نقل عن أحد المديرين الذي قام ببيع شركته بمبلغ 26 مليون دولار قوله لصحيفة الاندبندنت أنه شعر بشيء من الحزن وأنه كان يفضل لو بقي مديرا لفترة أطول. إن هذا مجرد مثال واحد يبين مدى الصعوبة في فهم معنى السعادة. ولكنها مشكلة مهمة إلى درجة تجبر علماء الاقتصاد على قياس درجة السعادة لتحديد سياسة معينة. لذلك كنت سعيدا عندما دعيت إلى حضور اجتماع عن السعادة في كلية الاقتصاد بلندن. إن الشيء الذي تعلمته هو أن المال يمكن أن يجلب قدرا معقولا من السعادة، إذ توجد علاقة احصائية قوية بين الدخل والشعور بالسعادة وأن ذوي الدخول المتدنية في أوروبا والولايات المتحدة يبدون استياء أكبر من الحياة. ويشعر الفائزون في اليانصيب بسعادة أكبر، كما تبين التقديرات أن مبلغ حوالي مليون جنيه يمكن أن يحول الشخص غير السعيد إلى شخص في غاية السعادة.
وتبين الدراسات التي تم اجراؤها على الموظفين المدنيين ازدياد الرضا والصحة كلما زادت سيطرة الأفراد على الأعمال التي يقومون بها.
أما الحسد فيمكن أن يكون عاملا سلبيا خطيرا. ويبدو أننا أيضا غير قادرين تماما على تحديد نوع التجربة التي يمكن في الواقع أن تزيد من سعادتنا. نحن نميل إلى التوقع بأن يكون لحدث مستقبلي تأثير أكبر من الحدث الذي وقع لنا في الماضي.
وقد تم عمل تحليل جيد لرياضة تسلق الجبال والتي تتضمن متاعب شديدة ومخاطر ومصائب أحيانا. لماذا يقدم البعض على مثل هذه الرياضة؟ يمكن أن تكون الإجابة: احترام الذات، الوصول إلى الهدف، إطراء الآخرين واتقان هذا النوع من الرياضة. إن جميع هذه الأشياء يمكن أن تكون من بين السلوكيات الكثيرة التي تؤدي إلى السعادة. إن المودة عنصر حيوي. فهناك تقارير تشير إلى وجود علاقة إيجابية متبادلة بين السعادة والزواج وسلبية في حال الطلاق. وقد تناولت إحدى الدراسات الأزواج في سنوات ما قبل الطلاق وسنوات ما بعد الطلاق. ففي المدة القريبة من الطلاق يحصل الأزواج على فوائد نفسية كبيرة كما يحصل الأطفال أيضا على الفوائد نفسها.
ومع ذلك إذا قمنا بعمل مقارنة بين عامين قبل الطلاق وعامين بعد الطلاق نجد أن من لديهم أطفالا لا يظهرون زيادة ملموسة من السعادة. ويجب على المرء أن يكون حذرا وألا يقيس السعادة على أنها شعور لحظي. وفي الواقع فإن من مميزات السعادة هو أن ردة الفعل الأولى أقوى ولكنها تقل قوة مع مرور الوقت. ويشعر الناس بإصابة الشخص المصاب بالشلل النصفي بشكل أسوأ من الحال التي ينظر بها المصابون بالشلل النصفي إلى أنفسهم.
هل يمكن تقييم السعادة كما لو كان هناك نوع من «عصير الفرح» يمكن قياس كميتها في الشخص؟ انني غير مقتنع لأن أسباب السعادة والبؤس تبدو مختلفة. هل السعادة نتيجة الشفاء من مرض له علاقة بالمتعة الجنسية؟ لا ندري. ولكن يمكن أن يكون هناك مسلك مشترك، فقد أظهرت الدراسات أن المتعة في الاقتراب من تحقيق هدف معين مرتبطة بالنشاط المتزايد على الجانب الأيسر من المخ، بينما ترتبط المتعة في تحقيق الهدف بالجانب الأيمن.
كذلك فإن نظام المناعة يعمل بصورة أفضل عندما يكون المرء سعيدا. ولربما يتمكن علماء بيولوجيا الأعصاب يوما ما من قياس السعادة، أما في الوقت الراهن فمن الأسهل التركيز على اسباب البؤس إذ أنه من الأسهل دراسة المرض بدل القيام بدراسة الصحة.
أما بالنسبة إلى الحكومات فإن البحث عن السعادة يلعب دورا رئيسيا في رسم السياسة الخاصة بالإنفاق. ولكن كيف يقيِّم المرء السعادة المرتبطة بالصحة والمواصلات والتعليم؟ إن الصحة الذهنية يجب أن تعطى الأولوية من قبل السياسيين، ولكن الأمر ليس كذلك. إن الأصوات الانتخابية هي التي تجعل هؤلاء السياسيين سعداء وليس تخفيف البؤس عن ناخبيهم. إنها لحقيقة محزنة.
الإندبندنت - خاص بـ «الوسط
العدد 42 - الخميس 17 أكتوبر 2002م الموافق 10 شعبان 1423هـ