العدد 112 - الخميس 26 ديسمبر 2002م الموافق 21 شوال 1423هـ

التدهور البيئي في ساحل باربار... كارثة إنسانية محدقة

باربار- شبر إبراهيم الوداعي 

26 ديسمبر 2002

إن أهالي باربار يوجهون نداءهم إلى قائد مسيرة البناء والتغيير الديمقراطي، صاحب الجلالة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكتنا الحبيبة، الذي عودهم على مكارمه النبيلة، أن يكرمهم بالتدخل لوقف تدمير ساحلهم الذي يشكل لأبنائه تاريخا وحضارة ومصدرا للرزق والحياة.

إن مشكلة بيئية آخذة في التصاعد على ساحل باربار تهدد بخطر التدهور البيئي وبفناء بيئاته الطبيعية المختلفة ذات الأهمية الحيوية، الاقتصادية والاجتماعية والمعاشية والمكانة الحضارية. وتهدد بخطر محدق لأهالي المنطقة ذي أبعاد مختلفة، وان ذلك الخطر الذي ارتسمت مشاهده بشكل بارز على امتداد الساحل هو نتيجة مباشرة لخطط التدمير المتعاقبة خلال الـ 30 سنة الأخيرة والتي يتم تنفيذها على حساب مصالح أفراد المجتمع المحلي، أصحاب الحق الطبيعي لهذا الشريط الساحلي، هذا الحق الذي تقره حقوق الإرث التاريخي ضمن حدود قواعد القانون والنظام المعمول به في بلادنا.

إن مخطط تدمير نظام البيئة الساحلية في قرية باربار بدأت فصوله منذ أن بدأ العمل في تنفيذ خطة إبادة الحياة الفطرية والقضاء على التنوع البيولوجي للساحل وإغفال الحقوق الطبيعية للإرث التاريخي لأبناء المنطقة وذلك عبر الاستيلاء على كامل الشريط الساحلي والعمل على إزالة معالمه التي تبرز ارتباطه التاريخي والحضاري، وتحويله تدريجيا إلى مكب للانقاض والنفايات من جهة وغابة اسمنتية من جهة ثانية متجاوزين في ذلك القواعد القانونية التي تنظم قضايا التخطيط الحضري وحماية البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية وتنميتها في المملكة.

خلفية تاريخية

تنتابك حال من الحزن والكآبة وأنت تسير على ساحل باربار، ويكون ذلك الحزن أكثر أثرا وعمقا ومأساة على نفسك إذا كنت من أولئك الذين احتضنهم ذلك الساحل بجماله الطبيعي الخلاب بكل ما لتلك العبارة من معنى جمالي وبعد أخلاقي، وخصوصا إذا ما استحضرت في مخيلتك شريط الذكريات التي عانقت فيها مياه البحر ورماله الساحلية وحشائشه التي على مد البصر ونخيله الباسقة.

ساحل باربار ليس جملة عابرة أو قطعة ارض هامشية كما تعامل معه البعض ويسعى لشطبه بجرة قلم أو بمخطط عابر وإزالته من التاريخ الذي يشكل جزءا مهما من تاريخ بلادنا وحضارته الإنسانية العريقة.

إن لساحل باربار ذكرياته التاريخية التي تؤكد ارتباطه بعادات وتقاليد آبائهم وأجدادهم، فمن ذلك الساحل انطلقت قوارب الغوص التي شكلت في مرحلة مهمة من تاريخ التطور الحضاري لشعب البحرين مصدرا مهما للاقتصاد الوطني وبقيت تلك الشواهد شامخة تحاكي ذكريات ذلك الزمن حتى سبعينات القرن العشرين، فمن لا يتذكر سفن الغوص التي كانت مركونة على الساحل تصارع قساوة متغيرات الزمن من أجل البقاء والتي بقيت لفترة طويلة تذكرنا برجل الغوص وتاجر اللؤلؤ المشهور الحاج أحمد الشويخ الذي عرف بين أبناء جيله «الحاج أحمد الجوكم» وتم توثيق دوره في السجلات والوثائق التاريخية في بلادنا، ومن لا يتذكر قوارب البحارة وهى تبحر في كل صباح وعلى متنها البحارة المتجهون إلى عرض البحر لكسب الرزق، وهل نسينا البحارة أمثال السيد إبراهيم فاخر الوداعي، والسيد علي فاخر الوداعي، والحاج خليل الجمري، والحاج علي الشويخ، والحاج يوسف الشويخ، والحاج يوسف الجوهر والسيد إبراهيم صالح الوداعي والحاج محمد سبت، والحاج فردان شعيب، والحاج خليل إبراهيم وغيرهم كثير من البحارة الذين مازالوا أحياء والذين رحلوا وقد كان البحر بالنسبة لهم مصدر رزق ووسيلة عيش لهم ولأبنائهم ؟.

عندما لا يكتب التاريخ أو يدون فذلك لا يعني أن الحقائق قد قبرت، ولا يمكن قبر حقائق هي في الأصل مصدر لتاريخ حضارة شعب، وتاريخ شعبنا ارتبط بشكل فعلي بالزراعة وركوب البحر وممارسة مهنة الصيد البحري، والبحث عن اللؤلؤ، وساحل باربار هو جزء من ذلك التاريخ ونظرا لذلك الارتباط كان الأهالي عندما يحين فصل الربيع يتجهون زرافات زرافات تجمعهم الرابطة الأسرية بالقرب من الساحل ويقومون ببناء المساكن الشعبية التي تعرف «بالعرشان» المصنوعة من سعف النخيل ويقيمون في تلك المساكن حتى يحل فصل الشتاء في تلك المنطقة التي تم استملاكها وتوزيعها على هيئة قسائم سكنية وبيعها على أهالي المنطقة والمناطق الأخرى والقضاء المطلق على الغطاء الأخضر الموازي للساحل الذي نحن بصدده.

إن مميزات هذا الساحل الحضارية والاجتماعية والاقتصادية لا تتوقف عند تلك الحقائق بل أيضا عند حقيقة أنه يعتبر بالنسبة لأهالي القرية موقعا طبيعيا للراحة والاستجمام والتنزه وممارسة الهوايات البحرية، إذ يتوجه الأهالي بعد تعب النهار إلى الشاطئ وأخذ قسط من الراحة ويمثل ذلك الموقع بالنسبة لهم مكانا مهما للالتقاء وتقوية روابطهم الاجتماعية، ويشكل الساحل أيضا معلما تاريخيا وتراثيا ومكانا مهما لممارسة المناسبات الاجتماعية والعادات والتقاليد الشعبية، إذ يعتبر موقعا رئيسيا لتجمع الأهالي أثناء الاحتفالات بالأعياد وبالأخص عيد الأضحى المبارك وعيد الغدير لدى الشيعة، وعندما تزور الساحل في ذلك اليوم المبارك تشاهد الرجال والنساء والأطفال يتجهون جماعات إلى الساحل وفى أيديهم الاضحيات (المعروفة شعبيا «بالضحايا») أو الحية بيه وهم يلقونها على شاطئ البحر ويرددون الأهازيج الدينية والأناشيد الشعبية حتى يخيل لك وأنت تعيش تلك اللحظات الجميلة أنك تشاهد روائع المسرحيات وتقرأ في تلك المشاهد الدرامية البعد التاريخي والروحي لذلك المكان الذي يجسد معنى السعادة التي ترتسم علائمها على وجوه الأطفال البريئة، فهل من حق أي إنسان أن يحرم الطفولة والمواطنين من سعادتهم بساحلهم؟.

في الحقيقة إن السعادة لا تتجسد في ذلك المشهد الحضاري فحسب، بل في إدراكنا للأهمية البيئية لذلك الساحل إذ يشكل بيئة مهمة للتنوع البيولوجي، فقد كان عبارة عن لوحة رائعة الجمال مليئة بأشجار النخيل الكثيفة، بالإضافة إلى أشجار اللوز والموز والحشائش والأعشاب الطويلة التي غطت الشريط الساحلي بكامله بحيث أضحى ملجأ للطيور البحرية التي استوطنت الساحل، وعندما يزور الإنسان منطقة الساحل في سبعينات القرن الماضي يشاهد طيور النورس واللوه بكثافة كما يشاهد أنواع مختلفة من الطيور المهاجرة، هذا فضلا عن البرمائيات (الضفادع خصوصا).

وكنا نفترش الحشائش ونمرح فوق رماله الناصعة البياض ونحن نشاهد تلك المناظر الطبيعية الرائعة الجمال، ونستمتع بممارسة السباحة في المياه المشاطئة للساحل ونصطاد السمك ونأكل مما تجود به علينا نعمة النخيل ونشرب من مياه «الفوارات» المتواجدة في عمق الساحل وإذا تعذر علينا ذلك نتيجة المد كنا نقوم بعمل حفرة بالقرب من الساحل ونشرب منها ماء عذبا، وتكثر في عمق الساحل الأعشاب البحرية التي شكلت بيئة مناسبة لتكاثر الأسماك المختلفة الأنواع والتي أهمها سمكة الميد والسبيطي التي أصبحت من الأسماك النادرة بالإضافة إلى أنواع الأسماك الصغيرة والمختلفة والجميلة وأنواع أخرى من القشريات مثل السرطان المعروف محليا «بالقباقب» التى كانت تعيش بالقرب من الشاطئ ويسعد الإنسان بمشاهدتها لما تمثله من جمال وروعة تضفيها على ذلك المحيط البيئي، فأين اختفت تلك الثروة وذلك الجمال الطبيعي؟ ومن المسئول عن ذلك، ويحق لنا أن نسأل من له الحق إذا كان هناك حق أصلا، أن يعبث بمقدرات نظام البيئة الساحلية ويحرم أصحاب المنطقة من حقهم الطبيعي والمؤكد تاريخيا في التنعم

العدد 112 - الخميس 26 ديسمبر 2002م الموافق 21 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً