العدد 4593 - السبت 04 أبريل 2015م الموافق 14 جمادى الآخرة 1436هـ

الراديو ملك الزمن الذهبي... ليس للفن الجميل وَطَنٌ

سهيلة آل صفر suhyla.alsafar [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

أستمع منذ سنواتٍ إلى الإذاعة البحرينية الرائعة (لأغاني الزمن الجميل) والتي تبثُ الأغاني العربية القديمة للقرن الماضي.

ولأكتشف أنه مازال هنالك الكثير من الأغاني والتي لم أسمعها قبلاً، ربما لعدم أخذ حقها في الانتشار، أولئك الفنانون العِظام على مستوى العالم العربي الذين كافحوا من أجل بناء البنية التحتية لتأسيس كل ذلك الكم الهائل من الأغنيات والألحان العربية، على رغم التشديد على المواصفات والشروط للمحافظة على المستوى الفني للإذاعة أو تسجيل أي عمل فني حينها (الراديو الملك الإعلامي لذلك الزمان).

وحينما أستمع الآن لبعضها تعود بي الذكريات حالاً إلى ذاكرتي القديمة، والتي تُحييها الأغنية مع كل تفاصيلها الدقيقة وما خالجها من أحاسيس ومشاعر تخص تلك المرحلة العمرية وظروفها، أغوص داخل أعماقي بحنينٍ يشدني للماضي وأسترجع الأيام ببراءتها، ولأحلى سنواتٍ من أعمارنا الحقيقية وكأنها بالأمس، لتعيدني إلى سنوات الطفولة، حيث أتذكر تماماً كل شيء حتى شكلي وضفائر شعري الطويل، وكيف كنت لا أعي معنى الكلمات العاطفية، ولماذا تلك الكمية من الهجران للحبيب ومن هو الحبيب الذي يستحق كل ذلك العتاب والعناء، ومع ذلك كنت أتشوق حين عودتي من المدرسة لمتابعة المزيد وحفظه وترديده بشوق.

وكيف تغير الحال خلال سنوات المُراهقة، وتغيرت الأحاسيس وأتت الكلمات العاطفية والمتوهجة في أذهاننا، تعيدنا الذاكرة إلى ذلك الحي الصغير الذي كنا نسكنه وصوت الراديو عالياً يملأ المكان كي يسمعه كل من في البيت ومن دون شكوى من ارتفاع صوته بتاتاً، وأذكر عبدالحليم حافظ عندما غنى أغنية (الحلوة)، وخيالاتنا تتداخل وتعيش أجواء الأغنية وتتمنى بأن نكون من يقصدها بكلماتها، أما أغنية (أول مرة تحب يا قلبي)، وذلك الشعور الجارف العاطفي للتجربة الأولى والأحاسيس الجبارة والتي كنا نُخبئها بصعوبة، وكأن الأغنية تعنينا نحن، وكيف نخاف ويُصيبُنا الخجل بأن تفضحنا عيوننا إذا ما سمعها أهالينا وكأنها تُشيرُ إلينا، في مجتمعاتٍ تُحرم النظرة للآخر ناهيك عن تبادل المشاعر، وغيرها الكثير من الأغاني التي تثير الشجون الكامنة وتعيد الماضي الجميل.

فسماع الأغاني له وقعٌ خاص على التعبير عن رومانسية المشاعر تختلف تماماً عن الوسائل الحديثة، عمقاً ودفئاً وخيالاً، يفتقدها أجيال هذا الزمان، كم كنا سعداء وكيف كانت وتيرة حياتنا الحسية بسيطة وعفوية، وكم كنا نتمتع بكل ما يدور حولنا في ذلك الزمان الجميل على رغم محدوديتها، ولكنها هي التي صنعت أجيالاً تفتخر بهم البحرين.

كانت والدتي من عُشاق الراديو تديره صباحاً وأثناء تحضير فطورنا، حيث الإذاعة تبدأ الإرسال بآياتٍ من القرآن الكريم، وكان صوت عبدالباسط عبدالصمد يأسرني قبل ذهابي إلى المدرسة ويضيف لجمال الكون حلاوة، مع كلمات الله وهو يتلوها بصوته الملائكي يجعلني أشعر بالسكينة والهدوء وأهيم بالروحانيات والتأمل وكأنني في صلواتٍ مُتكررة داخلية.

ولن أنسى شغف والدتي بسماع الأغاني طوال اليوم وهي تحفظ الكثير وتدندن لمطربي ذلك الوقت من ناظم الغزالي، أسمهان، وصباح، وفيروز، وهدى سلطان، وليلى مراد، وكارم محمود، وماهر العطار، وفريد الأطرش، وعبدالوهاب... الخ، والتي لا تكفيني الكلمات لشُكرها، حيث ساهمت في غرز الحس الموسيقي مُبكراً لدينا وحبنا الدائم لها، والذي يراه الخبراء أيامنا من (الأحاسيس الهامة لتنمية قدرات الأطفال عقلياً وعاطفياً وجسدياً) يبقى الراديو مفتوحاً طوال اليوم مع الغناء المتواصل، ولم يكن يتخلل الأغاني إلا المزيد منها اللهم عدا النشرات الأخبارية والقليل من اللقاءات، وكنت أضحك على رغم حداثتي حينما كان المذيع يُكرر ونترككم الآن مع مجموعة من الأغنيات وبعد انتهائها يُجدد أما الآن فنترككم لساعة واحدة مع المنوعات الغنائية ليواصل بعدها والآن مع الأغاني الجميلة وكأن الأغاني السابقة لم تكن جميلة، المهم رايحين جايين بالأغاني والذي كان الهدف الرئيسي للإذاعة حينها على ما أعتقد.

أما هذه الأيام، ويأتينا صوت حسن كمال الدافئ الأب الروحي ومُطور الإذاعة لتمجيد وتقديم أغنية لكوكب الشرق أم كلثوم تذاع الساعة الثانية ظُهراً يومياً، مُضيفاً (وليس للفن الجميلِ وطَن) أكرر حُبي واعتزازي له ولهذه المحطة الغنائية والتي لديها الكثير من المُعجبين ممن أعرفهم خارج البحرين يسمعونها على الـ (short waves) ويشكروننا عليها لأنها حتماً ستُذكرهم بالزمن الجميل كما ستذكركم أعزائي لو حاولتم الرجوع إلى الماضي الجميل عبر هذه الإذاعة والتي تُحضر لنا الماضي أمامنا وفي غضون ثوانٍ وبأبهى صورة.

فشكراً لك يا بحرين مع المؤسسين لهذه المحطة ومستواها الُمشَرِّف، وأن يُديمها بخير وسلام، آمين.

إقرأ أيضا لـ "سهيلة آل صفر"

العدد 4593 - السبت 04 أبريل 2015م الموافق 14 جمادى الآخرة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 5:40 م

      كلام مفرح

      الله يعطيك العافيه كلام مفرحويعيد ذكريات احلى من واقع هذه الايام الموجعه وجعتينا فعلاً نعيش الذكريات بحذافيرها الجميله

    • زائر 5 | 6:35 ص

      كلام يساعد على الشفاء

      اهيم حباً بهذه المحطه الحلوة الاحساس والتي اتمنى لو تعرف هذه الاجيال قيمة كل تلك الاحاسيس السمعيه عاشت ايدك دكتورتنا الغالية

    • زائر 7 زائر 5 | 2:06 م

      بو احمد

      دكتورة المقال رائع

    • زائر 4 | 6:31 ص

      كلام شاعري مميز

      مقاله اكثر من رائعه ورقيقة للغايه ومكتوبه باحساس عالٍ ومشاعر فياضة اشكرك دكتوره فعلاً هذه المحطة يعشقها الملايين وانا اولهم اهيم باجمل الاغاني وهي تملؤن احساسا خاصة اثناء السياقة ومع الضجيج اعيش بعيداً واحلق في الفضاء اسعدتنا بان نشكر من يقومون عليها مع كل الب والود من لبنان

    • زائر 3 | 4:04 ص

      كان اول راديو

      اشتراه والدي عام ظ،ظ©ظ¥ظ¨ حيث كان عمري ظ¦ كان يعمل ببطارية زرقاء صغيرة توضع خلفه وبعد سنتين اشترى لنا راديو غيره حيث استبدل الراديوالقديم ودفع الفرق وكنا نستمتع به حيث لم يكن في قريتنا راديو غيره وكان والدي يستمع الى اذاعة لندن المفضلة لديه كذلك اسرائيل حيث برنامج ابن الرافدين ومن الغناء العراقي حيث المقامات الرائعة وكانت تغلق في وقت الظهر ويفتح الساعة ظ، ظهرا الى ساعة متاخرة من الليل . لم يعد للراديو اليوم ذلك الدور الاول حيث قضى عليه التظور العلمي الحديث . تحياتي لكم من العراق .

    • زائر 6 زائر 3 | 7:10 ص

      كاس الخليج على الراديو

      أنا تابعت مباريات كاس الخليج على الراديو من الدورة الرابعة والخامسة والسادسة بعد اما السابعة كانت في مسقط اذكر تونا صار عدنا تلفزيون وكان اسود وابيض

    • زائر 2 | 2:30 ص

      الزمن لم يتغير نحن تغيرنا ج

      لقد ذهب ذلك الزمان وجاء زمن البؤ س والنكد ولن يرجع ما فات ولكن كما كان له
      وجوه جميله كان له وجوه سيئه ربما لم نراها ولكن هناك من يرى فيها بؤ س ونكد

    • زائر 1 | 1:46 ص

      حقا الزمن الجميل

      كان فى ذلك الوقت الجميل الفريج عائلة واحدة الكل يعرف الثانى الان الجار ما يعرف اسم جاره

اقرأ ايضاً