العدد 113 - الجمعة 27 ديسمبر 2002م الموافق 22 شوال 1423هـ

انتهاك الأعراض وقلع الأظافر وحرق بالمكواة وضرب وشتم وأشياء آخرى

حتى لا تتكرر المأساة في البحرين... ندوة «الوسط» عن ضحايا التعذيب:

الوسط - وحدة الاستطلاعات والندوات 

27 ديسمبر 2002

أخرجوها ليلا من بين أهلها وسط بكائهم من دون أن يستطيعوا تحريك ساكن وأخذوها إلى جانب من القرية في البستان بعيدا عن الأنظار. وهناك وفي غفلة عن الضمير هددوها بالاعتداء مناوبة بينهم (عشرة رجال) إنْ لم تعترف بما يريدون!

كانت تحكي مأساتها برباطة جأش، على رغم بشاعة الحادث لأنها مع زميلاتها وزملائها قرروا أن يبدأوا مع لجنة وطنية منتخبة العمل على مقاضاة من تسببوا في انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين بزعم حماية الأمن. هذه هي إحدى القضايا التي تناولها منتدى «الوسط» النشاط الذي بدأته اللجنة الوطنية للدفاع عن الشهداء وضحايا التعذيب من مجمل قضايا أخرى كثيرة تناولت عدة ممارسات غير إنسانية وغير أخلاقية من تقليع الأظافر والتهديد بالاعتداء على الزوجة أو الأخت وحرق بالمكواة والسجائر وتعلقة «الفلقة» والضرب والشتم وغير ذلك.

ورغبة منهم في الا تتكرر مثل هذه المأساة في البحرين مرة أخرى تحت أية ذريعة أو قانون جديد قرروا تكريس جل جهدهم للعمل على مقاضاة المتسببين في الانتهاكات وهم بذلك يردون على من يدعي أن المرسوم بقانون رقم 56 يخول العفو عن الجلادين لأن العفو لا يصدر إلا عن المتضرر فقط.


ضحايا التعذيب في ندوة «الوسط»:

انتهكوا حقوقنا ... ويطالبوننا بالتنازل دون قول الحقيقة!

الوسط - هاني أوال

ليس سهلا أبدا أن تستمع إلى روايات وقصص ضحايا انتهاكات حقوق الانسان، وكم كان صعبا جدا الاستماع إلى أصواتهم المتقطعة بحشرجات الألم والأسى، هم يروون ما أصابهم ويطلبون ما يأملون أن يتحقق لهم كيما يرد اعتبارهم ويتحقق العدل ويكون ذلك عبرة لمن لا يعتبر (على حد قولهم) ويكون الوطن حاضنا للجميع، يروون حكايات وقصصا هي قريبة من الخيال في بعضها من شدة هولها، كان هذا هو الجو الذي ساد منتدى «الوسط» لهذا الأسبوع حين التقينا باللجنة الوطنية للدفاع عن الشهداء وضحايا التعذيب التي صعّدت فعالياتها أخيرا الأمر الذي خلف لغطا وحديثا هنا وحديثا هناك، وللوقوف على الظروف التي أفضت إلى بروز هذه اللجنة وما تحمل في طياتها التقينا نائب رئيس اللجنة عبدالرؤوف الشايب وثلاثة من الأعضاء وهم علي سليم وصديقة الموسوي وعلي الجلاوي وعددا من ضحايا التعذيب ودار هذا الحوار بيننا وبينهم:

* لقد رأينا فجأة بروز لجنة تطلق على نفسها اللجنة الوطنية للدفاع عن ضحايا التعذيب والشهداء، فما هي الظروف التي أفضت إلى ظهور هذه اللجنة وما هي خلفيتها؟

الشايب: بعد أن أصدر جلالة الملك عفوا عاما بحق المعتقلين والمحكومين (المرسوم بقانون الرقم 10/2001) فيما يتعلق بقضايا قانون أمن الدولة، تشكلت هيئات أهلية للمطالبة بحقوق هؤلاء الضحايا، بعضها كانت تتابع أمور الموظفين منهم في القطاع العام مثلا، فضلا عن أن هناك تحركا قامت به جمعية الوفاق الوطني الإسلامية بجمع معلومات وملفات لعدد من الضحايا.. إذن ما حدث من تحرك في هذا الاتجاه أساسه القاعدة الشعبية.

قضايا ضحايا التعذيب يجب أن تترك لاصحاب الجرح أنفسهم وليس لهذا أو ذاك سواء من كتاب أو غيرهم الذين يصفون تحركاتنا بالغوغائية على رغم أن منطلقات كتابات بعضهم تأتي من مرحلة قانون أمن الدولة نفسه.. وعليه فان وجود هذه اللجنة قد فرض نفسه على الساحة نظرا للحاجة لتنظيم هذه المطالبات المتعددة والمتفرقة من هؤلاء الضحايا المتألمين والمجروحين إذ قام عدد منهم في اجتماع عام بانتخاب ممثليهم للمطالبة بحقوقهم.

* ولماذا الآن؟!

الشايب: بعد صدور «المرسوم بقانون الرقم 56/2002» تأججت المشاعر وشعرنا بان حقوقنا ستضيع دون مساءلة ما دعا إلى تجمع هؤلاء الضحايا وتنظيم عملهم للمطالبة بحقوقهم إذ ان ابرز دلالة على الضياع المتوقع هو المرسوم بقانون الرقم 56 الذي ساوى بين الضحية والجلاد وقارن بين قضية سياسية وقضية إنسانية.

* وما هي أبرز مطالبكم؟

محاكمة وتعويض

عبدالرؤوف الشايب: مطالبنا ذات شقين، الأول محاكمة جميع من مارس التعذيب والتنكيل بالمواطنين، وأما الشق الآخر فيتمثل في تعويض الضحايا وأهالي الشهداء بشكل عادل، وأما لو تمت التعويضات بشكل غير عادل فإن هناك ملاحقات دولية سوف تتم لهؤلاء وسيتم محاكمتهم وتعويض المستحقين تعويضا عادلا.

* ألم يشمل العفو الشامل قبيل التصويت على الميثاق الجميع؟

الشايب: إن إلغاء جلالة الملك قانون أمن الدولة هو الغاء ضمني للمحاكمات كلها التي تمت وفق هذا القانون، فهي محاكمات باطلة، وعليه فإن الإدانات بحق المحكومين باطلة أيضا، فهم لا يحتاجون إلى عفو طالما انهم غير مدانين.. ولو افترضنا أن هناك عفوا بحق مدانين فان هذا العفو شمل شريحة معينة وهم الذين كانوا في السجون وفي المنافي في العام 2001 م فقط، فأين حق من قضوا أحكامهم سابقا وأين حقوق الشهداء الذين سقطوا في تلك المرحلة وسابقاتها؟

كما أن من تم العفو عنهم تمت محاكمتهم قبل اصدار العفو عنهم، وأما هؤلاء كعادل فليفل مثلا فلم تتم محاكمتهم حتى يعفى عنهم فيجب أن يحاكموا أولا ثم يدانوا، وبعد ذلك إذا أراد الملك والشعب أن يعفو عنهم فذلك أمر آخر.. وهذا لا يعني بأية حال نجاتهم من الملاحقات الدولية!!

* هل هناك نية لديكم لمقاضاتهم في محاكم دولية؟

الشايب: نحن نسعى أساسا إلى محاكمتهم في الداخل، ونحن على ثقة بان هذه المحاكمات ستكون عادلة لو تمت، ولكن إذا لم نرَ استجابة في الداخل سنتوجه إلى الخارج لاثبات حقوقنا.

علي الجلاوي: تعليقا على مسألة شمول العفو للمعذبين فاني أقول إن عفو جلالة الملك صالح في المجال القانوني والتشريعي، أما قضايا حقوق الإنسان فإنها لا تسقط بالتقادم ولا يمكن أن يشملها عفو من أية جهة من دون تنازل صاحب الحق نفسه، ولو افترضنا جدلا أن أحدا ارتكب عملا معينا فلا يجوز لاحد أن يعذبه على ما اقترف خصوصا ان هناك إقرارا على مواثيق دولية لمناهضة التعذيب قد وقعت عليها البحرين، وما حدث لدينا هو التعذيب بل انه أفضى إلى القتل في عدد من الحالات، والعفو عنهم هنا يقع خلافا لكل المواثيق السماوية والأرضية.

علي سليم (عالم دين): لم يوكل ضحايا التعذيب أحدا للعفو عمّن قام بتعذيبنا.

الشايب: ان الذين شملهم العفو وحوكموا وفقا لمحاكمات أمن الدولة فيما أدعي انها قضايا الشأن العام فان من حق الملك بالدرجة الأولى أن يعفو عنهم، ولكن فيما يتعلق بحقوق الناس الذين عُذبوا فان ذلك من حقهم بالدرجة الأولى وهذا ما يقوله الإسلام أيضا فالله عز وجل يترك حق العفو لمن أجرم في حقه من الناس... ونحن لا نخول أحدا بالعفو نيابة عنا عمّن عذبنا حتى نعفو بأنفسنا.

كما أنني استغرب من بعض الأقلام في بعض الصحف الذين يتباكون على الأمن والاستقرار ويظهروننا أننا دعاة عنف وشغب، في الوقت الذي لاحظ الجميع فيه أننا تعمدنا توجيه المسيرة إلى سوق المنامة لنثبت للجميع باننا نمارس أقصى درجات التحضر والسلمية في المطالبة، خلافا للذين يريدون أن يرجعوا عقارب الساعة للخلف ويردونا إلى حقبة قانون أمن الدولة.

نحن الأكثر ولاء للوطن وقيادته

واختتم الشايب بقوله: نحن الأكثر ولاء للوطن وقيادته وليراهن علينا جلالة الملك في الشدائد، وإذا طالبنا بمحاكمة جلاد أو تعويض فنحن أبناء هذا الوطن وطلبنا من الأب والمظلة لهذا البلد وقد وعد بإدخال الفرحة في البيوت جميعها... وأنا وبالنيابة عن جميع الضحايا أقول انه لن تدخل الفرحة مادام فليفل وأمثاله يرتعون بيننا، وحرصا منا على الأمن والاستقرار أقول إن وجود هؤلاء في اعمالهم وعدم محاسبتهم يعني وجود دواعي الاضطراب وعدم الاستقرار.

وأما هؤلاء المتنفذون والمتباكون على الأمن والذين يريدون أن يظهروا أنفسهم أكثر «حكومية» من الحكومة نفسها فانهم لا يريدون للبلد وقيادته الخير وانما يسعون إلى تحقيق أهدافهم والتسلق على أكتاف وجماجم الآخرين ويريدون للبلد العودة إلى الوراء خلافا للمشروع الإصلاحي.. ونحن بدورنا نؤكد سلمية حركتنا وحضاريتها وان مطالبنا مطالب دولية ضمن الأطر المتاحة لحقوق الإنسان.

لا أريد مالا وإنما رد اعتبار

علي الصددي(عالم دين): لقد تم اعتقالي ثلاث مرات في فترة أحداث التسعينات، الأولى في العام 1996م مع مجموعة فيما عرفت بخطة (القمعة الأمنية) وكانت مدتها 9 شهور، وأما اعتقالي الثاني فقد امتد لسبعة أشهر والاعتقال الثالث كان لمدة خمسة أشهر، ولم تلحقني أية إدانة في أي من تلك الاعتقالات فقد تم تقديمي للمحاكمة بعد ذلك إلا ان المحكمة قد برأتني. وقد لقيت تعذيبا شديدا في فترات الاعتقال لا سيما في المرة الأولى ولا زلت أعاني من أثر ركلة قوية على عمودي الفقري ولا زلت أتعالج عنها إلى هذا اليوم.

وهنا أطالب بمحاكمة من عذبوني وأرغب وأطلب من زملائي في لجنة الدفاع عن ضحايا التعذيب أن يقدموا طلبات المحاكمات أمام المحاكم الدولية فأنا لا أريد تعويضا أو أموالا وانما نريد رد اعتبار.

قضيت ثماني سنوات وحكمي البراءة

أحمد مكي: لقد تمت محاكمتي في قضية اغتيال الشيخ عبدالله المدني وكان معي ثلاثة أشخاص تم إعدامهم بعد إدانتهم، وقد سجنت ظلما ولم أقترف شيئا وحكمت علي المحكمة حينها بالبراءة وبقيت في السجن لمدة ثماني سنوات في الفترة بين العام 1976م إلى العام 1984م، وقد لاقيت خلالها أنواعا مختلفة من أصناف التعذيب كالتوقيف على الأرجل لمدة طويلة أو «الفلقة» وغيرها وأتذكر حينها أنه قد سقط محمد غلوم شهيدا! فأين حقي؟... وهنا أطالب بمحاكمة من قام بتعذيبي بل المعذبين كلهم ومن يحميهم.

هدّدوني بسلخ جلدي وتمليحه

غازي العابد (رادود حسيني): اعتقلت في دولة الإمارات في العام 1996م ـ بطلب من المخابرات البحرينية ـ على رغم ان سفري كان قبل الحوادث الأخيرة التي عصفت بالبحرين، وتمت ممارسة التعذيب معي أياما عديدة بشتى أنواعها كالتعليق بالفلقة والضرب المبرح ونزع ملابسي إذ بقيت اكثر من شهر في زنزانة انفرادية ووصل بهم الامر أن هددوني بالاعتداء على زوجتي!

وقد استقبلونا من المطار وأخذوني إلى مبنى المخابرات (المنامة) وقاموا بتعذيبي ابتداء من تعليقي «فلقة» لمدة ساعات طويلة، وتوقيفي لأيام حتى منعهم الطبيب عن ممارسة هذا النوع من التعذيب لأن رجلي تأثرت كثيرا من «الفلقة» ما دعاهم لتهديدي بسلخ جلدي وتمليحه إذا لم أعترف!!

وما أطالب به الآن هو تقديم هؤلاء الجلادين للمحاكمة كي يأخذ العدل مجراه كما أطالب بالتعويض فقد كنت أعمل في الإمارات وفقدت عملي وأصبحت في مأزق، وبعد الإفراجات وجدت حماسة لموضوع التعويضات من قبل المسئولين ما خفف علي مصابي، إلا إنها بدأت تتلاشى.

وبعد ذلك تقدمت بطلب في وزارة التربية لوظيفة حارس أمن وقد قيل لي إنك وأمثالك مرفوضون للعمل في هذه المواقع، وأنا هنا متحير ولا أدري متى سأحصل على وظيفة أعيش منها!؟

حميد الحمران: اعتقلت في المملكة العربية السعودية في العام 1996 وتم التحقيق معي لمدة وجيزة وبعدها تم تسليمي إلى البحرين، وهنا مورس معي الكثير من أصناف التعذيب كالتعليق والتوقيف لمدة طويلة وكانوا يهددوني على الدوام بجلب أمي وأختي لمبنى المخابرات، وقد شكل لي ذلك الكثير من الآلام والضغط النفسي، وبعد ذلك أجبرنا على التوقيع على إفادات هم كتبوها ولا زلت أعاني إلى الآن من الآم في الظهر وأطالب بمحاكمة الجلادين والمعذبين كلهم .

تهديد بالاعتداء الجنسي

سلوى حيدر: اعتقلني عدد من رجال الأمن بمعية شرطية في الفترة نفسها التي اعتقلت فيها حنان، إذ أخذت إلى ناحية في القرية بجانب، وقالوا لي إن وجود هذه الشرطية ليست إلا «ديكورا» حتى لا يقول الناس إن «رجال» الأمن اعتقلوا «امرأة».

وأخذوا يضربوني ثم قالوا لي إما أن تعترفي وإما أن نقوم بالاعتداء عليك جنسيا واحدا بعد الآخر!! وبعد ذلك أخذوني مع اثنتين من المعتقلات إلى مبنى مخابرات أمن الدولة وتم تعذيبنا هنالك بشتى أنواع التعذيب حتى اضطررنا إلى الإقرار بما ارادوا أن نقر به للخلاص من التعذيب البشع.

وعندما أخذونا إلى قاضي الاعتراف قلت له إنني لم أفعل شيئا وقد اعترفت تحت وطأة التعذيب فما كان منهم إلا أن اعادونا للتعذيب من جديد!! وبعد ذلك أخذوني مرة ثانية إلى قاضي الاعتراف وهم يهددونني باني إذا أنكرت مرة أخرى فانهم سيقومون بتعذيبي عذابا لم أره من قبل ولن أستطيع بعده رؤية أهلي أبدا، بل بلغ بهم الحد إلى أن خلع أحدهم نعله وأخذ يضربني به على وجهي وهو يصرخ ويتهدد، وأنا هنا ومن خلال سردي لقليل مما واجهته لا أقبل بأقل من أن تأخذ العدالة مجراها، فهل يعقل أن يحدث هذا لفتيات ويتم العفو عن المعتدين؟!

أين عنوان الحمران؟

عمار الحمران: تم اعتقالي لا لجرم قط إلا أنهم كانوا يريدون مني معرفة أين يسكن حميد الحمران وهو كان في السعودية، ثم أخذوني إلى بوابة جسر البحرين والسعودية وهناك قاموا بضربي لمدة ثلاث ساعات متواصلة وهم عشرة أشخاص علما باني لا أعرف عنوانه، فأخذوني لمبنى المخابرات وهناك حقق معي العقيد عادل فليفل الذي مارس معي عملية التعذيب بل اشد أنواع التعذيب كالفلقة وان يدور حولك ثلاثون شخصا بحيث يضربني كل منهم من جهة، وما مطلبي سوى محاكمة الجلادين وتعويض الضحايا.

مدرّسة مستجدة بسن التقاعد

صديّقة الموسوي: اعتقلت في فترة الثمانينات ولا ادري ما تهمتي وكنت يومها أعمل مدرسة، وقد تم التحقيق معي يوميا على مدى سبعة أيام، إذ يستمر التحقيق معي في اليوم الواحد من الظهر حتى الساعة التاسعة مساء، وبعد ذلك اعتقلت لمدة شهر كامل وكنت خلالها في زنزانة انفرادية وقد منعت من رؤية طفلتي الرضيعة، والكل يعلم ما حال الطفلة الرضيعة عندما لا تجد رضاعة بل لا تكون أمها بجنبها، وبعد الإفراج تم فصلي من قبل وزارة التربية على رغم أن من حقق معي يقول إنه لا توجد تهمة معينة.

وكانوا يضايقوننا بطرق عدة، فكانوا يتصلون بنا عبر الهاتف ويسمعونا كلاما نابيا حتى اضطررنا للهجرة والبعد عن البلد لمدة 22 عاما، وعندما عدنا طلبت من وزارة التربية إرجاعي إلى مهنتي مدرّسة وتم إرجاعي مدرسة مستجدة رغم أنني قريبة من سن التقاعد!! وعلى رغم ما أصابنا كله من ضيم فإنهم يتذرعون بأن العفو يشمل الجميع. وربما قبلنا بذلك إذا استطاعوا تعويضنا عن السنوات التي خسرناها نحن وأولادنا.

سنعلّق الشيخ الجمري أمامك؟!!

عبد الهادي المخوضر(عالم دين): بداية أعلق على موضوع العفو عن «الجلادين» فأقول إنه لطالما تحدث المسئولون عن الإصلاح، وهذا يعني أن الوضع السابق كان خاطئا وهم الآن يريدون إصلاح الوضع، ولا يمكن أن يحصل إصلاح من دون دراسة الماضي وتصحيح أخطائه ولا يمكن أن نطوي الزمان من دون فتح الملفات ووضع النقاط على الحروف، ففي كل البلدان التي أحدثت إصلاحا لم يكن ذلك عبر نسيان الماضي.

كما أن ما حدث من قساوة في ممارسة التعذيب تجعل الناس لا تستطيع أن تغض الطرف عنها فقد فقدت ما لا يمكن تعويضه، كأن يفقد أحدهم عقله أو يفقد حياة عزيز عليه، والتركيز على التعذيب النفسي وهذا ما حصل معي إذ كان الضابط المحقق يدخل الحمام أمامي وبعد خروجه كان يضع نعله في فمي لمدة طويلة وأنا معلق في وضعية «الفلقة» ويقول لي: «لن أخرج النعل ولو أصابك القيء حتى تعترف بما نريد لا بما فعلت»!!

إضافة إلى غير ذلك من ممارسات اخرى فقد حصل معي موقف من هذا القبيل فعندما أنهكت من التعذيب على مدى سبعة عشر يوما قلت لهم إني سأعترف وجاءوا بإفادة جاهزة وقالوا وقّع عليها وأخذوني إلى قاضي الاعتراف وعندما أنكرت عنده قيل لي: «سنتركك واقفا حتى توقع»! وقد تركوني مدة طويلة من دون تغيير الملابس حتى اضطررت إلى الإضراب عن الطعام للسماح لي بتغيير ملابسي، كما أنهم وضعوني في الانفرادي لمدة ستة اشهر. وقد قال لي العقيد عادل فليفل ذات مرة إن هذا الحبس الانفرادي لا يعتبر حبسا انفراديا حقيقيا، فما نعنيه هو أن نضعك في زنزانة لا تستطيع حتى الصلاة فيها من ضيقها وان نعلّق أعز الناس إليك (الشيخ عبدالامير الجمري) أمامك، وفي الحقيقة إن بقاء مثل هؤلاء الجلادين دون محاسبة يعتبر وصمة عار... فالمصلحة الوطنية تتطلب محاكمتهم، كما انني مازلت أتعرض لمضايقات أمنية حتى هذا اليوم، فعند عودتي من السفر أتعرض للتأخير الطويل في الجمارك حتى إن أصحاب الحملات يرفضونني عندما أريد السفر معهم!!

وعندما تحدثت مع المسئولين في المطار قالوا لي: «افعل ما تستطيع فعله... وحتى لو رفعت الموضوع إلى جلالة الملك فلن تستفيد شيئا والوضع سيبقى على ما هو عليه» (كان ذلك بتاريخ 4/12/2002م)!!

مات والدي بعد ثلاث ساعات

عيسى أسيري: اعتقلت في العام 1983م وكنت ذاهبا إلى المسجد لأداء صلاة الصبح، فمذ رأوني اعتقلوني وأخذوني معهم إلى المركز وهناك دار حولي ما يقارب الـ 15 شخصا كلٌّ يضربني من ناحية ضربا مبرحا وبعد ذلك تم تعليقي وضربي، ومن ثم جاءوا إلى المنزل وأخذوا يفتشون المنزل ويهينون أبي وأمي ما ادى إلى تأثر والدي بهذا الحادث وتعرضه لسكتة قلبية إذ توفي بعد ثلاث ساعات فقط من ذلك الحادث! وبعد أن قضيت في المعتقل سنة وثلاث اشهر تم تسفيري إلى إيران حيث قضينا هناك 20 عاما ثم سحبوا منا الجنسية، وبالتالي فإنني أطالب بالقصاص ممن ظلمني وظلم أبي.

علي سليم (عالم دين): اعتقلت في العام 1995م لمدة خمسة أيام إذ لقيت خلالها مختلف أنواع التعذيب فقد حاول أحدهم أن يجبرني على شرب مادة تشبه الزيت ورفضت ذلك رفضا باتا، ثم افرج عني بعد منتصف الليل وقد هددوني بالتهجير ولست ادري ما سر تراجعهم عن ذلك، ثم اعتقلت مرة أخرى في العام 1996 حتى العام 1997 مع والدي (كبير السن) المصاب بمرض السكري. وقد اعتقل ثلاثة من إخواني أيضا لممارسة عملية الضغط النفسي، وقد حكم على أخي خمس سنوات بالسجن من غير ذنب سوى أنه أخي، وقد أصيب بالدسك وأجريت له عمليتان وأصيب والدي بنزيف في الدماغ لانهم كانوا يرفضون معالجته إبان الاعتقال. وبعد أن خرج أخي من السجن تقدم بطلب توظيف إلى شركة بابكو وتم رفضه بسبب ما قيل لهم عن تورطه بمخالفة أمن الدولة، ثم استدعي مرة أخرى للعمل حارسا في وزارة التربية والتعليم ثم تم رفضه أيضا وأنا الآن أتحمل مسئولية كفالة العائلة بأكملها.

وأتذكر ان الشرطة الذين قاموا باعتقالي أخذوا مني مبلغا من المال قدره سبعة عشر ألف دينار وهو عبارة عن حقوق مالية (خُمس/زكاة/وصدقات)، وقد تسألني عن انضمامي للجنة الدفاع عن ضحايا التعذيب فأقول لك لقد هزني أكثر ما هزني قضايا الشرف حتى إنني كنت أحاول مع أحد علماء الدين الذين تم تعذيبهم بأساليب كانت غير أخلاقية أن يأتي معي إلى هذا اللقاء وقد رفض ذلك خجلا، وهنا أسأل الذين يريدون منا العفو عن هؤلاء أو السكوت كيف تريدوننا أن نسكت عمن هتك عرضا وأخل بشرف هل يرضى هؤلاء أن يسكتوا لو أصابهم هذا؟؟!!

عبدالجبار العويناتي (أخو سعيد العويناتي): اعتقل أخي في العام 1976م، وفي اليوم التالي سمعنا أقوالا تقول بان أخي قد استشهد وهنا صدمنا، لانه كان طيبا وشاعرا وكان يعمل صحافيا في مجلة «المواقف» ولم نرَ منه أي شيء يدل على انه من الممكن أن يقترف شيئا الأمر الذي إلى وفاة أختي الشابة متأثرة بصدمة الخبر، وحتى إن آثار التعذيب على جسده كانت تدل على نية التصفية الجسدية لا التحقيق.

وأما مطلبنا الذي يجب أن يكون مطلب الشعب كله فهو تحقيق العدالة، وأنا هنا أخاطب أعضاء المجلس الوطني بأن يعملوا على تحقيق ذلك .. لا أن ينسونا في حال وصولهم لتلك المواقع، وأطالب أيضا بمواساة اسر الشهداء وان يجعل لهم يوم للاحتفال بهم وأن يقام لهم نصب تذكاري حتى تتساءل الأجيال القادمة عن ماذا فعل هؤلاء ويعرفوا جهادهم وتضحياتهم في سبيل المطالب التي ينعمون ببعض ما تحقق منها.

كما أطالب بتعويض أبناء الشهداء بتوفير التعليم المجاني لهم حتى الدراسات العليا وان يعطوا الأولوية في كل شيء وأن توفر لهم الخدمات كافة كالإسكان مثلا إذ إن بعض أهالي الشهداء ليس لهم سكن مناسب.

لا أستطيع الإنجاب

رضا منصور الخواجة: إن مجمل الاعتقالات التي تعرضت لها أكثر من 15 مرة قضيت خلالها في السجن أكثر من عشر سنوات متفرقة، وقد لقيت أثناءها اشد أنواع التعذيب وآثارها موجودة إلى الآن فالتقارير الطبية تثبت ذلك، فأنا مصاب بالدسك وتكسر في أصابع اليدين والرجلين وأكبر مصابي وهو ما يؤثر علي نفسيا باستمرار هو عدم قدرتي على الإنجاب وذلك بسبب ما تعرضت له من ضرب على «الخصيتين»، وقد أمضيت في السجن الانفرادي مدة ثمانية أشهر في مكان لا يراني فيه أحد.

ومن اجل حل المشكلة فقد أجريت عملية جراحية في الأردن وقيل لي إن نسبة الإنجاب ستكون 1 فقط وأنا لم أتزوج إلى الآن بسبب هذا الموضوع، وقد أرسلت عدة مرات إلى الديوان الملكي طلبا للمساعدة لاني أذهب إلى الأردن كل ثلاثة شهور لأخذ إبر عن مرض الدسك، أما عن مطالبي فأنا أطالب بمحاكمة من تسببوا لي ولإخواني بهذه المصائب والعاهات وأن يتم تعويضي ولو بالعلاج الذي يكلفني الكثير وأنا لا أملك شيئا بل حتى ذهابي إلى الأردن بالاقتراض من هذا وذاك.


«جميل العلي» عُذّب حتى الوفاة بالمكواة وثقوب «الدريل» وأعقاب السجائر

عبدالكريم العلي (أخو جميل العلي): إن افضل وصف لما حصل لأخي هو أن أقول إنها «مأساة» فقد تم اعتقاله في العام 1980م، وخلال 24 ساعة تم خلالها تعذيب أخي تعذيبا شديدا لاقى فيه مجمل أصناف التعذيب ثم أخذوه إلى المستشفى حيث قضى أسبوعين ولم يسمح لنا بزيارته بل لم نعلم بوجوده في المستشفى إلا من الناس، ثم استشهد هناك ولم يخبرونا بذلك وحينما شاع الخبر بين الناس ذهبوا إلى المستشفى في مظاهرة حاشدة وأخذوا الجثة عنوة من هناك. وماذا أقول عن منظر الجثة عندما وضعوها فوق المغتسل! انه لمنظر يهز المشاعر ويفطّر القلوب.. ودوّن والدي بعض آثار التعذيب على جثة الشهيد وهي: كسور في عظام الساعد الأيمن حتى إنك تستطيع أن تلف وتحرك الساعد إلى أية جهة وبأي شكل!! اليدان منزوعتا الأظافر!! آثار حروق في الظهر بمكوى الثياب!! وآثار ركل بالأحذية تحت البطن!! و«ثقب» في الجهة اليسرى أسفل البطن!! وجرح غزير في الرجل اليسرى طوله أربع بوصات. وكذلك دوّن والدي وجود ثلاثة «ثقوب» في الرجل اليسرى ثقبت بـ (الدريل)!! وآثار ضرب مبرح على اليدين!! كما أن عليه آثار إطفاء سجائر على صدره!! وهذا كله وآثار أخرى بأي ذنب؟! وفي أية ملة يصح أن يحدث هذا؟! ومع كل ذلك أعطونا شهادة وفاة تفيد بأن سبب الوفاة المباشر هو «هبوط حاد في الكلى»!! وهنا أتساءل: كيف يكون أخي مصابا بمرض في الكلى ونحن لدينا بطاقة له تثبت انه منتمٍ إلى نادي الوحدة لرفع الأثقال؟!


رجال اعتقلوا النساء وعذبونهن!

حنان سلمان: إن الظلامات التي تعرضت لها كثيرة ولكن أكبرها هي فصلي من الجامعة التى كانت أمنيتي إلا أنهم لم يمهلوني في ذلك كثيرا، وقد اعتقلت في العام 1998 ولقيت فيها الكثير من أصناف التعذيب وكنت حينها أبلغ من العمر 21 عاما، ومن صنوف التعذيب التي لقيتها أن تم تعليقي بالفلقة على رغم كوني فتاة ثم تم إلقائي على الأرض وضربي وركلي بالأرجل وذلك التعذيب كله يقوم به رجال وليس نساء، وكانوا يُسمعونني كلاما نابيا بين الفينة والأخرى.

وقد تم وضعي في زنزانة السجن الانفرادي لمدة شهر كامل، وبعد ذلك تم تقديمي للمحاكمة وتم فصلي من الجامعة، وعليه فأنا أطالب بمحاكمة كل من أساء لي بالتعذيب النفسي والجسدي

العدد 113 - الجمعة 27 ديسمبر 2002م الموافق 22 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً