العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ

ما خفي من الخادمات... أعظم

من يوقف سيل التداعيات؟

خرج ناصر أحمد وزوجته إلى عمليهما كعادتهما اليومية تاركين ابنهما الأوحد في رعاية الخادمة.

وذات يوم انصرف ناصر من عمله باكرا قاصدا المسجد القريب من بيته، فإذا بابنه - ذي العام ونصف العام - في أحضان امرأة منقبة تتسول عند باب المسجد، وعندما رفع نقابها وجدها خادمته!

هذه الحكاية واحدة من سلسلة حكايات كثيرة تحمل مذاق المرارة. فالخادمات ظاهرة تتفاقم باطراد في المجتمع البحريني، لتسجل ارتفاعا لم يقابله نقصان طوال السنوات القليلة الماضية.

وتطوي تلك الحكايات مفارقات لا تخلو من غرابة، طفا بعضها على السطح، وظل أغلبها طي الكتمان بحكم التحفظ الشرقي.

مشهد (1): خادمة تضع «مخلفاتها الآدمية» في الطعام الذي تطهوه يوميا للعائلة التي تعمل عندها، اعتقادا منها أن هذا يقربها من أفراد الأسرة ويجعلها أكثر قربا وقبولا.

مشهد (2): خادمة أخرى تقوم بشفط «أماكن حساسة» من جسد طفل يطيل البكاء على أمه التي تعمل معلمة مما يدعو الخادمة التي استقدمت لتربيته إلى القيام بشفط أعضاء الطفل بالمكنسة الكهربية إلى أن ينهار الطفل من شدة الألم فقط لأنه يلح في البكاء.

كررت الخادمة هذه الممارسات لعدة شهور دون أن يعلم والدا الطفل الذي أصيب بعد فترة وجيزة بتهتك في عروق الخصيتين.

مشهد (3): خادمة مطيعة، نظيفة ومسئولة، تعمل لدى موظفة تقدرها لأنها تعتمد عليها اعتمادا كليا في تدبير شئون منزلها وأطفالها، لكن ابنها الذي لم يتجاوز الخمس سنوات أصبح فجأة يهاب كل من حوله، يرفض الكلام والأكل، يتكرر عنده التبول اللا إرادي.

وفي البحث عن الأسباب تبين أن الخادمة كانت تضع صلصة الطماطم «الكاتشاب» على حد السكين، وتقول للطفل إنها قتلت أمها وأباها في بلادها، وإن لم يجلس دون حركة ستقتله هو الآخر.

مشهد (4): أحد الآباء يضبط خادمته تمزج «دماء الحيض» بالوجبات التي تقدمها لأفراد العائلة التي تعمل عندها، وعندما ساقها إلى مركز الشرطة اعترفت بجرمها معللة فعلتها بقولها: «إنني أتعرض لسوء المعاملة يوميا، وقد دلتني صديقتي - التي تعمل خادمة في المنزل المجاور - على هذا الحل ليمرض أفراد العائلة ويراجعوا المستشفيات ويكفوا الأذى عني». تعرض أبناء هذه العائلة لطفح جلدي وتسمم في الأمعاء، فقط لأنهم لم يمنحوها إجازة أسبوعية تخرج فيها مع السائق الذي يعمل عند العائلة نفسها. هذه المشاهد لم تكتب لتقدم كأعمال درامية مرعبة، ولا قصص مضخمة من نسج الخيال، لكنها مشاهد واقعية مستمدة من حياتنا اليومية، جمعت من عدد من الصحف الخليجية خلال العام الماضي. ولو تسنى جمع كل القصص والحكايات التي تلعب فيها الخادمات دور البطولة - منذ بداية الثمانينات وحتى يومنا هذا - لفتحنا ملفا ضخما، مادامت الخادمة لا تزال عصبا رئيسيا في حياة أغلبنا.

مريم محمد الصباغ - موظفة في وزارة الإعلام - ولديها ولدان لا يتجاوز عمر أصغرهما العامين، تعكس حال قطاع كبير من السيدات العاملات، تقول: «لا تستطيع المرأة العاملة الاستغناء عن الخادمة في كل الأحوال لطالما أن العمل يستقطع الجزء الأكبر من وقتها وجهدها (...) لا أنكر سلبياتها الكثيرة، لكن الاستغناء عن خدماتها ضرب من ضروب المستحيل».

وتقول: «من الضروري أن تشرف الأم على تربية الأولاد، وشخصيا أفضل أن تبقى الخادمة تحت إشراف والدتي طوال ساعات غيابي حتى لا تسول لها نفسها بما لا يليق».

وترى منى الخاجة - موظفة في بنك البحرين والكويت - أن الاستعانة بالخدم صار حقيقة مسلما بها ولم تعد موضع نقاش أو جدال. وتقول: «ليس من المنطقي أن يطلب من الزوجة أن تؤدي دور الموظفة والزوجة والأم والمربية والخادمة في وقت واحد، ولطالما اعتمدت أمهاتنا في وقت مضى على الخادمات من البحرينيات وغير البحرينيات، فليس من المستغرب أن يستمر الاعتماد ذاته». في رحلة البحث عن الأرقام التي تفصل في هذه الظاهرة، كانت البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء قد مضى عليها عقد بأكمله بحكم أن عدد الخادمات في البحرين أضيف إلى أرقام التعداد قبل الماضي في العام 1991. ولم يشر الدليل الإحصائي الأخير الصادر عن وزارة الداخلية للعام 2000 بوضوح إلى عدد الجرائم التي ارتكبتها الخادمات أو التي ارتكبت ضدها. فالبيانات تعرض نوعية الجرائم (اعتداء، سرقة، زنا، انتحار...) بغض النظر عن جنسية مرتكبيها. لذا فإن الطرح يتخذ في كل يوم مدخلا جديدا، مادام الواقع يسجل حالات وقعت بالفعل وتتكرر بصيغة أو بأخرى هنا وهناك. وجاء في التقرير الإحصائي الصادر عن وزارة العمل والشئون الاجتماعية للفترة من ابريل/نيسان - يونيو/حزيران 2002 أن عدد الطلبات المقدمة للحصول على تصاريح خدم المنازل بلغت 13718 رفض منها 7923 طلبا وقبل منها 5795 طلبا خلال الشهور الستة الماضية. وبالرجوع إلى تقرير العام 2001 فإن الوزارة قبلت 19 ألفا و850 طلبا من أصل إجمالي الطلبات البالغة 33 ألفا و471 طلبا، رفض منها 13 ألفا و620 طلبا. وبلغت قيمة الرسوم المتحصلة من تلك الطلبات 583,8 ألف دينار بحريني في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى ديسمبر/كانون الاول من العام الماضي.

وبالمقارنة فقد بلغ إجمالي المبالغ التي استلمتها الوزارة من رسوم طلبات تصاريح الخدم خلال الفترة الماضية 173,5 دينار بحريني في مقابل 583,8 دينار بحريني حصلتها الوزارة في العام 2001، إذ يبلغ رسم إصدار التصريح الواحد 30 دينارا بحرينيا. تكشف تلك الأرقام جليا عن حجم الاعتماد على خدم المنازل، مما يعلل المساحة التي تحوي مشاهد موجعة كالتي سردناها آنفا. بيد أن الطرح يتخذ بعدا آخر، يقع على الطرف النقيض، عند الكشف عن الحقائق التي تعكس واقع حياة الخادمات في البيوت المغلقة.

فمثلما تدان الخادمة - بشكل عام - لأفعالها المشينة تلك، يدان المخدومون الذين يسجلون - في المقابل، وبشكل عام أيضا - ممارسات لا تقل سوءا.

إذ يجبر أحد المخدومين خادمته على معاشرته خلال ساعات غياب زوجته، وفي المساء يأتي دور الابن الأكبر الذي لم يتعد مرحلة المراهقة.

خادمة أخرى تُضرب ويشوه جسدها، فقط لأنها لم تستجب لأوامر سيدة المنزل، وخادمة يهينها ويسخر من لونها وشكلها الأطفال الذين يُتركون معها طوال فترة الصباح.

وأخرى تخدم في ثلاثة بيوت متجاورة دون دينار واحد إضافة إلى أجرها الذي لا يتجاوز الـ 35 دينارا. وأخرى لم تتلق أجرها لسبعة شهور متواصلة، لأن رب الأسرة التي تعمل فيها محاط ومغرق بالديون... كثيرة هي القصص التي تحمل المضمون ذاته، وتظل الإشكالية تحمل الهوية ذاتها. تشير الدراسات التي تصدت لظاهرة الخدم في المجتمع الخليجي إلى أن الهدف الأول الذي تضعه الخادمة (ليس جميعهن على أية حال) نصب عينيها هو الإيقاع بصاحب المنزل، وإن أخفقت يكون السائق أو الطباخ أو العامل هدفا بديلا.

أستاذ علم النفس بجامعة البحرين عبدالله سلمان الغاثم يشير إلى أن الغالبية العظمى من الخادمات ينتمين إلى بيئات فقيرة وهن غير متعلمات - أو في عدد قليل من الحالات كن قد تلقين تعليما بسيطا - إذ تترك النسبة الأكبر منهن التعليم باكرا بهدف البحث عن عمل، وتقصد الكثيرات منهن الدول الأكثر رخاء للكسب المادي.

تقول دراسة الغاثم إنه في ظل الاستقرار في أجواء أكثر رفاهية تظهر رغبات أخرى أهمها: الحصول على زوج يؤمن استمرار الحياة الأفضل، وإذا أخفقت الخادمة في تحقيق الرغبة الأولى (الزوج)، لإشباع رغباتها الجنسية والعاطفية بطرق أخرى بحسب المتاح والمتوافر.

ويزيد الغاثم: «هناك وعي متزايد بخطورة الاعتماد الكلي على خادمة غريبة عن عاداتنا وديننا، لذا برزت ظاهرة الاعتماد على الخادمة التي تعمل بشكل جزئي بساعات محددة في اليوم، وهذه الطريقة أفضل وأسلم لكلا الطرفين». وعلى الصعيد نفسه، تكشف دراسة أجراها قسم الإحصاء في وزارة العدل الكويتية في العام 1999، أن مشكلات الخدم تعد من أهم العوامل البارزة في أسباب الطلاق، وجاء في الدراسة أن 29 في المئة من الخدم في الكويت يتدخلن في شئون الأسرة مما يقود إلى توتر العلاقة بين الأفراد.

ودراسة أخرى أجراها الباحث محمد السويدي في العام 2000 على عينة من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة تقول 91,4 في المئة من أفراد العينة التي شملتها الدراسة إن الخادمة تضعف علاقة الطفل بأمه بشكل مؤكد، فيما تقول نسبة 89,5 في المئة إن وجود الخادمة مع الطفل بشكل دائم يضعف من قدرة الطفل على اكتساب اللغة العربية بشكل صحيح. وتقول نسبة 79,2 في المئة منهم إن الخادمة تسبب اضطرابا في كيان الطفل والأسرة.

يعود الغاثم ويؤكد أن سلبيات الاعتماد الكلي على الخادمات لا ينحصر في الجرائم وسرقة الأزواج وحسب، بل إن الملاحظ في الآونة الأخيرة الاعتماد على أكثر من خادمة في المنزل الواحد، حتى أن البعض يفوق عدد الخدم عنده عدد أفراد الأسرة!

ويقول: «هناك من يستقدم الخدم كطباخين وسواقين وفلاحين ومربين ومنظفين، وجميعهم لا يتجاوز راتبهم 60 دينارا أو الـ 100 كأعلى تقدير، إضافة إلى تكلفة استقدامهم التي تفوق الـ 350 دينارا».

والسؤال الذي يطرحه الغاثم: «هل نحن بحاجة فعلية لكل هؤلاء، أم أنها واجهة للتفاخر الاجتماعي وحسب؟». ويظل باب التنظير في هذه القضية الشائكة واسعا يشمل المزيد من القضايا التي تقشعر لهولها الأبدان، ولا سبيل أو صيغة لإيقافها

العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً