يجرى سباق متقارب في حزب كديما الحاكم في «إسرائيل» لاختيار من سيخلف رئيس الوزراء ايهود أولمرت وهو سباق قد يعطل دبلوماسية الشرق الأوسط ويؤثر على المواجهة النووية مع إيران.
يتصدر السباق الذي يجرى يوم 17 سبتمبر/ أيلول المقبل طبقا لاستطلاعات رأي أعضاء حزب كديما الوسطي وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني التي ترأس فريق التفاوض مع الفلسطينيين ونائب رئيس الوزراء شاؤول موفاز المولود في إيران وهو قائد سابق للجيش الإسرائيلي.
وأظهرت استطلاعات الرأي تقدم ليفني (50 عاما) وهي جاسوسة سابقة في «الموساد» والتي ستصبح في حالة الفوز أول امرأة تشغل منصب رئيس الوزراء منذ جولدا مئير في السبعينيات وتقدمت في استطلاع جرى أمس الاول (الخميس) بفارق 21 نقطة على موفاز.
لكن استطلاعات الرأي هذه أخطأت من قبل وخاصة في الانتخابات الحزبية. ويرى المحللون أن السباق سيكون مفتوحا مع تنامي التأييد بين أعضاء حزب كديما لموفاز الذي يسعى لأن يصبح أول رئيس وزراء إسرائيلي ليست له أصول أوروبية.
وقد يستغرق من يفوز في هذه الانتخابات أسابيع عدة لتشكيل حكومة جديدة تظل طوالها «إسرائيل» ومحادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة مع الفلسطينيين معطلة تحت قيادة أولمرت الذي سيظل يسير أمور البلاد كقائم بأعمال رئيس الوزراء.
وهناك أيضا احتمال ألا يصبح أي من المرشحين رئيسا للوزراء في نهاية المطاف.
ويقول محللون إن ليفني وموفاز اللذين لا يتمتعان بقدرة على إلقاء الخطب وتعوزهما الحنكة السياسية قد يفشلان في تشكيل تحالف جديد يضم أحزابا دينية ويسارية متناحرة.
وإذا حدث هذا قد يتدخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) ويدعو لإجراء انتخابات مبكرة يمكن أن تجرى مطلع العام المقبل.
وسيظل أولمرت الذي وعد بالتنحي فور انتخاب خليفة له لزعامة حزب كديما بعد أشهر من تحقيقات الشرطة معه في مزاعم فساد قائما بأعمال رئيس الوزراء طوال كل هذه الفترة.
لكن أولمرت مثله مثل الرئيس الأميركي جورج بوش الذي رعى الجولة الأخيرة من محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية ويستعد لمغادرة البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني المقبل سيكون بمثابة بطة عرجاء بلا نفوذ سياسي دائم.
وقالت استاذة العلوم السياسية في جامعة بار ايلان قرب تل أبيب أوريت جاليلي تسوكر عن الأزمة السياسية التي تسبب فيها رحيل أولمرت البطيء «انه مثل مسلسل تلفزيوني طويل هيمن على السياسة الإسرائيلية».
لم يحصل حتى الآن السباق على زعامة كديما سوى على اهتمام محدود من الرأي العام الإسرائيلي ولم يستطع أي من المشرحين أن يأسر مستمعيه كما لا يشارك في هذه الانتخابات سوى 70 ألف عضو في الحزب وهو ما يمثل واحدا في المئة من تعداد الإسرائيليين.
وتغيب عن «إسرائيل» أجواء الحملة الانتخابية الساخنة فلا تنتشر في الشوارع اللافتات والملصقات كما لا تحدث مناظرات ساخنة على شاشات التلفزيون أو الموجات الإذاعية ولا يصاحب هذا السباق الكثير من الإعلانات ولم يظهر المرشحان في تجمعات سياسية حاشدة سوى مرات قليلة للغاية.
حين تتحدث ليفني أو موفاز يحرص كل منهما على التحدث بلهجة متشددة يغلفان بها تأييدهما لعملية السلام مع الفلسطينيين واضعين نصب أعينهما ألا يتأثر مستقبلهما السياسي بالشعبية المتصاعدة للزعيم اليميني المتشدد بنيامين نتنياهو زعيم حزب ليكود المحافظ.
وتكشف استطلاعات الرأي أن بوسع نتنياهو وهو رئيس وزراء سابق أن يهزم ليفني أو موفاز في حالة إجراء انتخابات في وقت قريب.
ويفتخر موفاز بسجله العسكري في دولة خاضت ست حروب خلال 60 عاما. وحين كان يشغل منصب وزير الدفاع منذ بضع سنوات مضت تبنى سياسات متشددة للغاية لقمع الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة.
كما يتخذ موفاز موقفا متشددا من إيران موطنه الأصلي ومن برنامجها النووي الذي يقول الغرب انه يهدف لإنتاج أسلحة نووية وهو ما تنفيه طهران التي تقول إن الغرض منه هو توليد الطاقة.
ويعتقد على نطاق واسع أن «إسرائيل» هي الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تملك ترسانة نووية حتى الآن.
وإذا تولى موفاز رئاسة الحكومة الإسرائيلية قد يصعد الضغط الإسرائيلي للتحرك لحسم المواجهة مع إيران. وقال في تصريحات أدلى بها مؤخرا أن توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران قد يكون «حتميا».
ونجح موفاز الذي هاجر من إيران إلى «إسرائيل» وهو شاب في كسب تأييد قطاع كبير من المهاجرين يحلم كثير منهم بأن يصل واحد من السفارديم ذوي الأصول الشرق أوسطية إلى منصب رئيس وزراء «إسرائيل».
ويقول بعض الإسرائيليين إن الشعبية الخاصة التي يتمتع بها الجنرالات في «إسرائيل» هي التي تحول دون وصول المرأة إلى المناصب العليا.
وتقول جاليلي تسوكر «هناك صراع بين الاحتياجات المدنية والعسكرية الإسرائيلية. وهناك من يقول انه إذا كنا سنبرم اتفاق سلام فمن الأفضل أن يفعل ذلك جنرال لا امرأة».
وصعدت ليفني السلم السياسي في «إسرائيل» كشخصية محل ثقة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق المريض ارييل شارون وانضمت إليه حين انشق على الليكود العام 2005 ليشكل حزب كديما حين سحب شارون القوات الإسرائيلية والمستوطنين من قطاع غزة.
وكوزيرة للخارجية هي المفاوضة الرئيسية مع الفلسطينيين لكنها حرصت على تشديد نبرتها حتى تنافس موفاز ونتنياهو في حينه.
وفي تصريحات أدلت بها الأسبوع الماضي حذرت ليفني من الهرولة لإبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين كما تريد واشنطن بحلول يناير/ كانون الثاني حين يغادر بوش البيت الأبيض وحذرت من أن ذلك قد يفجر أعمال عنف إذا خاب ظن الجانبين في النتائج.
وعلى الرغم من تقدم ليفني على موفاز في استطلاعات الرأي يقول بعض المحللين إن الجناح اليميني في كديما قد يغير نتيجة التصويت لصالحه.
كما يمكن أن يحدث تغيير في اللحظة الأخيرة في حالة انسحاب أي من المرشحين الآخرين الأقل شعبية وهما وزير الأمن الداخلي آفي ديختر ووزير السياحة مئير شتريت.
وهناك أيضا حكم يقضي بضرورة أن يحصل الفائز على نحو 40 في المئة من الأصوات وإلا أجريت جولة ثانية من الانتخابات وحينها قد يتغير المسرح السياسي كله.
وتقول جاليلي تسوكر «على الرغم من أننا نراها (ليفني) تتقدم استطلاعات الرأي علينا أن نهيئ أنفسنا لاحتمال فوز موفاز فهذا ممكن جدا. السباق سيكون متقاربا للغاية».
العدد 2185 - الجمعة 29 أغسطس 2008م الموافق 26 شعبان 1429هـ