العدد 91 - الخميس 05 ديسمبر 2002م الموافق 30 رمضان 1423هـ

فهم النص والارتباط بالواقع شرطان أساسيان للتجديد الإسلامي

المناقشات الدائرة في الأوساط الثقافية في عالمنا الاسلامي تتمحور حول مدى فهم واستيعاب النخبة لتراث الأمة ودينها المتغلغل في الوجدان من ناحية، وفهم الواقع المعاصر من ناحية أخرى. وهذا يعني ان النخبة الناشطة في المجتمعات الاسلامية مطالبة بتحديد علاقتها بدين الأمة وتراثها وعلاقتها بالعصر والواقع الذي تعيشه الأمة. بمعنى أن الحديث عن الاصالة والحداثة مازال يراوح في مكانه لأن كثيرا من النخب المتعصرنة حاولت فصل الأمة عن دينها معتقدة بأن الحل يكمن في هذا المنحى الأوروبي المنشأ. وارتبط هذا المنحى التغريبي بالفترة الاستعمارية التي حولت البلاد الاسلامية إلى مناطق نفوذ مستهدفة من ذات الدول التي تتحدث عن مبادئ العصرنة والتنمية والديمقراطية. ولا شك في أن مثل هذا التداخل عطل عملية النقد الذاتي التي تحتاج اليها كل امة قبل ان تصعد مرة أخرى وترتقي إلى مستويات متقدمة. وأصبح النقد الذي لا مفر منه مدخلا لمشكلات وتعقيدات اضطرت كثيرا من المخلصين إلى الانزواء عن عملية الاصلاح الحضاري.

في مواجهة تلك الحال، هناك من النخب من ارتبط بالتراث والدين والنص وفهمه جيدا ولكن دون ان يربطه بالواقع المعاش، مما حول الفهم الديني إلى اثقال وأسفار يحملها من دون الاستفادة منها. وهكذا نرى ان عددا من التجارب في بلداننا والتي تصدرها اسلاميون تحتوي على خلل أكبر من الخلل الذي تحتويه تجارب تصدرها أناس بعيدون عن دينهم.

ويتقاطع الحديث عن الاصالة والتحديث مع مفاهيم اساسية لا يمكن لأي مجتمع النهوض من دونها. ومن تلك المواضيع الشائكة مواضيع الديمقراطية والتعددية وحقوق المرأة والحرية الفكرية. فكثير ممن يتحدث باسم الدين يعادون هذه المفاهيم ويلجأون إلى نقيضها، إلى الدكتاتورية وقمع حرية التعبير والأحادية في الفهم من دون ان يدلل هؤلاء على صحة وأصالة ما يطرحونه.

لقد غفل هؤلاء عن أن هذه المفاهيم لم تكن ابدا غريبة عن مجتمعاتنا الاسلامية بل ان فقهاء وفلاسفة الاسلام كانوا يسمحون لأنفسهم بالاختلاف في أهم ركن من أركان الدين، ألا وهو موضوع التوحيد. ولذلك فقد كانت لدينا أشاعرة ومعتزلة ومتصوفة وامامية وغيرهم، وجميع هؤلاء تحاوروا واختلفوا من دون أن يكفر بعضهم الآخر. والتكفير ومعاقبة الناس على آرائهم إنما فرضه بعض الحكام في تاريخنا الاسلامي لحاجة في أنفسهم وليس لايمانهم بهذا المبدأ أو ذاك. لقد تتلمذ علماء المسلمين على ايدي بعضهم الاخر على رغم أنهم خرجوا بنظريات تختلف مع بعضها الآخر. وإذا كان المسلمون في صدر الاسلام سمحوا بالتعددية في أهم ركن من أركان الدين، فكيف يسمح البعض لنفسه ان يحرم المسلمين من التعددية في الفهم السياسي والاجتماعي وطرق معالجة الأمور لتنمية قدرات الأمة؟

إننا لا ندعو إلى العبثية أبدا، ولا نقول ان كل فرد يحق له أن يقول ما يشاء من دون دليل ومن دون منهجية. لا نقول ذلك ولم يقله المصلحون الذين رفعوا راية التجديد في العصر الحديث. ولكننا نعتقد أن مفاهيم الحرية الفكرية والتعددية والارادة الحرة لمجتمعاتنا الاسلامية هي التي حفظت لنا الدين، وهذه المفاهيم هي التي مكنت بلاد المسلمين من تصدر الحضارة الانسانية لعدة قرون قبل أفولها. وليس خافيا أن أفول الحضارة الاسلامية ارتبط بصعود الاستبداد وسيطرة المتمصلحين من الأوضاع الفاسدة وتمكين جهال الأمة باسم الدين. فهؤلاء الجهال هم الذين اصدروا فتوى في مطلع القرن السادس عشر حرّموا فيها المطابع الحديثة لطبع الكتب وقالوا ان استخدامها يدخل المرء النار. وبقيت فتوى التحريم مستمرة قرابة قرنين ونصف القرن، ولم يسمح للمطابع بدخول البلاد الاسلامية إلا في القرن الثامن عشر، وكان الأوان قد فات والنهضة العلمية قد تأسست في البلدان الآخرى، بينما انغرس الجهل والتجهيل في بلداننا الاسلامية باسم الدين.

الذين حرموا المطابع باسم الدين موجودون الآن في أوساطنا ويحرمون (باسم الدين) على المرأة المشاركة في الحياة العامة، ويحرمون الديمقراطية والتعددية، وكل ذلك باسم الاسلام. وإذا سمح لهم بالاستمرار في احتكار اسم الدين بهذه الطريقة فاننا قد نرى انفسنا نتحدث عن بديهيات لعدة قرون، بينما الآخرون يسبقوننا في كل شيء، تماما كما حصل للمطابع وتحريمها.

يقول المفكر الاسلامي الاندونيسي نورشليش مجيد «إن المفاهيم الحيوية يتم تعطيلها على رغم وضوح مصادر الاسلام وأهمها القرآن الذي حفظه الله من التحريف لقد حفظ الله القرآن من التحريف، ولكن فهم المسلمين لما هو وارد في كتاب الله لا بد له أن يتطور ليتضمن تجارب الانسانية ويشارك في تطوير تلك التجارب بالاتجاه الذي يدعو اليه القرآن. وهذا يتطب عدم تعطيل المفاهيم الحيوية وعرقلة تطبيقها في مجتمعاتنا». نعم اننا نؤمن بضرورة التنوير والدخول إلى العصر مع الاحتفاظ بالأصالة الاسلامية. أما التقوقع في الماضي والانزواء عن تجارب الأمم ومحاربة المفاهيم الحيوية فانه لن يخدم الاسلام أو المسلمين

العدد 91 - الخميس 05 ديسمبر 2002م الموافق 30 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً