وهل هناك من هو أقدر من الخطباء محافظة عليها؟ وهل يوجد من هو الآمن منهم والأجدر بوضعها في المسار الصحيح؟ ثم من هو الشخص المخول تقويمها والقادر على تصحيحها اذا ما حدث بها اعوجاج أو خلل؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها بعد أن انتهى موسم عاشوراء، وختام الشعائر الحسينية، فاتحة الباب على مصراعيه لتلك الأسئلة.
ولعل مصدر هذه التساؤلات هو ما يقرأ من السيرة الحسينية من كتب المقاتل، كما يعبر عنها سواء أكانت القديمة منها أم الحديثة، ولعل الحديث الأكثر جدلاً ما يدور بشأن بعض مرويات السيرة الكربلائية، وهل يتناسب طرحها في عصر تفجر المعرفة وظهور الفضائيات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة استخدامها من كل الفئات وخاصة الشباب والناشئة.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا بشأن السيرة الحسينية والروايات التي وصلت إلينا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً عما حدث من وقائع وأحداث في كربلاء أو بعدها، فلا أعتقد أنه يوجد اختلاف في المأساة التي جرت في تلك الواقعة على الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، ولعل بعض التفاصيل أو الجزئيات هي موضع الخلاف هنا أو هناك، وعند مناقشتها وعرضها على المتخصصين والمحققين والعلماء نخلص إلى نتيجة كونها صحيحة أو ضعيفة فضلا عن نفيها تماماً.
المهم في الأمر أن ما جرى في كربلاء أو بعدها وثقه التأريخ عبر مؤرخيه وصححه أو أقره أو لم يعترض عليه العلماء والمحققون عبر هذه المسيرة الطويلة، إذ لا يوجد تأريخ لا يقبل إعادة قراءته من جديد أو غربلته، ولكن هناك الثوابت التأريخية هي التي لا يمكن العبث بها أو محاولة تغييرها.
إن واقعة كربلاء وسيرتها الحسينية هي من أكثر القضايا حساسية في وقتنا الراهن وخصوصا في موسم المحرم من كل عام، ولعل المنبر الحسيني وما يطرح عليه من قبل الخطباء له النصيب الأكبر من تسليط الأضواء عليه وتوجيه البوصلة باتجاهه من قبل النقاد والمستمعين، سواء كانوا من المثقفين أو دون ذلك، وقد يأخذ ما يثيره خطيب معين الحيز الأكبر من تلك الأضواء، بحكم وجود بعض المعطيات، كمكانة الخطيب وشهرته وكثرة مستمعيه، فيتم التفاعل مع ما طرحه أكثر من غيره نقدا وتحليلا وهذا شيء إيجابي لم نكن نعهده سابقا، وما لفت الانتباه هذا العام هو ما تفضل به بعض الصحافيين المحترمين من الكتابة بشأن ما طرح أثناء إحياء موسم عاشوراء من بعض الخطباء الحسينيين، وإن كان هناك نوع من تشابك الرؤى أو خلط للأوراق إلا أنه لم يخرج عن نطاق مطلب التصحيح في بعض الأمور. حيث كان التركيز على الجانب السلبي دون النظر أو التطرق إلى الجوانب المشرقة والايجابية من طرح الخطباء.
ولعل تركيز الصحافيين على ما يعبر عنه بالروايات الضعيفة أو غير المعتبرة في أكثر من مقال ووصفهم إياها بالخرافات أو الأحلام أو الغيبيات وإضفاء عليها صفة الضعف والركاكة، وأنها لا تصلح بأن تقال وتطرح في هذا العصر الذي يبحث فيه المستمع بشكل عام والمثقف بشكل خاص عن المعلومة الصحيحة، والتي تناسب فكره وثقافته، كان لافتا في مقالاتهم، والأكثر التفاتة هو رفضهم تلك الروايات جملة وتفصيلا، دون إحالتها وطرحها لذوي الاختصاص من العلماء والباحثين.
أعتقد أن كتاب المقالات الصحافية الناقدة لما يطرح من السيرة الحسينية، ورفضهم بعض الروايات لم يكن موفقاً مئة في المئة ولم يكن دقيقا ولم يضع اليد على الجرح أو يصيب كبد الحقيقة، بل كان كلاما مرسلا معتمدا على بعض المعلومات المستقاة من بحوث سابقة أو المعتمدة على النقل والقول بالكلمات، متغافلين عن أن الأصالة في إحياء الشعائر الحسينية لا يمكن استبدالها أو العبث بها؛ لأنها الإرث الجميل الذي تركه الآباء والأجداد أمانة بيد الأبناء والأحفاد يحافظون عليه، يطورونه، نعم، يخرجونه بروح العصر شكلا ومظهرا، لكن لا يغيرونه أو يرضون عنه بدلاً ويحتفظون به مضمونا وجوهرا.
كان من المفترض على أصحاب الأقلام أن يأخذوا بهذا الموضوع، وأعني به السيرة الكربلائية إلى أصحاب الاختصاص والتحقيق بدلاً من طرحه هكذا للعامة وفي مواقع التواصل الاجتماعي ... حيث هناك قنوات وجهات أخرى هي القادرة على وضع الأمور في إطارها الصحيح، بالرجوع إلى أصحاب التخصص في علم الحديث وعلم الرجال والباحثين والمحققين وغيرهم.
نسأل الله العلي القدير أن يكون الموسم المقبل والذي يليه أكثر عطاء وزخما ووعيا ونضجا في الفكر والروح والبصيرة والإيمان وأن نقدم الحسين (ع) عبرة وعبرة.
عيسى إسكاج
العدد 5172 - الخميس 03 نوفمبر 2016م الموافق 03 صفر 1438هـ