«وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» آية 27 سورة الحج.
«وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» آية 34 سورة الحج
الإسلام، الذي قام حجهُ على المناسك الإبراهيمية، شعيرة ملة إبراهيم، التي تحولت لطقوس تُعبد فيها الأوثان، إلى أن أعادها نبي الله محمد لتكون ركن الإسلام الخامس لمن استطاع إليه سبيلاً. والحج تطهيرٌ للنفس البشرية، قدسته ومارسته أغلب الأديان. رحلة النفس لا تتوقف عند المكان، تسبر أعماق الفؤاد لتتكشف لها كل الأكوان والأزمان، وحيدةٌ، متوحدةٌ، فريدةٌ، ساعيةٌ لربها راضية.
لكل أمةٍ وقومٍ عقائدهم ومناسكهم وطرق حجهم، هي رحلة لتطهير النفس من كل ما يعتريها من شوائب. فساحل نهر الكنج المقدس في الهند يغص بآلاف المهاجرين للانعتاق، فلقد استحم به أحد الآلهة. وبيت المقدس يبكي حائطه اليهود، أما السامريون فمسعاهم جبل جرزيم في نابلس، رحلتهم تتراوح بين بيت المقدس وجبلهم الذي أمر يهوا داوودَ النبيَ ببناء هيكله عليه، إلا أن داوود عصا ربه - بحسب ما يعتقدون - وبناه حيث بيت المقدس الآن. وتتعدد مسارات وطقوس الحج في المسيحية. إلا أن أهم دروب ترحالهم تتوجه إلى القدس أو روما تارةً، وإلى سانتياغو دي كومبوستيلا - القديس يعقوب أو مار يعقوب - تارة أخرى. وعلى طريق مار يعقوب بوديانها وسهولها وجبالها وسحر طبيعتها تدور أحداث الرواية.
الرواية تسرد حكاية نهاية ضياع باولو كويلو، الذي هرب من والديه صغيراً، وعاش حياة التسكع وانغمس في المخدرات، وتأثر بالجمعيات السرية وانتسب لأحدها، إلى أن استطاع الارتقاء بنفسه عبر حجه سالكاً إحدى طرق الحج في المسيحية. رحلة جسدتها رواية «حاج كومبوستيلا» التي باتت حجر الزاوية في رواياته اللاحقة بكل ماتحمله من رمزية تظهر أهمية خوض الإنسان للجهاد الحسن كما سماه في هذه الرواية - أو ما يُعرف بجهاد النفس - لمعرفة أسرارٍ يسعى كل ذي عقل لاكتشافها.
تبدأ الرواية بمراسيم احتفال ذات طقوس سرية، ينتقل من خلالها التلميذ على يد معلمه لرتبة أعلى. والطقس عبارة عن دفن التلميذ لسيفه القديم ليسلمه معلمه سيفَ مرتبته الأعلى. يختل الطقس بعد أن يرفض المعلم تسليم السيف لباولو لعدم استحقاقه له. فما زال في نفس باولو شيءٌ من التعجرف والغرور اللذين لا يسمحان له بنيل شرف الترقية. وعليه خوض تجربة تؤهله لشرف استملاك هذا السيف، بسلوك طريق القديس يعقوب - سانتياغوا - ذلك السيف الذي لا يعرف أين موضعه ولا كيفية العثور أوالسبيل إليه، فذلك الطريق امتحان روحي سيوصله لسيفه إن نجح في خوض غمار مصاعب مسيرته الجسدية والنفسية والفكرية والروحية. لم يكن لديه خيار - إن رغب في الحصول على رتبته وسيفه - إلا الانصياع. تبدأ رحلة جهاده الحسن بمساعدة مرشده بتروس غريب الأطوار، الذي لم يفهمه باولو إلا بعد افتراقهما قبل انتهاء الرحلة وقبل عثوره على سيفه. تتكشف لباولو خلال مَسيرهِ تجليات ومعانٍ إنسانية عميقة، تتداخل فيها الحياة والموت، الخير والشر، الحب والكراهية، الجُبن والشجاعة، في تصارع حاد بين مكونات النفس، وجهاده المتواصل للانعتاق من خلال المعرفة، برمزية تُظهر للقارئ أن مسيرة جهاد النفس ليست حكراً على القديسين والأولياء المختارين. فقد يبلغها أبسط الناس الذين يتقنون أعمالهم ومن حَسُنَ خُلقهم دون الاضطرار لمثل هذه الرحلات. فالرحلة الحقيقية ليست رحلة الحياة، ولا هي رحلة المكان. إنها تلك الرحلة الداخلية إلى الأعماق المظلمة في كينونة الإنسان. لقد توصل باولو إلى أن السر لا يكمن في الحصول على السيف، بل بمعرفة الهدف من استخدامه وكيفية استخدامه. لم يذكر باولو ما هي الأسرار الماورائية التي تكشفت له. فهي لا تُشرح ولا تُوصف ولا تُفهم، حتى وإن كُتبت أو قِيلت. فعلى المجتهد بلوغها بنفسه كونها حالة فريدة ولكل إنسان طريقه في العثور عليها والمضي قدماً في تحقيق أهدافها وأسبابها.
كُل إنسان يحلم بالتغيير نحو الأفضل، سواء كان ذلك التغييرعلى الصعيد الشخصي أو على محيطه ومجتمعه أو حتى على العالم الذي ينتمي له. وتختلف الطرق التي يسلكها بني البشر مشكلةً لوحة جميلة من الخطوط المتشابكة والمتداخلة والمترابطة.
كيف لي أن أُغير هذا العالم ليصبح مكاناً آمناً لي ولمن أحب، إن خيط البداية الذي علي إمساكه هو معرفتي لذاتي فبها تكمن بداية التغيير الذي يمر عبر جهاد النفس، للتخلص من سلبياتها والارتقاء بها، مما سينعكس تلقائياً على محيطي من خلال ممارساتي وأفعالي ونظرتي للحياة، ومن خلال تمسكي بالقيم الأخلاقية والإنسانية، إنه جهادٌ مستمر كلما تقدمتُ زاد بريقُ لمعانهِ ووضوحهِ.
يقول جلال الدين الرومي «بالأمس كنت ذكياً، فأردت أن أغير العالم... اليوم أنا حكيم، ولذلك سأغير نفسي» ويقول غاندي «كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم».