العدد 70 - الخميس 14 نوفمبر 2002م الموافق 09 رمضان 1423هـ

الشتاء الذي يتسم بالاستياء يمكن أن يؤدي إلى تغييرات جذرية في القطاع العام

هل سيكون هذا شتاء آخر يتسم بالاستياء - عندما تتحدى اضرابات القطاع العام الحكومة - أم هل سيكون الأمر مجرد مشكلة طارئة أو توتر في العلاقات العمالية يمكن تسويته ونسيانه خلال بضعة أشهر؟ إن إضراب عمال المطافئ واستخدام سيارات المطافئ التابعة للجيش المعروفة باسم «جرين جديس» يُعطى مظهرا تاريخيا غريبا للمنازلات الصناعية الكثيرة الموجودة حاليا. فبالنسبة إلى من يتذكر الفظاعة الشديدة في السبعينات، فإن هذا النزاع والنزاعات الأخرى في القطاع العام تذكر بشكل مُزعج بفترة يود الكثير منّا نسيانها. وبالنسبة إلى أولئك الذين لا يذكرون - ويقترب عددهم من نصف القوى العاملة - فلربما يكون الأمر أكثر من مجرد لُغز: لماذا يظهر هذا الاستياء الآن؟ إن أول شيء يجب قوله ان هذا الاستياء مخلف تماما عن فترة السبعينات. ويوجد على الأقل ثلاثة فروق واضحة بين فترة السبعينات والفترة الجارية.

أما الأول فهو ان الاضطراب الجاري هو بالدرجة الأولى ظاهرة توجد في القطاع العام بينما كان الاضطراب في السبعينات شاملا. أما الفرق الثاني فهو ان هذه القلاقل تحدث بعد فترة من النجاح وليس الإخفاق الاقتصادي. وأما الفرق الثالث فهو حدوث هذه القلاقل في وقت يتسم بثبات عالمي للأسعار وليس تضخما كبيرا.

وفي السبعينات عانت الكثير من الصناعات جراء المنازعات العمالية وقد تعرض بعض هذه الصناعات مثل صناعة السيارات وبناء السفن إلى خسائر جسيمة. وقد كانت بريطانيا في أعلى قائمة الدول التي تعُمّها الاضرابات. وقد تحطمت شركات مثل برتش ليلاند نتيجة القلاقل العمالية وضعف معنويات الإدارة الناجم عن تلك القلاقل. إن الإنسان الطيب لا يفضل ان يعمل مديرا إذا كان سيقضي أكثر من نصف وقته في معالجة النزاعات العمالية.

إنني أتذكر نُكتة ألمانية عن أسبوع العمل الذي يتضمن ثلاثة أيام عمل والذي فرضته حكومة هيث أثناء القلاقل في شتاء 73/ 74. لقد قال هيث حينئذٍ: آه. هذا يعني أنكم (البريطانيين) تستطيعون الإضراب ثلاثة أيام في الأسبوع الآن. وبينما توجد حاليا بعض اضرابات في القطاع الخاص - والتي تحدث عادة عندما يُسيئ صاحب العمل استخدام علاقاته العمالية - إلا ان القلاقل تتركز في القطاع العام أوشبه القطاع العام. ولذلك فإن القائمة الحالية تضم مكاتب البريد والمدرسين والجامعات وموظفي الحكومة المحليين، والمراقبين الجويين وسائقي سيارات الإسعاف... إلخ.

لماذا تتركز المشكلة في القطاع العام؟ إن ذلك يرجع إلى ان هذا القطاع مقدم احتكاري للخدمات على وجه العموم ولأن سُلّم رواتب هذا القطاع ثابت غير مرن.

وتتركز الكثير من النزاعات على علاوة بدل الغلاء للعمل في لندن، وليس هناك شك في ان كثيرا من عمال القطاع العام في لندن والجنوب الشرقي لا يتقاضون أجورا مثل نظرائهم في القطاع الخاص. وكذلك فإن التأثير العملي للإضراب في القطاع الخاص هو تقليل القوى العاملية وهو أمر قد يحدث في القطاع العام في نهاية الأمر.

وهذا يقودنا إلى الفرق الثاني الذي تم ذكره آنفا وهو حقيقة أن هذه القلاقل تأتي عقب فترة من الرخاء. لقد ارتفعت المستويات الحقيقية للمعيشة بحوالي 40 % في العقد الماضي.

أما في النصف الثاني من السبعينات فقد كانت مستويات المعيشة الحقيقية لكثير من الناس في هبوط.

لربما يكون من السابق لأوانه التأكد من الأسباب التي جعلت الأداء الاقتصادي في بريطانيا يفوق معظم جاراتها من الدول الأوروبية، ولكن لابد ان يكون ذلك مرتبطا بسوق العمل الأكثر مرونة في بريطانيا. ولأننا نستطيع توظيف نسبة كبيرة من مواطنينا، ولدينا نسبة بطالة أقل أصبح من الممكن زيادة الأجور بشكل أسرع. ونتيجة لهذه الزيادة الكبيرة في الانتعاش شعر بعض الناس بأنهم قد أُهملوا خصوصا في لندن والجنوب الشرقي.

لقد وصل معدل الدخل في مدينة لندن العام الماضي إلى أقل بقليل من 60,000 جنيه. ومن الناحية الحسابية لابد ان يكون دخل البعض أقل من المعدل ولكن أولئك الذين يحصلون على أقل من هذا المعدل لن يكونوا في عداد البشر إذا لم يشعروا بنوع من الغيرة. إن الكثير من هؤلاء يعمل في القطاع العام.

وأخيرا فإن هذا هو وقت استقرار الأسعار. ان أسعار السلع اما في هبوط أو ثبات، أما أسعار الخدمات - بما في ذلك خدمات القطاع العام - فإنها الشيء الوحيد الذي يشهد ارتفاعا ولكنه ليس كبيرا. إن هذا الوضع يختلف تماما عن السبعينات عندما وصل التضخم آنذاك إلى 16%. لذلك فإن معظم القلاقل آنذاك كانت ترجع إلى محاولة الناس - وغالبا من دون نجاح في المحافظة على مستوى دخولهم بالمعنى الحقيقي. إن الناس الذين كانت دخولهم تتقلص عاما بعد عام كانت لديهم مظالم حقيقية إذ ان أصحاب العمل (في القطاع الخاص والعام) لم يقوموا بتنفيذ التزاماتهم المنصوص عليها في عقد العمل.

وبهذا المعنى فإن الاضرابات كانت لها مبررات أخلاقية لا توجد في الإضرابات الحالية.

لذلك فإن القلاقل في هذا الشتاء مختلفة نوعيا عن تلك التي سادت في السعبينات. ولا يوجد خطر في ان تصل عملية الفوضى إلى المستويات السابقة أو ان تنتشر إلى القطاع الخاص باستثناء المناطق التي يوجد فيها احتكار طبيعي كما هو الحال في المطارات التي تسيطر عليها مصلحة المطارات البريطانية BAA. إن غالبية الناس - إذا كانوا في الواقع غير راضين عن عقود العمل التي لديهم - سيواصلون العمل كما فعلوا طيلة العقدين الماضيين: عليك ان تجد وظيفة أخرى بشروط أفضل.

إن الخطر يكمن في ان دافعي الضرائب سيفقدون الثقة في القطاع العام إذ تذهب مبالغ كبيرة من نقودهم إلى الخدمات العامة. إنني أعرف حالات يكون فيها لدى مؤسسات القطاع العام مبالغ كثيرة لا تستطيع إنفاقها وتحاول إيجاد وسائل لتخزينها حتى تستطيع انفاقها فيما بعد.

إننا نخوض تجربة كبيرة: هل سيؤدي انفاق المزيد على الخدمات إلى تحسين نوعية المنتج أم هل ستضيع الأموال هدرا؟

إن الحكومة تعلم ان عليها إظهار نوع من المبررات لزيادة الضرائب التي تفرضها وبشكل سريع. وهذا هو السبب في تخصيص المزيد من الأموال لتحقيق أهداف الأداء.

إن الخطر لا يكمن في تحقيق الأهداف. فقد كان المديرون في الاتحاد السوفياتي السابق ممتازين في تحقيق الهدف الموضوع حتى لو كان ذلك يعني نوعية رديئة للوصول إلى الأرقام المحددة في الخطة. وإذا ما تم تخفيض قوائم الانتظار في مجال الخدمات الصحية العامة - فسيتم ذلك بالتأكيد - حتى إذا كان ذلك يعني تقليص عدد الموجودين على القائمة بالدرجة الأولى. إن الخطر يكمن في تحقيق الأهداف الموضوعة وليس الحاجات. إن الأمر سيبدو على ما يرام على الورق ولكننا جميعا سنشعر بأننا قد ابتززنا.

وهنا يكمن المغزى الحقيقي لهذه الاضرابات. إن الحكومة هي التي تقدم الأموال ولكنها تريد تغيير أساليب العمل للقيام بتحسينات في النوعية. ولكن التغيير يكون صعبا في الغالب. وفي المراحل الأولى من سلسلة المناوشات فإن ممثلي العمال - وبشكل منطقي - يريدون التأكد من حماية مصالح المنتخبين. ولكن كلما زاد نجاح ممثلي العمال، قل احتمال ارضاء المستهلكين. وفي السبعينات أدت الاضطرابات إلى تغييرات جذرية في حجم ومجال القطاع العام وهي التغييرات التي أدت إلى انتخاب مارغريت ثاتشر لتقوم بعملها. إن الحكومة لا تواجه خطر الانهيار ولكن عليها ان تعترف بأنه لا يمكن تحقيق رؤيتها بالنسبة إلى خدمات عامة أفضل بموجب الترتيبات الحالية. ولربما تسير الأمور بشكل جيد في نهاية الأمر، ولكن لا تتوقع ان تكون الأمور مرضية هذا الشتاء

العدد 70 - الخميس 14 نوفمبر 2002م الموافق 09 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً