العدد 105 - الخميس 19 ديسمبر 2002م الموافق 14 شوال 1423هـ

الاسلاميون وحقوق الانسان

تتحدث المفاهيم التي عبر عنها فلاسفة الغرب عن وجود حقوق طبيعية مرتبطة بطبيعة الانسان، وان هذه الحقوق غير قابلة للفصل عن طبيعة الانسان، هذه الحقوق الطبيعية هي الحرية، والمساواة والحق في السعي لحياة حرة كريمة، والحق في الملكية الخاصة. منظومة المفاهيم هذه، تداولها الفلاسفة وأدخلوا عليها تطويرا هنا وهناك، ولكن بقى المنبع لهذه الفلسفة أصحاب ما يسمى بـ «مدرسة القانون الطبيعي». هؤلاء الفاسفة آمنوا بوجود قانون طبيعي يسمو على كل شيء وان الحقوق نابعة من هذا القانون. لذلك فقد اطلق على حقوق الانسان تعبير «الحقوق الطبيعية».

وتأسيسا على هذه الحقوق الطبيعية نتجت منظومة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولقد كانت مفاهيم فلاسفة مدرسة القانون الطبيعي هي الموجهة للثورة الانجليزية (الثورة المجيدة لعام 1688 وصدور قانون حرية التعبير في 1695) والثورة الاميركية لعام (1776) والثورة الفرنسية لعام (1789).

ويرتبط القانون الطبيعي بمفهوم التعاقد الذي طرحه بصورة مفصلة الفلاسفة الغربيون «أهم الفلاسفة في الغرب هم مونتسيكيو (1689 - 1755)، فولتير (1694 - 1778)، جان جاك روسو (1712 - 1778)، جون لوك (1722 - 1804)... وغيرهم من الفلاسفة».

فبما أن لكل شخص الحرية والمساواة، فإن عملية ادارة شئون هذه المجموعة لاتتم الا اذا تنازل طرف لآخر ليسمح له بإصدار أوامر تنفيذية. ولهذا فإن العقد الاجتماعي ما هو الا تنازل عن جزء من تلك الحرية وجزء من تلك المساواة لكي تسير الأمور من خلال هيئة نابعة من الجمع المتساوي، على اساس عقد اجتماعي وقواعد متفق عليها، يطلق عليها اسم الدستور.

تزامن ظهور مفاهيم حقوق الانسان الطبيعية مع بدايات ظهور مفهوم الدولة القومية. فالدولة القومية هي تراث أوروبي بحت يقوم على أساس سيطرة الملك (او من بيده الحكم) على مجموعة البشر الذين يعيشون ضمن حدود جغرافية معينة. وان هذه السيادة، داخل الحدود الجغرافية، لا يحق لاي شخص خارج هذه الحدود ان يتدخل في شئونها.

وقد ظهر مفهوم تحريم التدخل في شئون الآخر ردا على تسلط البابا والكنيسة الكاثوليكية التي كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وتعاقب الناس والعلماء والملوك وغيرهم اذا خالفوا رأي الكنيسة الكاثوليكية المستبدة.

ولكن هذا المفهوم «عدم التدخل في الشئون الداخلية» أعطى الحاكم المتمركز في منطقة جغرافية معينة سلطات واسعة ضمن مفهوم السيادة المطلقة داخل الحدود الجغرافية. وللرد على وجود مثل هذه السلطة والسيادية، كان لا بد من حماية البشر الذين يسكنون داخل البقعة الجغرافية من التسلط والاضطهاد وهكذا نشأت فكرة السيادة للشعب (مقابل المفهوم الأول - أي سيادة الحاكم المطلقة)، وضرورة اجراء الانتخابات للتعرف على رأي الشعب وضرورة رعاية الحقوق وضمانها دستوريا.

يقول المستشار السياسي الأسبق في الادارة الاميركية في عهد نيكسون روبرت كراين، والذي اشهر إسلامه منذ فترة ليست بالقصيرة، بأن مدرسة القانون الطبيعي التي اعطت الغرب (اوروبا واميركا) حضارته، انما هي تاثير من المدرسة الاسلامية التي تؤمن بمبدأ الفطرة الانسانية، وهذه المدرسة سبقت الفلسفة الاوروبية بعدة قرون، قبل أن تصل اليها وتتطورو على منظومة الحقوق الطبيعية للانسان. ويشير كراين الى ان الفكر الاسلامي الذي طرح مفهوم المقاصد والكليات نرى أثره في مفاهيم فلاسفة الغرب الذي مهدوا لنهوضه. فهؤلاء الفلاسفة مثلا طرحوا مفاهيم اساسية عن «النظام والعدالة والحرية» ورأوا ان هذه العوامل مترابطة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض. القرآن الكريم يشير الى الفطرة الانسانية ومتعلقاها في قوله تعالى:

«فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله»

«ولقد كرمنا بني آدم»

«هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيأ مذكورا، انا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصير، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا»

«فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره»

«من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها»

«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن اكرمكم عندالله اتقاكم»

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في شرح «التكريم» في تفسير الميزان «إن التكريم معنى نفسي، وهو جعله شريفا ذا كرامة في نفسه» والانسان يختص من بين الموجودات الكونية بالعقل ويزيد على غيره في جميع الصفات والأحوال التي توجد فيها والأعمال التي بها.

التعاقد الاجتماعي الذي اعطانا مفهوم الدستور له جذوره الواضحة في المدرسة الاسلامية، اذ تعد صحيفة المدينة التي اصدرها الرسول (ص) عندما أقام حكومته في المدينة واتفق من خلالها مع المسلمين ومع اليهود ومع المشركين على قواعد اساسية وتعاقدية يدافع كل طرف عن الاخر لحماية المدينة المنورة، ويضمن لكل طرف الاحتفاظ بمعتقداته من دون اكراه، معتبرا هذه الصحيفة اقدم وثيقة تعاقدية من نوعها.

بل ان القرآن الكريم طرح التعاقد حتى في ابسط الامور، وهي الاستلاف «يا أيها الذين آمنو اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فأكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل» البقرة 282.

تتصدر صحيفة المدينة عبارة مهمة تقول «هذا كتاب محمد بن عبدالله النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، انهم امة واحدة من دون الناس» (انظر السيرة النبوية لباقر شريف القرشي). يشير الشيخ راشد الغنوشي الى أن الصحيفة عندما تتحدث عن «امة واحدة من دون الناس» انما تتحدث عن الامة السياسية وليست الامة الدينية. الامة الدينية (الاسلامية) ترتبط بشيء اكبر من صحيفة المدينة، ترتبط بالرابطة الدينية (الاخوة الاسلامية) التي تحدث عنها الاسلام كثيرا. والرابطة الدينية تعلو فوق الجغرافيا والتاريخ، بينما الرابطة السياسية محدودة بالجغرافيا وبالزمن.

ولذا فإن الرسول (ص) قال عن «حلف الفضول» الذي عقد في الجاهلية للدفاع عن المظلوم انه يعد قائما وملزما عليه. وهو حضره شخصيا قبل الاسلام، اذا قال (ص): «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبدالله بن جدعان لو دعيت به في الاسلام لأجبت». وهذا التعاقد هو الاساس لرعاية مصالح الناس العامة على أساس المشاركة والتعاون.

يقول الشيخ ميثم البحراني المتوفى في العام 1299م في كتابه «شرح مئة كلمة للإمام علي» ان الحكمة العلمية ثلاثة اقسام «حكمة خلقية»، وحكمة منزلية، وحكمة سياسية. وذلك لان كل عاقل لا بد وان يكون ذا غرض في فعله. وذلك الغرض اما يكون مختصا به في نفسه وهو علم الاخلاق (الحكمة الخلقية) او يكون مختصا به مع خواصه واهل بيته وهو علم تدبير المنزل (الحكمة المنزلية) وأما أن يكون عائدا الى الانسان مع عامة الخلق، وهو (علم السياسة).

ويضيف: «وقد يزاد في الأقسام رابع، وهو غرض الانسان بالنسبة الى مدينته، وتسمى حكمة مدنية، وهو تعلم تدبير المدينة بكيفية ضبطها ورعاية مصالحها. وهذا علم لا بد منه، لأن الإنسان مدني بالطبع، فما لم يعرف كيفية بناء المدينة وترتيب أهلها على اختلاف درجاهم لم يتم مقصوده».

ويشرح الحكمة المدنية بقول هي «كيفية المشاركة فيما بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ومصالح بناء نوع الإنسان».

وعندما نتحدث عن التقارب الشديد بين مدرسة القانون الطبيعي التي أنتجت منظومة حقوق الإنسان، والمدرسة الإسلامية، أعلم بأن هناك الكثير من المفارقات المطروحة على أرض الواقع. وهذه المفارقات والتحديات، في اعتقادي، قابلة لإعادة فهمها في ضوء الظروف الزمانية والمكانية من دون الإخلال بأساسيات الدين. وهذا الأمر ليس خافيا على علماء المسلمين، بل ان أبا اسحاق الشاطبي (المتوفي في 1388) من المغرب العربي والمقارب عصره الى عصر الشيخ البحراني طرح نظرية مقاصد الشريعة، وهي من أهم النظريات التي ارتكز عليها كثير من مفكري الإسلام في عصرنا الحديث (بدأ بالامام محمد عبده لتأصيل منظومة حقوق الإنسان اسلاميا).

فالشاطبي قال: بأن احكام الشريعة تستهدف مقاصد أساسية وهي الحفاظ على «الدين والنفس والعقل والنسل والمال». وهذه الأسس الخمسة تحتوي على كثير من الحقوق الطبيعية، كحق الحياة وحق التملك، وحق التحصيل العلمي وحق حفظ النفس من الأذى. لقد اعتبر الشاطبي هذه المقاصد من الضرورات الشاملة لجميع احكام الدين. وواضح من تسلسل الضرورات أن الشاطبي «ومعه علماء آخرون قبله كالجويني والغزالي) قدموا «الدين» على «النفس والعقل والنسل والمال».

الدين هو ما يسمى أحيانا في التراث الاسلامي «بحق الله» «وحق الطاعة» «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون»، «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء».

أما الأسس الأخرى فتشمل حقوق البشر، حقوق الإنسان التي يستقيم العدل إلا بحفظها «ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»، «وما جعل عليكم في الدين من حرج».

وواضح أن الاختلاف في مفهوم مقاصد الشريعة (لدى الشاطبي) مع مفهوم حقوق الإنسان المتداول عالميا، هو تضمين وتقديم حق الله على حق الإنسان. على أن هذا التسلسل لدى الشاطبي متأثر بكونه من الأشاعرة. فالاشاعرة يختلفون مع المعتزلة والامامية بانهم لا يفصلون بين الله وصفات العدل والجمال وغيرها. اذ يعتبرون العدل هو كل ما يفعله الله ولا توجد للعد ل (مثلا) صفة مستقلة عن الذات الالهية. بينما يرى المعتزلة والامامية بأن الصفات (وأهمها صفة العدل) مستقلة عن الذات الالهية ويمكن فهمها بشريا وعقليا. ولذلك فان الاشاعرة لا يجوِّزون الحديث عن الصفات بصورة مستقلة.

المفكر الاسلامي الشيخ طاهر بن عاشور (وهو من تونس وتوفي في مطلع السبعينات) طرح فهما حديثا لمقاصد الشريعة وقال بأن الهدف (المقصد) الاساسي للشريعة هو حماية الفطرة الانسانية وضمانات حرية ارادتها. هذا الفهم المتطور لمقاصد الشريعة بدأ يتداول مؤخرا في الاوساط الاسلامية، وقد خصصت أهم مجلة فكرية تصدر باللغة العربية في قم المقدسة بايران (قضايا اسلامية معاصرة) عدة أعداد عن هذا الموضوع المهم، ودعت لاحياء علوم مقاصد الشريعة وفلسفة الفقه.

من جانب آخر فإن تقديم الدين على الحقوق الانسانية تراه موجودا في كثير من الثقافات المعاصرة دون أن يحدث نوعا من الحرج. فمثلا، في بريطانيا ترى أن القانون الذي يشرعه البرلمان لا يستطيع تجاوز النص الديني المتبقي في النظام البريطاني.

ولذلك فإن مجلس اللوردات يحتوي على عدد من رجال الدين من الكنيسة الانجيلية. وهناك قانون بريطاني لايسمح بالتجديف ضد المعتقدات المسيحية (أي القانون الإلهي) حسب ما تطرحه الكنيسة الانجيلية (أحد فروع المذهب المسيحي البروتستانتي). والبرلمان لا يحق له ايضا مخالفة أي من الحقوق الثابتة للانسان، وتعد هذه الحقوق النابعة من القانون الطبيعي فوق المشرع البرلماني ويجب عليه أن يخضع لها. وثم بعد ذلك لا يستطيع البرلماني مخالفة الاتفاقيات الدولية (مثلا مع الامم المتحدة والاتحاد الأوروبي) والقواعد الدستورية المثبتة في النظام السياسي. وتبقى المساحة الأكبر هي منطقة فراغ، التي يسمح فيها للمشرع البرلماني بالحرية التامة.

ولدينا من علماء المسلمين كالسيد محمد باقر الصدر ممن طرحو ا مفهوم «منطقة الفراغ» بقوة. إذ قال بأن الجزء الأكبر من التشريع في الاسلام هو «منطقة فراغ» يسمح للانسان بتداول الرأي فيها واتخاذ قرار بشأنها على «اسس منطقية استقرائية».

وهذا الطرح لا يختلف في جوهره عن الرأي الذي تعمل به عدد من المناهج المؤمنة بحقوق الإنسان.

على أن التحديات التي تواجه مفاهيم حقوق الإنسان ليست مختصة ببعض ما ورد في تراثنا الاسلامي، وانما ايضا هناك تهديد حقيقي لمفاهيم حقوق الإنسان من مفاهيم فكرية غربية نابعة من بعض مظاهر ما يسمى بفكر «ما بعد الحداثة» الذي لا يؤمن بمدرسة القانون الطبيعي ولا يؤمن بثبات الحقائق (كل شيء في فكر ما بعد الحداثة نسبي ومتغير). ولذا فإن حقوق الانسان الثابتة حاليا لأنها نابعة من فكر مدرسة القانون الطبيعي، ليست ثابتة بحسب فكر «ما بعد الحداثة» الذي يجتاح المدرس الفكرية الأوروبية والأميركية حاليا.

إذن، التحديات الفكرية التي تواجه منظومة حقوق الانسان لا تختص فقط بتلك الواردة في تراث أو فكر معين. وأي محاولة لغض الطرف عن تهديد معين والتركيز على آخر، انما هي انتقائية اتسمت بها بعض الحكومات الغربية (لاسيما الولايات المتحدة) وبعض الحركات المعادية لتراث الأمة الاسلامية العظيم.

ومن أجل أن ننمي أنفسنا ومجتمعنا نحن مطالبون بالالتزام بمواثيق أخلاقية ودستورية يشترك فيها الجميع. ولا يحق بعد ذلك لأي طرف استئصال أي طرف آخر من الساحة السياسية. ولذا فإنني أطرح على جميع الناشطين في العمل الأسس التالية لمناقشتها واعتبارها مساحة مشتركة للعمل الوطني:

أولا: المحافظة على الصفة الاسلامية العامة لمجتمعنا البحريني واحترام اركان الدين المتمثلة في الاذان والمسجد والصلاة والصوم والمواسم الدينية الثابتة في أعراف المجتمع، وعدم تجريح مشاعر الناس بالتهجم على المعتقدات لاسيما ما يتعلق بالقرآن الكريم وخاتم الأنبياء (ص).

ثانيا: الاعتراف بكرامة المواطن وقيمه المتساوية مع غيره من دون تفريق على أساس العرق أو اللون أو المذهب أو الأصل أو غيرها من الفروقات الأخرى.

ثالثا: ضرورة الانصياع لحكم القانون الصادر من المؤسسة التشريعية المنتخبة وتطبيق هذا القانون على جميع المواطنين من دون تمييز.

رابعا: الالتزام بحرية الرأي ونشر ثقافة التسامح واحترام الآخرين وعدم التشهير الرخيص بالأفكار أو الجماعات أو الأفراد

العدد 105 - الخميس 19 ديسمبر 2002م الموافق 14 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً