العمل الخيري في البحرين تتعدد ميادينه وتتنوع وتتشكل طرق أساليبه فيثمر نتاجه مساعدات خيرية لفقراء جائعين، يسدون به رمق جوعهم ويسكتون به صرخات اليتامى ويمسحون به رسمات الحزن والكآبة عن وجوه الأرامل، فالصناديق والجمعيات الخيرية لم تألوا جهدا إلا وبذلته سعيا منها في تذليل صعاب المعيشة عن المحتاجين من المواطنين، فاتخذت سبلا منها وضع حصالات لجمع التبرعات من المحسنين في المؤسسات والمحلات التجارية، بغية لتسهيل الأمر لكل من يريد المساهمة في رفع المعاناة عن أخيه المواطن تجسيدا لدور التكافل الاجتماعي والرحمة الإنسانية، من دون الحاجة للذهاب لمقر الصندوق أو الجمعية ما يسرع في عملية التبرع بسهولة ويسر في أي وقت ومكان.
لهذا تفهمت الكثير من المحلات التجارية فائدة هذه الحصالات وأخذت تشعر بواجب المساهمة فأصبحت مكانا ينبع منه الخير سواء بتبرعها كمؤسسة أو كونها مركزا فاعلا في تسهيل التبرع للمواطنين الخيرين ولو عن طريق المشترين فهذه المؤسسات التي قبلت أن تضع الحصالات الخيرية ساهمت في أن تسهل الأمر للمواطن البحريني بالتبرع دونما التوجه لمقر الصندوق أو الجمعية الخيرية.
وتسعى الكثير من الدول والحكومات لإصدار قوانين تنصب في مصلحة العمل الخيري وتسهيل معوقاته إيمانا منه بدورها في خدمة هذا الحقل، ويبدو أن هناك الكثير من القوانين التي ينبغي الالتفات لها من المعنيين والمسئولين والمهتمين برفع المعاناة عن المواطنين بنظرة الخبير والمختص بشئون العمل الخيري لمصلحة المجتمع البحريني، إذ إن بعض هذه القوانين تكبل هذا الميدان فبدلا من تسهيل الأمور ورفع المعاناة تأتي القوانين التي كان الهدف السامي من إصدارها تنظيم العمل الخيري ولكن عدم حسن تطبيقها والادعاء بأنها الطريقة المثلى والدقيقة في التطبيق، مثل هذه القوانين ووجوب تنفيذها من قبل من يجري عليهم أحكامها وعقوبة من يخالفها للمصلحة العامة، كل هذا أدى إلى فوضى اقتصادية وفوادح اجتماعية حصدت رؤوس الفقراء وجعلتهم في قعر جحيم الفقر وحافة الهاوية، فسقطت بهم بيوتهم الآيلة للسقوط، فترى أدمع يتاماهم تذرف بدماء البؤس وتسمع صرخات أنات مرضاهم كأنها الصاعقة، فاكتووا بالقانون وآخر العلاج الكي، فمثلا لا يجوز للجمعية أو للنادي جمع المال من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين بأي وسيلة إلا بعد الحصول على ترخيص، ولا يسمح للجمعية أو النادي بجمع المال داخل دور العبادة أو المآتم أو في أية مؤسسة دينية أخرى أو جهة أخرى، والحصول على الترخيص المطلوب في فترة لا تتجاوز الأسبوع، ويستمر هذا الترخيص لمدة شهرين، قابلة للتجديد.
ويأتي هذا القانون وأمثاله من القوانين التي كانت فائدتها معلومة منذ إصدارها للمجتمع، ولكن سوء تطبيق منفذيه، أوجد شرخا عميقا في جدار هذا القانون فإنه على المواطن بدلا من أن يكون قلعة تحمي المواطنين الفقراء، نعم لا ينكر أحد أن هناك من اشتكى من بعض الحصالات المجهولة الهوية في بعض المجمعات والأماكن التجارية من دون وجود إعلان يبرز الجهة المشرفة عليها، أو وجود حصالات لجمعيات ليس لها وجود أو غير معروفة.
ولكن أمثال حالات الشواذ لا تطبق عليها قوانين صارمة ومسوغات أشبه بالسراب والخيالات، فعلا هذه الحالات النادرة كالكبريت الأحمر في المجتمع البحريني ملزمة لصدور قانون يقيد العمل الخيري بحجة الدفاع عن المواطن؟ وهل يصعب على المواطن الراغب في التبرع أن يتحقق من جهة التبرع؟ فإن كان يستحيل فينبغي عنه أن لا يتبرع! وهل أصبحت المؤسسات التجارية تجهل الجهة الواضعة لهذه الحصالات؟ أم أن هذه المؤسسات هي التي تجمع الأموال لنفسها! وتشوه سمعتها بأن تكون سبيلا للنصب والاحتيال على وجوه الخير والإحسان؟
يعتقد الكثير أن هناك من يحاول إصدار القوانين رغبة بتخفيف المعاناة ولكن ينطبق عليهم المثل: كحلها عماها! فإصدار القوانين والرغبة في أن يطبق المواطن القانون لا يدع لأحد إصدار القانون من دون مراعاة الجهات المعنية بتطبيقه والتغافل عنها وتجاهلها، فمصلحة المجتمع والفقراء المحتاجين تحتم لزاما على الراغبين بإصدار قوانين أن ترفع عبء المعاناة عن هؤلاء المواطنين التريث في إصدارها وحسن تطبيقها.
أصبحت بعض المؤسسات التي عرف عنها البعد عن العمل الخيري مفتخرة الآن وذات حجة واهية إذ رأت فرصتها وتبرير امتناعها عن دعم مشاريع الخير بأن أبدت رغبتها بتطبيق القوانين المعرقلة للخير بدعوى تطبيق القانون! وأن تواجد هذه الحصالات يؤدي لسرقة المحل فينأى بنفسه عن سرقة محله برفضه تواجد مثل هذه الأساليب للتبرع.
إن القرارات التي تؤخذ وتراعي مصلحة الفقراء والمحتاجين عليها أن تركز على الايجابيات مقارنة بالسلبيات، فأرى أن الحصالات لا تغن ولا تسمن من جوع فماذا ستفعل هذه العملات النقدية من الفئات الصغيرة؟ ومتى ستمتلئ هذه الحصالة؟ فصغرها وقلة المتبرعين والمدة الزمنية المستغرقة لامتلائها وبالإضافة إلى قلة المحلات التجارية التي لا توافق على تواجدها، ورؤية البعض ممن لا رغبة لديه بالبر والإحسان بحجة أن لها دورا في خداع المواطنين فلا تستطيع التحقق من أن هذه الأموال ستصل لمستحقيها، وأن من يأتي في نهاية الأمر لأخذها قد لا يوصلها للجمعيات والصناديق الخيرية وربما أن هذه الحصالات لا تدخل حصيلتها في موازنة الصندوق أو الجمعيات.
لو لاحظنا هذه الأمور لرأينا أنها تهويلات لا فائدة منها إلا الأضرار بالعمل الخيري وازدياد معاناة الفقراء، إذ إن هذه الحصالات تعتبر وسيلة من عدة وسائل توفر دخلا للصندوق وراحة للمتبرعين من دون معاناة التوجه لمقرات الصناديق والجمعيات وفي أي وقت شاء تبرع وتصدق قربة لله تعالى، وكما أنه واجهة إعلامية للخير وأمر بالمعروف بأسلوب مباشر فحينما يرى الإنسان أخاه المواطن يتبرع تبدأ الرغبة لديه وينمو الشعور بأن يحتذي بأخيه المتبرع، أيمانا منه بدوره الكبير في التكافل الاجتماعي ما يحفزه على أن يتبرع كلما اشترى من هنا أو هناك، فالكثيرون من المواطنين عرف عنهم الديمومة المستمرة كلما أرادوا الشراء وظلت فئة نقدية صغيرة لديهم يضعونها في الحصالات ابتغاء لوجه الله ورغبة في رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين واليتامى والأرامل ولوجوه الخير المختلفة.
زحفت أسعار المواد الاستهلاكية وغير الاستهلاكية لمستويات قياسية، فنرى المواطن يحاول أن يحسن وضعه المعيشي في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وهذا همّ المواطن أينما كان في جميع البلدان، ولهذا تشعر الجمعيات والصناديق الخيرية بدورها في دعم هؤلاء وتأتي المسئولية العظمى الملقاة على كاهل الدولة بأن تساهم في ذلك من خلال إصدار قوانين وتشريعات تساهم في تسهيل العمل الخيري، وتنفذ تطبيقها بدقة لا أن تكبلها بقيود تعيق العمل الخيري، ما يؤثر سلبا على المواطن فيصبح القانون المتخذ لخدمة المجتمع وسيلة تجعل الفقير في خندق الفقر وسجن البؤس، فترتسم المعاناة على الوجوه وتذبل بسمات الفرح في أيام العيد، فمتى يتم إصدار القوانين المسهلة لذلك؟ ومتى تؤخذ آراء المسئولين المهتمين بحقل العمل التطوعي الخيري من دون الاستعجال في إصدار قوانين لمجرد إصدارها. ويقول المثل «بدل ما يكحلها عماها».
عباس العكري
عضو مجلس إدارة صندوق العكر الخيري
العدد 2520 - الخميس 30 يوليو 2009م الموافق 07 شعبان 1430هـ