صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5302 | الإثنين 13 مارس 2017م الموافق 11 شوال 1445هـ

الإصلاح الديني عند الهادي الفضلي

الكاتب: رضي السماك - .

حضرت خلال ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي 2016 ندوةً فكرية دينية قيّمة اُقيمت في مأتم الإمام المنتظر بالدير بشأن فكر الشيخ عبدالهادي الفضلي (ت 2013) وهو إحدى الشخصيات الدينية السعودية المرموقة، والتي تتميز بالمزاوجة الخلاقة ما بين المعرفة الفقهية الأصولية الدينية، والمعرفة الحداثية بوسائلها التقنية والمنهجية، هو الذي نهل تعليمه من كلا التعليمين «الحوزوي» والنظامي الجامعي الحديث، ووصل إلى أعلى مراتب دراساتهما العليا، فنال لقب «آية الله» في المجال الفقهي الديني، وحاز على درجة «الدكتوراه» في المجال الجامعي النظامي. وكانت له أدوار مشهودة في الاستعانة بها لتطوير التعليم «الحوزوي» وتحريكه من واقع الجمود التقليدي الذي عُرف به ردحاً من الزمن، وعاش شطراً من حياته في العراق الذي وُلد على أرضه بالبصرة، وشطراً آخر قضاه في موطنه السعودية، وعُيّن استاذاً في جامعة الملك عبدالعزيز بجدّة التي أسس فيها قسم اللغة العربية، واُبتعث من قِبلها إلى القاهرة ونال من جامعتها شهادة الدكتوراه مع مرتبة الشرف في اللغة العربية، وكان تلميذاً نجيباً من تلامذة المفكر الإسلامي الراحل الشهيدالسيّد محمد باقر الصدر، وله 60 مؤلفاً في المجالات الفقهية واللغوية وفي الإصلاحين الديني والاجتماعي .

ضيوف الندوة المشاركون فيها بالأوراق هم كل من: السيد عبدالله الغريفي والشيخ أحمد البراهيم الأحسائي والشيخ جعفر الشاخوري، وأدارها بكفاءة الأستاذ علي هلال، الرئيس السابق لقسم التقويم وتطوير البحوث بإدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم، وأحد أعضاء لجنة موسوعة تاريخ البحرين، وهو أيضاً من حملة الدكتوراه وقد افتتح الندوة بالقول المأثور الجميل «إن العلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلك» .

وحيث من الصعوبة بمكان أن أتناول في هذه العجالة الأوراق المقدمة من المحاضرين الثلاثة، كُلاً على حدة، فإني سأكتفي بتقديم عرض مختصر لأهم الأفكار التي تضمنتها أوراقهم مجتمعةً على النحو التالي:

- الفقيد الراحل الفضلي اهتم بالبناء الذاتي للطالب الحوزوي، وتطوير قدراته في البحث والكتابة والتأليف والخطابة والنهل من شتى مناهل المعرفة الخارجية، بحيث لا تقتصر على دروس الحوزة التقليدية، وتشجيع طلابها بتنظيم برنامج عملهم اليومي.

- اهتم الفضلي بتطوير مناهج الدراسة الحوزوية وله مؤلفات كثيرة في ذلك، كما قام بتجسير العلاقة بين الحوزة والجامعة الحديثة، لمواكبة معطيات الحداثة وحاجات العصر. ولم تحُل خلفيته الدراسية الحوزوية دون أن يكون لاحقاً استاذاً جامعياً متميزاً.

- لم يقع الفضلي في منهج الجمود والتقليدية التي امتازت بها الحوزة، وكان يرى أن طالب الحوزة لا يحصل منها إلا على 2 في المئة من معارفه و98 في المئة تعتمد على كفاحه ومجهوده الشخصي في ملاحقة المعلومات من شتى المصادر، فكم من طلاب أمضوا سنوات طويلة في الحوزة - على حد تعبير المتحدث - ولم يخرجوا بشيء ذا منفعة حقيقية بعد تخرجهم منها.

- كان الفضلي عالماً موسوعياً غزير المعرفة، شديد الحرص على الاطلاع على كل الثقافات المعاصرة بمختلف روافدها، ولذلك وجدنا له حتى كتابات حول البورصات و المصارف الحديثة.

- كان الفضلي محظوظاً في زمانه بعمالقة من أساتذة اللغة العربية العراقيين في جامعة بغداد، الذين تتلمذ على أيديهم أمثالمصطفى جوادوإبراهيم السامرائي وغيرهما وقد استفاد منهم كثيراً.

- كان الفضلي ينصح بقراءة مؤلفات من كل أشكال، وروافد المعرفة الإنسانية، وليس بالضرورة انتقاء ما يتوافق مع قناعات القارئ الدينية أو الفكرية، أو تتوافق مع هوى المرء وعواطفه نحو وطنه واُمته، فعقل المرء وقراءته الواعية هما دليله للتفريق بين الغث والسمين والاستفادة مما هو مفيد.

- كان الفضلي صارماً في تنظيم برنامجه اليومي لا يحيد عنه قيد أنملة، فله وقت مُحدد للقراءة وللكتابة وهو أطول ساعات يومه، ووقت للأطفال والعائلة، ووقت لمريديه، ووقت للأطفال، ووقت للبستنة وحراثة حديقة منزله.

- طالب الفضلي بإدخال بعض المواد التي تُدرّس في الجامعات النظامية الحديثة ضمن مقررات الحوزة، كعلم النفس وعلم الاجتماع، أو على الأقل أن يهتم طلابها بهذه العلوم في إطلاعاتهم الخارجية.

- عُرف الفضلي بإيمانه بأهمية الوحدة الإسلامية وسعيه الدؤوب لتحقيقها، وكان لايرى مستقبلاً للإصلاح الديني بدون إنجازها.

- ساهم الفضلي في مناهج تحقيق التراث واستعانت به وبكتبه جامعة الرباط في هذا الشأن وكذلك بعض الجامعات الأميركية.

- للفضلي رأي مستقل في مبدأ «تقليد الأعلم» بعدم تطبيقه في مطلق الأحوال.

تلك هي أهم الأفكار التي بسطها المحاضرون في أوراقهم، والتي حاولت تكثيفها بشكل مُقتضب وإن كانت أغنى بطبيعة الحال من العرض السابق. وعند منصة القهوة على باب المأتم أثناء خروجي بمعية الصديق علي هلال، انفردت بالشيخ الأحسائي بعد ما صافحته بحرارة مهنئاً إياه على ورقته، وإذ تجاذبت معه أطراف الحديث هنيهةً من الوقت تمنيتُ عليه وشركائه في خطه الفكري الإصلاحي بذل أقصى مساعيهم لنشر وتكريس هذا المنهج الإصلاحي المستنير في الخطاب الإسلامي عامةً وفي خطاب المنبر الحُسيني بخاصة، باعتباره الأوسع انتشاراً، وكذلك توعية العامة بأهميته، ولعله أفضل تكريم دائم يليق بمقام واحد من روّاد الإصلاح الديني في عالمنا العربي شبه المجهولين وهو ما وافقني عليه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1219837.html