تحدث خطيب جامع عالي الكبير الشيخ ناصر العصفور في خطبته أمس (الجمعة) عن جانب من الدروس المهمة التي تستلهمها الأمة من ملحمة عاشوراء والتي عاش المؤمنون أجواءها الإيمانية والروحانية في موسم عشرة المحرم وما تحويه من وهج وإشعاع. وقال العصفور إن هذه المجالس والفعاليات المتميز في عاشوراء في البحرين وغيرها في كل عام نلاحظ عليها حالة التطوير والتنوع في الفعاليات والمشاركات المختلفة، وكذلك ما تمثله مجالس الذكر من طرح الفكر والسيرة التاريخية والتحليل، فهي غذاء للروح والعقل والنفس، فالحسين عِبرة وعَبرة.
وأشار العصفور إلى أن من الدروس المهمة جدا التي نستفيدها من مدرسة الحسين هو عامل الصبر والقدرة على التحمل في مواجهة الحياة من صعوبات وعقبات وخصوصا في هذا العصر الصعب المملوء بالمنغصات والحوادث المختلفة التي ترهق كاهل الإنسان وتفكيره والتي يحتاج فيها إلى جرعات أكبر من الصبر والقدرة على التحمل.
وقال العصفور إن الحياة الدنيا بطبيعتها كما يبين القرآن الكريم دار عناء وكدح «يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحا فملاقيه» (الانشقاق: 6) ، و «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاجا نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا» (الإنسان:6)، والإنسان لا يمكنه أن يحقق أي نجاح في الحياة وعلى أي صعيد إذا لم يتدرّع بالصبر ويتدرب على مواجهة قسوة الحياة وصعوباتها ولو استقرأنا التاريخ لوجدنا أن العظماء لم يكونوا كذلك إلا بما يتمتعون به من روح المثابرة والقدرة على مواجهة العقبات والصعوبات وبما تحملوه في حياتهم في سبيل تحقيق طموحاتهم والوصول إلى غاياتهم الكبيرة وإلا فمهما أوتي الإنسان من قدرات وإمكانات لا يمكن أن يحقق نجاحا في الحياة من دون عامل الصبر. والله تعالى أعطانا قدرات ومواهب إلا أن المهم هو كيف نسخر هذه الطاقات والقدرات وكيف نوظفها في إطارها الصحيح وكيف نستثمر استعدادنا وقابليتنا في طريق النجاح وتحقيق النتائج العملية فهناك أفراد قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى الذكاء والفطنة ولكنهم مع الأسف لم يستطيعوا أن يحققوا شيئا يذكر في حياتهم على رغم قابلياتهم، ولو تسألنا لماذا؟ لكان الجواب أن المساءلة ليست استعدادا وقابلية وموهبة ولكن الإنسان بحاجة إلى عامل آخر وهو القدرة على توظيف هذه القدرات في المسار السليم عن طريق المثابرة والجد والاجتهاد والعمل المتواصل والتسلح بالصبر، وفي المقابل هناك أفراد لا يمتلكون قدرة متميزة من الذكاء ولكنهم على رغم ذلك وعن طريق المثابرة والجد وبما يمتلكون من قدرة على التحمل استطاعوا تحقيق الكثير وشقوا طريقهم في الحياة كأناس مبدعين ومتميزين.
وأوضح العصفور أن البعض قد يتذرع بالظروف ويلقي باللائمة على الظروف وهذا في الواقع هروب عن مواجهة الحقيقة وعن مواجهة الإنسان لنفسه وهروب عن تحمل المسئولية، صحيح أن الظروف بحالات معينة تكون قاهرة ومانعة عن تحقيق بعض ما يصبو إليه الإنسان إلا أن هذه ه الظروف في غالبها لو نظرنا إليها هي صنيعة الإنسان نفسه وليست خارجة عن إرادته ومع ذلك يمتلك الإنسان القدرة على التغيير وتعديل هذه الظروف التي هي نتيجة أعماله وتعامله في الحياة، والله تعالى حينما يقول: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس» (الروم: 41)، فالناس يتحملون نتيجة أعمالهم وأفعالهم والله يحملهم المسئولية ويطالبهم بالتغيير «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد: 11)، وبالتالي فإن الإنسان بحاجة إلى الصبر بمفهومه الإيجابي وليس الصبر السلبي الذي يشل حركة الإنسان ويقوده إلى الجمود واليأس، فالصبر يعني العمل والجد والمثابرة والبناء يعني العمل والتفاؤل والإقدام ولا يعني الخنوع واليأس والاستسلام والانهزام عن مواجهة الواقع والحياة، فالإنسان المؤمن لا يهرب من مواجهة الواقع وإنما يتعاطى معه بما يتملك من قدرة وصبر وحكمة ويعمل بكل قدرته على إزالة العوائق والحواجز التي تعترض طريقه ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والسيطرة على النفس والصمود أمام كل أشكال الضغوطات.
وأضاف العصفور أننا نتعلم من مدرسة الحسين الصبر والحكمة والرؤية الثاقبة والنظرة المستقبلية، فأصحاب الحسين (ع) لم يبلغوا هذه الدرجات العالية من التضحية والإيثار والشجاعة والبطولة إلا بما تنطوي عليه أنفسهم من إيمان ووعي وصبر وبصيرة.
العدد 2318 - الجمعة 09 يناير 2009م الموافق 12 محرم 1430هـ