراً.

ثانياً: المجال الإعلامي: ويتمثل بصورة خاصة في الاعلام الجماهيري العام، وخصوصاً في الفضائيات والإذاعات والصحافة، إذ أصبحت أغلبها لا تكترث لشروط التأهيل اللغوي والامتحان النزيه للمتقدّمين للبرامج الإخبارية وغيرها من البرامج، ويتم توظيفهم في الأغلب الأعم لا تبعاً لمعايير الكفاءة والخبرة، بل لاعتبارات الولاء والقرابة العائلية أو القبلية أو المذهبية أو الحزبية؛ أو لمدى ما تتمتع به الفتاة المتقدمة للعمل في القناة من جمال أخّاذ في حالة تلك الاعتبارات غير الموضوعية.

وبالمثل يمكنك القول إن العوامل الآنفة المسببة لتدهور الوضع التعليمي هي عينها وراء تدهور أحوال جُل صحافتنا العربية. ولذلك كثرت أخطاء المذيعين والكتّاب الشنيعة في هذين المجالين (التعليمي والإعلامي)، وأضحت وكأنها عُرف متعارف عليه لغضّ البصر عنه حتى استقر سداً منيعاً كالجبل لا يمكن زحزحته، بل يزداد شموخاً ويكبر عرضه تضخماً.

ثالثاً: مجال الترجمة: حيث تزايدت بصورة ملحوظة ظاهرة ركاكة المادة المترجمة إلى العربية في إصدارات الكتب ومقالات الصحافة وتقاريرها الورقية والالكترونية على السواء، فضلاً عن الترجمة السريعة الكلامية المباشرة لوقائع الأحداث والفعاليات المهمة في مختلف المجالات ولاسيما السياسية منها، ناهيك عن المواد المسجّلة كالأفلام والمسلسلات وغيرها من البرامج الأجنبية المترجمة، سواءً أكانت الترجمة مكتوبة أو محكية مدبلجة.

يُنقل عن الزعيم البريطاني الشهير ونستون تشرتشل قوله مشيراً بالتحديد إلى الجغرافية السياسية التي يتكون منها وطنه: «إن مستقبل شعب هذه الجزر مُعلق باللغة الانجليزية ومجتمع الناطقين بهذه هو شكل النظام العالمي الجديد»، وقد تحققت نبوءته بالفعل. وإذا ما سلّمنا جدلاً بصحة ما ذهب إليه الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، وهو صحيح على أي حال، بأن اللغة الانجليزية تُعد أداة قوة أساسية قوية في يد بريطانيا، والتي بفضلها برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى تبز العالم أجمع في التطور العلمي والتكنولوجي، وأن بريطانيا تجد بفضل هذه اللغة مستقبلها تعويضاً عن عصر أفول شمس امبراطوريتها في رابطة قوية مع كل من كندا وأستراليا، ولتستقل عن أوروبا من موقع تفاوضي أقوى، لأمكننا بالضبط فهم دور اللغة المحوري في حاضر الأمم ومستقبلها. وهو الدور ذاته الذي تبوأت به لغة الضاد عالمياً في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وبعوامل أفول شمسها نكصت تبعاً لذلك مكانة اللغة العربية على المستوى العالمي. بل بلغت الآن حالة مزرية أسوأ من قرون الانحطاط التي مرت بها.

وصفوة القول إنه لا يمكن لأي مستقبل واعد يصون اللغة ويحافظ على نقاوتها الأصلية من عبث المثقفين والباحثين والإعلاميين وصغار المدرسين والأساتذة والأدباء في ظل الأوضاع السياسية الراهنة الغنية عن الوصف، ما لم ينخرط الغيورون من ذوي الاختصاص كافةً، جنباً إلى جنب، مع القوى المناضلة في مجرى النضال الجماهيري العام من أجل تحقيق مشاريع إصلاحات شاملة في الأنظمة التي تُسلّم عقلانياً ولو بالحد الأدنى لمثل هذه الإصلاحات، أو من أجل إقامة أنظمة ديمقراطية جديدة تحقق مثل تلك الغاية اللغوية الحضارية النبيلة، في إطار شامل ومتكامل مع تحقق مجمل حقوق الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، ومن دون ذلك سيظل حُلم تغيير واقع اللغة العربية ضرباً من الأوهام والخيال.

إقرأ أيضا لـ "رضي السماك"

العدد 4539 - الإثنين 09 فبراير 2015م الموافق 19 ربيع الثاني 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً