العدد 4595 - الإثنين 06 أبريل 2015م الموافق 16 جمادى الآخرة 1436هـ

ماذا بعد ضبط المتهم بجريمة إعدام قط حرقاً؟

رضي السماك

كاتب بحريني

أثار الفيديو الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعملية إعدام قط محبوس في قفص صغير حرقاً، موجة استنكار عارمة عمّت البحرينيين بمختلف فئاتهم لشناعة الفعلة التي أقدم عليها شاب بحريني وهو يعلن بطريقته أسباب هذا الحكم القاسي الذي اتخذه بحق هذا الحيوان الضعيف، والتي تتلخص في دأبه على افتراس طيور الزينة التي يربيها في منزله، وربما اشتراها من دخله بأسعار باهظة.

ولم تمضِ سوى أيام قلائل حتى أعلن وكيل نيابة المحافظة الشمالية نبأ القبض على الفاعل وحبسه احتياطياً على ذمة التحقيق، بعدما وُجّهت إليه تهمة الإضرار بحيوان مستأنس وإحداث ضرر جسيم به. ثم تبين وفق التحقيق الصحافي الذي قامت به «الوسط» (3 أبريل) أن «جمعية البحرين للرفق بالحيوان» كان لها دور كبير في الاهتمام بهذه القضية، وأن شريكه المتهم الثاني تم ضبطه أيضاً.

تطبيق مواد قانونية

ومن منطوق التهمة يتضح أنه يستند إلى النص الحرفي للمادة (145) من قانون العقوبات والتي جاءت على النحو التالي: «يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة التي لا تتجاوز مئة دينار من قتل أو سم عمداً أو بدون مُقتض مجموعة من النحل أو حيواناً مستأنساً أو داجناً من غير ما ورد في المادة 141 أو أضر به ضرراً جسيماً».

وثمة مواد أخرى شملها الفصل السادس من القانون المذكور تحت عنوان «الاتلاف ونقل الحدود»، بيد أن ليست مواده جميعها مختصة بحماية الحيوان، بل وردت غير متجانسة من حيث الموضوع، إذ تشمل ضمن ما تشمل، جرائم إتلاف الأموال الثابتة والمنقولة، وتعطيل المرافق العامة، وجرائم إتلاف أو نقل أو إزالة أي محيط أو علامة لضبط المساحات أو الحدود الفاصلة بين الأملاك. ولك أن تلاحظ هنا عزيزي القارئ هذا الخلط الغريب في مزج جرائم إتلاف تتصل بالجماد بجرائم تتصل بالكائنات الحية.

وعلى الرغم من مرور ما يقرب من 40 سنة على صدور قانون العقوبات (1976) جرت خلالها مياه كثيرة في البحرين وفي العالم حول أوضاع الحيوانات سواء من حيث تكاثرها وأمراضها، أم من حيث تطور سلالات منها أو انقراض أخرى بما تتعرض له من اصطياد جائر، ناهيك عن تطور المنظومة التشريعية الدولية الناظمة لحقوق الحيوان وحمايته، فإن تلك المواد المحدودة اليتيمة ظلت كما هي دون أي تغيير يُذكر، فلا تشريع جديد مستقل صدر لتنظيم أشكال وأدوات حماية الحيوان في البلاد، ولو حتى من خلال إجراء تعديل تشريعي لقانون العقوبات نفسه ليشمل، على الأقل، إفراد فصل مستقل قائم بذاته وأكثر توسعاً يختص بتنظيم حماية الحيوانات، ومسئولية مربّيها، سواءً بغرض الزينة أم بغرض التجارة، ويحدّد مسئولية وواجبات المواطنين والمقيمين جميعاً بعدم التعرض عمداً لإيذاء السائبة منها تحت أي مبرر أو دعوى كانت، اللهم إلا تلك الحيوانات المفترسة حينما يكون الإنسان في حالة دفاع عن النفس أو عند تحوّل الحيوان المستأنس إلى حيوان معادٍ شرير.

ومواد أخرى تنتظر التطبيق

واليوم وبعد مرور زهاء أربعة عقود على صدور القانون يبدو أن الوعي الاجتماعي أكثر تطور نسبياً، وإن مازال دون الحد الأدنى الكافي لحماية الحيوان والرفق به، في حين ظلّ التشريع الناظم لهذه الحماية على حاله رغم ما شهدته العقود الأربعة الماضية من أكبر عدوان صارخ تورطت فيه بالدرجة الأولى جهات نافذة على الكائنات الحية الأخرى من بيئة زراعية هي الحاضنة والموئل لحماية الحيوانات الداجنة والطيور، ناهيك عن أنها المصدر الغذائي والتكاثري لها، أضف إلى ذلك ما شهدته البيئة البحرية أيضاً من تدمير منهجي من قبل جهات ذات نفوذ قضى على كائناتها الحية التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان على السواء.

وبالتالي فإن أي تشريع لحماية الحيوان يُتخذ بمعزل عن الوصول إلى منظومة تشريعية مترابطة متكاملة شاملة للبيئة الأحيائية من حيوان ونبات وثروة سمكية ويغلظ العقوبة الرادعة على المنتهكين بوعي بغرض المنفعة الأنانية الضيقة على حساب المصلحة العامة أكبر من تغليظ العقوبة على الحالات الناجمة عن جهل اجتماعي وانعدام وعي، كحالة المتهم بجريمة حرق القط، سيكون تشريعاً قاصراً لا بل سيقع بغفلة أو بوعي، في محذور غياب المساواة في مجالات تطبيقه. ذلك أن حماية الطيور الداجنة بل وطيور الزينة نفسها، التي أثار مقتل العديد منها حنق مربيها الشاب المتهم، فضلاً عن حماية الكائنات والنباتات لا تقل أهميةً عن حماية الكلاب والقطط وغيرها من الحيوانات الأخرى، التي غالباً ما تأتي على ما يبدو في مقدمة اهتمامات جمعية الرفق بالحيوان.

بث الوعي قبل إنزال العقوبة

لا أحد بطبيعة الحال يبخس الدور الذي لعبته هذه الجمعية في حدود إمكانياتها وعدم تعاون الدولة والمجتمع الكافي معها لحماية الحيوان، لكن في تقديرنا هي الآن وبعد حوالي 36 عاماً من انطلاقتها، بحاجة لتقويم مسيرتها تقويماً جذرياً من حيث السُبل والوسائل الأكثر نجاعةً وفعاليةً في تحقيق أهدافها، بحيث لا تكون جمعية نخبوية شبه منعزلة عن المجتمع المعني بحماية الحيوان.

ومن نافلة القول أن الوصول إلى المجتمعات المحلية، في المدن أو القرى، لزيادة التوعية بمختلف الوسائل الممكنة بالتعاون مع المؤسسات الأهلية والقيادات المحلية بغرض حماية الحيوان وعدم إيذائه هي أفضل من تعقب الحيوانات المصابة أو النافقة أو المريضة أو المعتدى عليها. وفي الحالة التي هي موضع حديثنا ماذا ستكسب الجمعية أو الحق العام من ضبط المتهم وتطبيق العقوبة الرادعة بحقه كحالة من الحالات النادرة المحدودة التي تم ضبط فاعليها مع استمرار الظاهرة وتكرسها وعدم الحد منها دون التعرف عن كثب على الأسباب الموضوعية والذاتية التي دفعت الشاب لارتكاب فعلته بحق القط؟

لا شك أن حظ هذا الشاب العاثر هو الذي ساقه إلى وجه العدالة بجهله المطبق بعواقب تصوير عملية إعدام القط حرقاً في قفص، على نحو يُذكرنا بجريمة إعدام «داعش» الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً في قفص كبير، والتي لا يُستبعد أن الشاب أراد محاكاتها.

والجمعية لا تستطيع أن تحقق الأهداف التي تصبو إليها بدون دراسة الوسائل الكفيلة بحماية الحيوانات السائبة التي طالما تعرضت لاعتداءات الأطفال والمراهقين بقذفها بالحجارة أو بالدوس عمداً أو نتيجة التهور في السرعة من قِبل السائقين، عدا موت العديد منها بدخولها داخل جوف السيارة قرب الماكنة طلباً للدفء، دع عنك ما تتعرض له الكلاب الضالة والدواب وفي مقدمتها الحمير التي ظلت لقرون طويلة في مجتمعاتنا العربية تتعرض للضرب المبرح بالعصا لتسرع من خطاها، وعلى مرأى المجتمع وجمعيات الرفق بالحيوان المهتمة بتطبيق القانون هذه الأيام.

وإذا كان أعضاء الجمعية من الأوروبيين المقيمين لهم دور مشهود في إنشاء الجمعية وتحقيق أهدافها السامية، فمن المهم أن يعي أعضاؤها وتعي الدولة والمجتمع كافة، أن حماية الحيوان والحد من العدوان عليه يتطلب خلق رُسل ومراقبين من سكنة المجتمعات المحلية نفسها التي تتعرض فيها الحيوانات للأذى، وهو ما يتطلب تعميق التوعية بحقوق وحماية الحيوانات من الاعتداءات لكي لا تكون الجمعية معزولة عن محيطها ومنطوية على ذاتها، بعيداً عن المجتمع المحلي.

البحث عن الأسباب الموضوعية

وفي تقديرنا إن الوعي الغربي بحقوق الحيوان لم يتطور ويتفوق على العرب إلا بعد تفوقه عليهم في الوعي بحقوق الإنسان، فلا تتوقع من أي مجتمع أن يتطور التزامه بحقوق الحيوان وهو يعيش في ظل أهوال كارثة مطبقة من الانتهاكات الوحشية والفظة بحقوقه، التي تأخذ بخناق شريحة واسعة من أفراده، بينما تنشغل منظماته المدنية ومثقفوه ورجال دينه بالدفاع عن حقوقهم الإنسانية.

كما ينبغي إجراء دراسات جادة لمعرفة الدوافع والنوازع العدوانية لدى المراهقين والشباب والأطفال لتعذيب الحيوانات في مجتمعاتنا المحلية، إلى جانب تفعيل الدور الإعلامي والتعليمي شبه الغائب عن هذه المسألة.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، فإن المتهم بحرق القط إذا ما تمت دراسة حالته من قِبل الجهات المعنية وخصوصاً القضائية، وجرى تفهم دوافعها فمن المأمول الأخذ بعين الاعتبار بظروفه الشخصية وبيئته الأسرية، وصولاً لإصلاح المتهم وغيره من النماذج المماثلة، وهو الهدف المبتغى من العقوبة بالسجن أو الغرامة. وذلك بتلمس العقوبة المخففة عنه لكي لا يتحول المتهم إلى شخص ناقم على مجتمعه والدولة، وقد يكرّر ذات الفعلة أو غيرها. وإذا كنا نؤمن بأن السجن ما هو إلا دار تأهيل وإصلاح لسجناء الجرائم الكبرى بحق الإنسانية، فمن باب أولى أن يكون الأمر كذلك للجرائم المرتكبة بحق الحيوان.

إقرأ أيضا لـ "رضي السماك"

العدد 4595 - الإثنين 06 أبريل 2015م الموافق 16 جمادى الآخرة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 3:53 ص

      شكراً للكاتب

      شكراً للكاتب على معالجته المتقنة للحدث
      نحن نركن الى أن وسيلة الاصلاح منهج ينبغي أن يؤكد حضوره وأن العقوبة ينبغي ان تتدرج في سياقات معالجة المعضلة التي تضل من حيث الجوهر مشكلة مجتمعية يتحمل مسؤولية تغيير واقعها السلبي جميع قطاعات وفئات المجتمع بأفراده ومؤسساته لذلك بالاضافة الى ما حدده الكاتب من رؤى وتوصيات ندعوا أأمة المساجد أن يوجه رسائلهم تنويرية في خطبة الجمعة وكذلك أأمة المنابر حيث أن رسائل التي تصدر من هذه المواقع أشد تأثيراً في تحسين المفاهيم والسلوك الاجتماعي.

    • زائر 6 | 2:09 ص

      الحمد لله

      الحمد لله أخيرا طلع إلينا أحد من الصحافة يتكلم عن حماية الحيوان وهذا نادر في الصحف. للأسف هذا دور رجال الدين والمنابر ما أكثرها في القرى وكذلك دور الاباء في تعليم ابناءهم من الصغر بحقوق الحيوان

    • زائر 5 | 1:40 ص

      ولد الرفاع

      حرق القطة يذكرني بشخص كان يبي يحرق تواير تسبب في حرق صديقة

    • زائر 4 | 1:18 ص

      هذا تاتصرف شائع

      نعم هذا تصرف وحشي ولا انساني ما اريد ان اقوله هو ان هذه الممارسات شائعه جدا عند اغلب مربي الحيوانات والطيور نريد تشريعات واضحه لحمايه الحيوانات والطيور لحمايتهم من الايذاء وتحريم وتجريم او تخريب بيئتهم وتحفيز الخطباء وائمة المساجد ووزارة التربية والتعليم للقيام باادوار فعاله لان هذه التعاليم ستربي الذوق والرحمه عند الجيل الشاب وسيكون له مردود ايجابي على سلوكهم في المجتمع هناك من سيسخر ويقول الانسان اولا وانا اقول كلنا خلق الله وظلم الضعيف اشد عند الله

    • زائر 1 | 11:20 م

      قومتون الدنيا ع سنور

      ونسيتون مال القرى اللي يصيدهم اخس من السنور

    • زائر 3 زائر 1 | 12:48 ص

      خوش

      مال القرى بحارنة .... ... ؟

اقرأ ايضاً