كانت ردة فعل عامّة المسلمين حينها إزاء دعاة العلمنة هي الرفض العاطفي الممزوج بالانقياد الواقعي من جهة، والتعاطف الحقيقي مع شعارات المصلحين الإسلاميين من جهة أخرى. لقد تطلع المصلحون الإسلاميون دوما إلى ماضي الأمّة مقارنة بحاضرها وأجمعوا على أنّ العامل الرئيسي للنمو المذهل والتكون السريع لأمّة المسلمين في القرن السابع الميلادي يصلح لأنْ يكون مفتاح نهضتهم في هذا العصر أيضا. كما رأى جيل المصلحين أنّ ابتعاد ولاة الأمور والحاكم عن الإسلام كان عاملا أساسيا وراء ضعف الدولة وتبديد الموارد ولذلك فقد اجمعوا على أنّ صلاح أحوال المسلمين مشروط بإصلاح مؤسسات الحكم واختلفوا في تحديد الأولويات وبالذات في تحديد أسبقية إصلاح قاعدة المجتمع أو إصلاح رأس الحكم.
وبعد أن فشلت مشروعات العلمنة والتغريب في النهوض بالأمّة، تطوّرت الحركات الإصلاحية في النصف الثاني من هذا القرن وتكيّفت مع الظروف السياسية الجديدة. ثم ظهرت المقولات الشمولية للكثير من الحركات الإسلامية السياسية والتي صارت تعتمد أساليب وأشكال عمل الحركات السياسية المعاصرة. فكانت تتفاعل أوّلا مع نخب مثقفة محدودة تتفاعل الشعارات والمشروعات بنسب متفاوتة مع جمهور المسلمين وتتمكن من السلطة ثم تتعثر أو تتوقف عن التفاعل مع عموم الناس. وعلى الرغم من النجاحات النسبية للإسلاميين، فإنّ المحصلة النهائية للحركة الإصلاحية لاتزال إلى يومنا هذا هي العجز عن إعادة البعث التاريخي والحضاري للأمّة على أساس الإسلام ولم تفعل دعواتهم بالمسلمين ما فعلته بهم رسالة الإسلام في قرنها الأوّل ولم تحد من الانهيارات والتراجعات المستمرة في جسم الأمّة. فهل يمكن فعلا تحقيق طموح المصلحين والساسة في بعث الأمّة على أساس الإسلام كما حصل في الماضي البعيد أم أنّ هذا الشعار هو تعبير عن الحالة العاطفية في التغني بأمجاد الماضي الذي لا يمكن تكراره؟ وهل أن ّعلل العجز تكمن في طروحات المصلحين والساسة أو في أساليب عملهم أو في قادتهم أو أنها تكمن في الأمّة التي لم تتمكن فيها بعد شروط تحقيق النهضة والإصلاح أو أنّ المسألة تحتاج إلى المزيد من الوقت والتضحية والتكيّف؟
عجز الخطاب أم تلكؤ المسلمين
يعزو الكثير من الإسلاميين عجز ونواقص التجربة الإسلامية المعاصرة إلى العوامل الخارجية والنفوذ الغربي وحملاته السياسية والإعلامية وتحالفه مع الحكّام المحليين ومحاولات قمع الانبعاث الإسلامي ويعزونه بدرجة أقل إلى العوامل الذاتية؛ أي قلّة الإخلاص وضعف التربية وضحالة الوعي. والحقيقة هي أنّ صدق الإيمان بالشعار الإسلامي لا يعني عدم وقوع الاختلافات بين المسلمين ولا يمنع الانشقاقات والفتن التي تصل إلى حد الاقتتال كما حصل في تاريخ المسلمين الزاهر. فلم يصن الإسلام كلّ أولياء الأمورعن الفساد ولم يردع كلّ القادة عن المتاجرة بالشعارات الإسلامية من أجل مصالحهم الذاتية ولم يقض على كلّ أسباب التخّلف ومظاهر الفساد الشائعة في تاريخ الأمم وفي عالم السياسة فليس الإسلام بديلا عن الطبيعة الإنسانية ولا ضامنا لإزالة الفساد عن الحياة العامّة ولا مفتاحا لتغيير طبيعة المجتمعات. ولذلك فلا يوجد عندنا بديل عن مواجهة الحياة إلاّ بأدوات الحياة ومواجهة سننها بسننها ويتطلب ذلك أعلى درجات الفهم والواقعية. ولا توجد عندنا حلول جاهزة في طيّات الكتب ولا في نصوص التاريخ ولابدّ لنا من تشخيص المفاصل الحقيقية التي تؤثر في سير المجتمعات ووضع الضمانات اللازمة لمواجهتها وخصوصا في عالم السياسية والمجتمع وفي مسار الأمم والحضارات. ولا بدّ إذا من مراجعة طرق تفاعل دعوات الإصلاح في تاريخ الأمم لمعرفة هذه الأدوات والسنن.
دوائر المراجعة
العقبات التي تعترض نهضة المسلمين كثيرة، منها ذاتية ومنها خارجية وما يهمّنا في هذا الموضوع هو مراجعة العقبات الذاتية التي بمقدورنا معالجتها نسبيا في كلّ واحد منّا وتقع في أربع دوائر لابدّ منها في أيّ مشروع للنهضة، ويمكن دَرْجها بحسب أهميتها بالشكل الآتي: الأولى علاقتنا مع أنفسنا والثانية علاقتنا مع الإسلام وتراث المسلمين، والثالثة علاقتنا مع بقيّة المسلمين، والرابعة علاقتنا مع بقيّة الأمم. وتقوم العلاقات على أساس عمق فهمّنا لكلّ من هذه الدوائر الأربع؛ أي الإنسان، والإسلام، المسلمين وبقيّة الأمم. فنحتاج أوّلا إلى علاقة مع الذات تقوم على أساس فهم موضوعي وعميق لأنفسنا ودوافعنا وحاجاتنا وما نحن عليه والحالات الذهنية والنفسية التي تتحكم بنا وما نكتنفه من عقد موروثة وغيرها.
وتبرز أهمية تفهمنا للحالة الذهنية والنفسية الجماعية التي يعيشها المسلمون، أحزابا وأمما وشعوبا وأثرها على فهمهم للإسلام.
فكلما ازداد فهمنا لأنفسنا وتعاملنا مع أنفسنا بواقعية، ازدادت قدرتنا على التعامل مع ما يليها من الدوائر الثلاث الأخرى بشكل أصح وأسلم. وثانيا نحتاج إلى مراجعة صلتنا بالوحي الإلهي وتجربة الرسول (ص) وتراث المسلمين والفكر المعني بالإسلام وأعراف المسلمين. فالأمرالمشترك في غالبية مشروعات النهضة هو الإقرار بضرورة توعية الأمّة على معاين الإسلام والخروج من دوائر الفهم الضيّق والمممارسات المنحرفة إلى دوائر الفكر والقيم الواسعة للإسلام.
* ناشط سياسي عراقي
العدد 2296 - الخميس 18 ديسمبر 2008م الموافق 19 ذي الحجة 1429هـ