أكدت فعاليات إسلامية بحرينية فشل طرح قناة «المستقلة» من خلال تنظيمها مناظرة مبنية على أسس إظهار الفوارق المذهبية بين السنة والشيعة وتأجيجها بخلاف أسس الحوار المذهبي الصحيح...
يذكر أن المناظرة التي بثت في شهر رمضان المبارك استقطبت الكثير من الجماهير لكونها المرة الأولى التي تبث فيها مثل هذه المناظرة على الملأ، وشارك في المناظرة كل من محمد التيجاني وعبدالحميد النجدي وأبو المنتصر البلوشي وعثمان الخميس وعبدالرحمن الدمشقية، وامتاز المتناظرون بالتراشق وانعدام أسس الحوار الموضوعي المبني على الدلائل العلمية والاحترام المتبادل. واستنكرت الفعاليات الإسلامية البحرينية في منتدى «الوسط» مثل هذه الحوارات، ودعت الى تعميق الوحدة الإسلامية وتعميم ثقافة الحوار الصحيح على مختلف الفئات والطبقات المجتمعية بين المسلمين.
الوسط - هاني أوال
أثار برنامج المناظرات الطائفية الجدلي الذي عرضته قناة (المستقلة) في شهر رمضان الكثير من اللغط وخلّف في نفوس المسلمين غبنا وحزنا وربما شيئا من الضغينة، وكاد هذا البرنامج - إن لم يكن فعلا - أن يخرب بالفعل الكثير من الجهود المضنية التي قام بها الكثير من الشخصيات الإسلامية البارزة في سبيل التقريب بين المذاهب وهدم ما تمّ بناؤه وبذل في سبيله عبر سنين الكثير من التضحيات.
وقد وجهت شخصيات إسلامية عديدة الكثير من الانتقادات إلى هذا البرنامج ووصلت في أحيان إلى مستوى التشكيك في هدف القناة نفسها، وفي سبيل معرفة الإفرازات الناجمة عن هذا البرنامج والبحث عن أسس الحوار المذهبي الصحيح الذي يفضي الى الوحدة الإسلامية، حاورنا في منتدى «الوسط» الذي يديره الزميل فهيم عبدالله كلا من الشيخ عبداللطيف الشيخ (اللجنة الشرعية في جمعية الإصلاح الإسلامية) والسيد حيدر الستري (اللجنة الثقافية في جمعية التوعية الإسلامية) والسيد محمود الموسوي (اللجنة الثقافية في جمعية الرسالة الإسلامية).
* ما تعليقكم على المناظرة الطائفية التي دارت في قناة المستقلة خلال شهر رمضان؟
الشيخ: إن البرنامج الذي بثته قناة (المستقلة) أوجد ضجة بين الناس، والبرنامج ذو جانبين، جانب ايجابي يتمثل في طرح (المستقلة) الاطروحات الصريحة التى قد توصلنا إلى نقطة التقاء في بعض المشتركات وإمكان معرفة ما يحمله الطرف الآخر من أفكار، وجانب سلبي ويتمثل في عدم الالتزام بأسس الحوار الصحيح من بعض المشاركين واعتمادهم أسلوب الإثارة، وهذه هي إحدى مشكلات وسائل الإعلام والمتلقين في آن واحد إذ يسعيان معا إلى الإثارة، فالإثارة ليست مذمومة إذا كانت وفق منهج علمي بعكس الإثارة التي تسبب الفرقة والتشرذم في سبيل جذب عدد أكبر من المشاهدين.
الوحدة الإسلامية فريضة
* أترى أنها أثرت سلبا على الوحدة الإسلامية؟
الشيخ: نعم... لقد خلف البرنامج الكثير من السلبيات وأثر على الوحدة الإسلامية، ولكن علينا أن نعلم أن الوحدة الإسلامية هي فريضة إذ يقول الله عز وجل «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقُوا...» (آل عمران 103) ويقوم المنهج النبوي أيضا على أساس الوحدة الإسلامية... وعليه فإن من واجبنا أن نحقق هذه الوحدة عبر آلياتها الصحيحة، فنعمل على أن نتخذ من العقلانية والموضوعية أساسا للطرح لا الأساليب التي تفضي إلى الفرقة، فنتقيد بالأسس الصحيحة للحوار وان يكون الطرح عقلانيا.
توقيت سيئ وأسلوب أسوأ
الموسوي: تعقيبا على ما طرحه الشيخ فإني أتفق معه عموما ولكن أود التعليق على هذه النقطة بطريقة أخرى، فلا شك في كون الحوار الإسلامي ضرورة ولكن يجب أن يشمل الحوار مختلف الجوانب وليس الجانب العقيدي فقط.
وأما فيما يتعلق ببرنامج (المستقلة) فإني سأتناوله من عدة أبعاد، البعد الأول هو التوقيت حيث أثيرت عدة أسئلة عن توقيت البرنامج من حيث ملاءمته للوضع الراهن الذي يتعرض فيه المسلمون لهجوم من عدة جهات وحاجتهم إلى وحدة كبيرة... فهناك عدة تحديات يجب على المسلمين اجتيازها كالتحديات التنموية والتقنية وغيرها.
وأعتقد أننا بحاجة إلى حوارات إسلامية تتناول الموضوعات السالفة الذكر إلى جانب الحوار العقيدي، وفي اعتقادي ان توقيت الحوار العقيدي خاطئ ومرفوض في حال كونه مسيطرا على كل حياتنا ومضرا بالجوانب الأخرى، واما البعد الثاني في برنامج (المستقلة) هو أن الحوار لم يقم على أسس سليمة... فهو لم يتم الإعداد له إعدادا جيدا وهذا ما اتضح من انفلات محاور اللقاء من زمام مدير البرنامج... كما لوحظ غياب الضوابط الأخلاقية بين المتحاورين وتم الخلط فيه بين الأمور الفكرية والشخصية وقد أضر ذلك بالحوار كثيرا... كما لم يتم تسجيل وتثبيت الأمور المتفق عليها.
ويتعلق البعد الثالث بأسباب التفرق، فمع اتفاقنا على أن الحوار السلبي بين المسلمين يؤدي إلى التفرقة فإن ما يعمله الكثير من الدول الإسلامية من عدم السماح للشيعة بطرح أفكارهم بطرائقهم المختلفة يؤدي أيضا إلى الفرقة... إذ ان ذلك يؤدي إلى شعور الشيعة بأن حقهم مسلوب في طرح عقيدتهم وأن هذا المنع سيخلق أرضية مناسبة لعدم التقاء أصحاب المذهبين، وهذا ما حصل فعلا حين كتب أحمد أمين كلاما عن المذهب الشيعي ليس له في الواقع نصيب وقد اعتبره الكثير مصدرا، إلا أن المفكر زكي أحمد انتقد ذلك عندما وقع في يده كتاب «أصل الشيعة وأصولها» للمؤلف كاشف الغطاء.
وقد قرأ لكاتب شيعي ورد على الكاتب أحمد أمين قائلا: إني اقتنعت بأن الشيعة فرقة من فرق المسلمين، وأما ما يحسب للبرنامج فانه أوصل العقيدة الشيعية - على رغم النقص - إلى الكثير من البلدان وتخطت بذلك العقبات التي وضعتها بعض الأنظمة.
الشيخ: تعقيبا على البعد الثالث الذي تحدث عنه الموسوي فأقول إن الحديث عن العقيدة يجب إن يكون فيه اتفاق على الأصول العامة سواء عند الشيعة أو السنة، فمنكر الضرورة لدى الفريقين منكر للإسلام، أما إذا كنت تقصد المدارس العقائدية فهناك اختلاف بين مختلف المشارب العقائدية وهذا أمر لا مانع من الاختلاف فيه إذا كان مبنيا على أسس منطقية سليمة، وأما إذا كان هناك كتاب سنة يكتبون ما يسيء إلى الشيعة فإن هناك في المقابل كتاب شيعة يسيئون إلى السنة.
الموسوي: ما أقصده هو أصل الفكرة فعندما يتم منع فكرة معينة من الانتشار فان ذلك سيسبب مشكلة بين المذهبين سواء كان ذلك من السنة للشيعة أو من الشيعة للسنة وما ذكرت من أمر الكاتب أحمد أمين ما كان إلا مثالا فقط.
محاولة باءت بالفشل
الستري: إن برنامج المناظرة كان يحاول إرجاع الأمة إلى الوراء بعد تجاوزها هذه المرحلة وتجاوز الإنجازات التى تمت على يد الكثير من مفكري الأمة من السنة والشيعة مثل الشيخ محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ شلتوت والشيخ القمي والعلماء الذين باستطاعتنا أن نطلق عليهم ممثلي الفكر الإسلامي المعاصر... لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ذلك أن وعي الأمة اكبر من أن ينزل إلى مستوى هذا الفكر التفتيتي التجهيلي الذي أنتج بعض فقاعات ولكنها لم تنل شيئا من وحدة الأمة وكان مصيرها الفشل.
الإقرار بالاختلاف مع المحبة
* إذن ما الأسس الصحيحة للحوار المذهبي الذي يفضي إلى الوحدة الإسلامية؟
الشيخ: إن أسس الحوار كثيرة، فأولها الوعي بأسس الحوار أساسا لدى الناس على اختلاف مستوياتهم ابتداء من العلماء إلى العامة، فمن الواجب التركيز عليه، على الصعيد الثقافي والتربوي من خلال التركيز على الحوار القرآني، فهناك فرق بين الجدال والحوار إذ أن القرآن يركز في مواقع كثيرة على الحوار، منها الحوار مع الملائكة في جعل خليفة في الأرض وغير ذلك، وذلك لأن الإيمان قائم على الإقناع المبني على الحوار، ونرى أن لقرآن يذكر الجدال في المواضع غير المرضي عنها وكأنه يستنكر الجدال.
وهناك أسس يشترك فيها المحاور وموضوع الحوار، فالأساس الأول هو أن تكون لدينا النية الصادقة للوصول إلى الحق وقد لا نصل إلى الحق وهذا ليس بمشكلة وعليه فإن على المحاورين ان يغلبوا نيتهم الصادقة نحو الله، ومن الأسس الصحيحة في الحوار أيضا النزول مع المحاور وعدم تجريحه وقد علمنا القرآن هذا الأسلوب إذ يقول الله عز وجل (... وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نسأل عما تعملون...) (سبأ، 24 -25) إذ يشير المفسرون إلى ان هذه الآية تعتبر الأساس في الحوارات.
وقد طرح القرآن قضية ثم قال تعالوا لنتحاور فإما أن نكون على خطأ وأنتم على صواب واما أن تكونوا على خطأ ونحن على صواب... ونسب إلى نفسه الإجرام عندما قال: «قل لا تسألون عما أجرمنا» مع كونه الهادي المهدي، فالذي نستفيده من ذلك هو انه لا يمكن أن يسمعك محاورك وأنت تشتمه وتوصمه بمختلف الأوصاف؟! ومن أسس الحوار أيضا معالجة المسائل بحكمة وحنكة، أي كيف تتصرف التصرف السليم مع من يخالفك في فكرة معينة.
وقد علمنا الرسول الأكرم (ص) كيف نتصرف في مثل هذه الأمور، فعندما جهر الرسول بالدعوة أرسلت إليه قريش عتبة بن ربيعة وكان قوي اللسان فعندما جاءه قال له يا بن العم لقد جئت بشيء سفّهت به أحلام قومك فاسمع مني... فأنصت الرسول (ص) له ولم يتكلم ولا كلمة واحدة وبعد أن فرغ عتبة من كلامه قال له الرسول: يا أبا الوليد - كناه بكنيته - أو قد فرغت؟ وهذا يدلنا على أن حسن الاستماع يؤدي إلى حسن الإصغاء فقرأ له آيات من سورة فصلت... وعندما عاد عتبة إلى قومه قال لهم كفوا أيديكم عن محمد، فقالوا له: «لقد سحرك»! وكل ذلك من آثار تأدّب الرسول (ص).
وان من أهم الأسس الإقرار بالاختلاف مع المحبة فالكل يعلم أن الناس خلقوا مختلفين في العقول والرغبات والتفكير، ونظرة الشرع في هذا المجال أن هذا الاختلاف يجب ألا يؤدي إلى اختلاف بين القلوب لان اختلاف القلوب محرم في الإسلام، والاختلاف ليس أمرا سيئا إذ ان الفقهاء أنفسهم اختلفوا في أمور كثيرة حتى أن الإمام أبو حنيفة قال: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
تعميق ثقافة الحوار واستثمار تراث الوحدة
الموسوي: أذكر هنا ثلاثة أسس عملية للحوار، أولها تعميق ثقافة الحوار في مجتمعنا لأنه البديل الوحيد بين بدائل أخرى قد تسبب الفرقة أو التشتت، والأمر الثاني أن نعمق أخلاقيات الحوار في المجتمع وان نعمل على إشاعتها فيه من خلال الأخلاقيات التي يذكرها القرآن والرسول (ص) وأهل البيت (ع) ، فقد جاءت إلى مسجد الرسول (ص) مجموعة من الملحدين وأخذوا يستهزئون بالرسول فقام لهم أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) وأخذ يعنفهم بالكلام فتعجبوا ذلك منه وقالوا: «عندما نحاور الإمام الصادق (ع) نراه يسمعنا ثم يرد علينا ولم نر هذا التصرف منه»... وإرثنا الإسلامي في هذا المجال كبير وعلينا تعميق هذا البعد.
والأمر الثالث هو أن تكون للحوار أهداف واضحة لأن ذلك يمنع الحوار من الانزلاق في أمور أخرى تكون نتيجتها عكسية. ومن الأهداف التي يمكن وضعها لمثل هذا الحوار هي: الوصول إلى قناعات فكرية متينة أو الوصول إلى مصلحة الإسلام عموما إذ نرى أن هناك هجمة شرسة من أعداء الإسلام على الرسول (ص) والقرآن وهذا يتطلب وحدة موقف عند المسلمين لمواجهتها.
وان لنا تجارب ناجحة في مجال الوحدة الإسلامية والإخاء الإسلامي في تاريخنا ويمكن أخذها قاعدة لتحركنا، فمثلا مجلة العروة الوثقى التي أسسها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في العام 1884م وضعت أمامها الوحدة الإسلامية وانطلقت في هذا السبيل، كما يمكن الاستفادة من مؤتمرات القدس، ولا ننسى دار التقريب في مصر فلها إسهامات في هذا السبيل وهي تجربة ثرية، ويذكر أن هذا الأمر لم يمنع هؤلاء العلماء الذين عملوا في هذا الطريق من الحوار المذهبي الرصين.
الحقيقة تتوزع بين المذاهب
* زيارة الشيخ الجمري لـ (جمعية الإصلاح) كانت خطوة كبيرة لقيت ترحيبا عاليا من كل الاتجاهات في البحرين، فما آخر التطورات في مسيرة التعاون والتنسيق بين جمعية التوعية) التي تواصل هذا العمل مع (جمعية الاصلاح)؟
الستري: لا شك في أن الخطوة التي قام بها الشيخ الجمري (شفاه الله) أفرحت الناس من كلا الجانبين فقد كان الجو مهيأ لمثلها وغيرها من الخطوات... لذلك استقبلها الجميع برحابة صدر، فنحن بحاجة إلى التنسيق المستمر بين الطائفتين وان تكون هناك برامج ومشروعات مشتركة والهدف منها أن يلتقي الجانبان لأن طرح الأفكار له تأثيره فهناك إنجازات لا تتحقق إلا بذلك.
وأرى أن الدخول في التفاصيل لا يوصل إلى نتيجة ولا ينتج إلا التخلف والانحطاط وهذا من الأسباب المباشرة في إجهاد الأمة التي أنهكت نفسها وانشغلت بالجزئيات... فعندما نريد ان نتحاور فلا بد من وضع إطار لهذا الحوار... إطارا وحدويا، فقد بذلنا الكثير من التضحيات لكي نصل إلى هذه الوحدة وليس لدينا استعداد للعودة إلى الوراء.
وأرى أن يمنع أي شخص من دخول حوار لا يكون إطاره وحدويا وأن يضع الجميع في اعتبارهم أنهم متصلون بالهوية الإسلامية وأن يقر الجميع (المتحاورون) بعدم إنقاص إسلامية أحد، وأن نعمل جميعا على التركيز على المشتركات التي يؤمن بها الجميع كالتوحيد والنبوة والقرآن والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك من المشتركات التي تشكل الإسلام، وأما البقية فتفاصيل تشكل المذاهب.
كما انني ارغب في التصريح بأمر قد لا يقبله البعض وهو انه لا قيمة عندي لانتقال سني إلى التشيع أو شيعي إلى التسنن مادمنا أقررنا بأن الجميع مسلمون، فالتحدي الحقيقي لهذا الإقرار هو ألا نجد مشكلة عند انتقال أحدنا إلى المذهب الآخر بل المهم في ذلك أن يكون سنيا مؤمنا واعيا لقضايا أمته أو أن يكون شيعيا بالصفات نفسها لا أن يكون شيعيا يعتز بشيعيته اكثر من إسلامه أو سنيا يعتز بتسننه اكثر من إسلامه.
* إلى أين وصلت الجهود المبذولة بين جمعيتي (التوعية) و(الإصلاح) في مسألة التقريب التي سمعنا عنها؟
الستري: ان إدارة (جمعية التوعية) إدارة جديدة وهي تحتاج إلى وقت لإنجاز مثل هذه المهمات ومع ذلك فقد شكلت لجنة للتنسيق مع (جمعية الإصلاح) وهناك سعي حثيث في هذا الاتجاه إذ ان الجميع آخذ على عهدته أن نصل إلى شيء مفيد ومتقدم في هذا المجال.
كلنا في سفينة واحدة
* هل ترى في الفعاليات المقامة في البحرين كمؤتمر الوحدة الإسلامية الذي أقيم أخيرا بإمكانها التأسيس لحوار عملي بين الطائفتين؟
الشيخ: ان ما ذكره المنتدون يؤسس لحوار عملي بين الطائفتين، ولا شك في ان المرتكز في هذا الموضوع هو ترسيخ ثقافة الحوار... فإذا اتفقنا على الأهداف التي نريد الوصول إليها في مجتمعنا البحريني وأهمها الوحدة الوطنية إذ ان هذه الوحدة تصب في مصلحة تلك ولا تعارض بينهما... فعلينا السعي إليها من خلال آلياتها وأولاها الحوار الجاد البناء الذي يصب في سبيل هذا الهدف الكبير.
وقد تطرق المؤتمر إلى الكثير من المسائل من قبل علماء كلا المذهبين وانتهى بتوصيات وآليات معينة وبرامج، إلا اننا إذا أردنا النجاح في الوصول إلى الوحدة الوطنية فعلينا أن ننشئ ثقافة الحوار ابتداء من العلماء إلى باقي الفئات الشعبية، فنحن نعيش في مكان واحد وعليه فإنه من الواجب ان نكون صادقين في نياتنا تجاه بعضنا بعضا وان نؤسس لبرامج تصب في مصلحة الوحدة الوطنية لأن التفرق لا يؤدي إلى ثمرة للعمل على المستوى الإسلامي او الوطني.
وقد صور الرسول (ص) المسئولية مشتركة حين قال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استسهموا سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستسقوا مروا على من فوقهم فآذوهم فقال بعضهم لبعض لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا فإذا اخذوا بيدهم نجوا جميعا وان تركوهم غرقوا جميعا.
وأرى أننا جميعا في سفينة واحدة ولا بد من التعايش والإخاء فيما بيننا وان نقر بالاختلاف فيما بيننا وان نعمل على الاتفاق على أن يكون اختلافنا بهدف التنوع وليس اختلاف تضاد وتصادم وان نعمل بالقاعدة التي نادى بها الشيخ حسن البناء (نعمل في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه).
لجان عمل مشتركة
* هل ترى في الجهود التي يبذلها العلماء والمثقفون عاملا مؤثرا في مجال الوحدة والإخاء الإسلامي؟
الموسوي: ان نفوس العلماء والجمعيات الإسلامية مهيأة ولكننا بحاجة إلى ترجمة ذلك عمليا وإلى برامج مشتركة بين العلماء ومختلف الجمعيات مثل البرامج الاجتماعية إذ يمكننا أن نشكل لجانا لممارسة الإصلاح الاجتماعي أو لجانا للدفاع عن الاسلام بشكل عام في البحرين والوقوف امام الخروقات التي تتم هنا وهناك وفي وجه من يطالب باستبدال القوانين الغربية بالقوانين الاسلامية، والوقوف ضد انتشار الكثير من الممارسات التي تتنافى مع الدين الاسلامي وهذا يحتاج الى وقفة جماعية من قبل الجمعيات كافة.
الستري: إن طموحنا أكبر من الواقع فنحن نطالب شريحة العلماء بتحرك أكبر من التحرك الحالي في هذا الاتجاه لمواجهة التحديات الكبيرة والعصيبة على الأمة الإسلامية إذ أننا نواجه هجوما شرسا سافرا من قبل أميركا والغرب على هويتنا ويراد بذلك تبديل ملامح الفرد المسلم فلا بد أن يكون هناك تحركا يوازي هذا التحدي، فـ (جمعية التوعية) مثلا تنوي القيام بفعاليات واسعة تضم مختلف الجمعيات الإسلامية.
وتوجد الكثير من الموضوعات المشتركة التي نستطيع تفعيلها بشكل مشترك وواسع ومتواصل كالاحتفال بالمولد النبوي والاحتفال بأسبوع الوحدة الإسلامية والقضية الفلسطينية التي هي محل إجماع من قبل الفرق كافة.
* ما الدور الذي يجب أن يقوم به الأفراد لتحقيق الإخاء الإسلامي بصورة عملية وواقعية؟
الشيخ: هناك أمور من خلالها يمكن أن يتحقق الإخاء على المستويين الفردي والمجتمعي، وأرى ان القضايا الداخلية والخارجية هي وسيلة لتحقيق هذا الإخاء سواء كان على المستوى الفردي أو المؤسساتي..
وهناك قضايا تمس الشارع البحريني على المستوى السياسي والأخلاقي والاجتماعي قد يؤدي التنسيق بين الأطراف المختلفة حولها إلى الاتفاق على هدف معين للوصول إليه إذ لن يتأتى ذلك إلا اذا وجد بينهم إخاء، كما أن القضايا الكبرى كفيلة بإحداث نوع من الإخاء بين البحرينيين من الطائفتين أو بين المسلمين عموما كالقضية الفلسطينية والهجمة الأميركية على الأمة الإسلامية فذلك قد يخلق نوعا من اللقاء الروحي بين المسلمين، وعلينا العمل على تفعيل مفهوم التعايش فيما بيننا.
الموسوي: أرى ضرورة تركيز ثقافة الحوار وتكرارها في الأمة حتى تترسخ فيما بيننا، ولكي يترسخ أي موضوع وأي مفهوم وينتقل من الجانب النظري إلى الجانب العملي يجب أن يكون ملكا للأمة فتتناولها وتتعاطى معها، ويستخدم العلماء والمفكرون في بياناتهم وخطبهم تلك المفاهيم ويشجعون الناس على استعمالها فعند ذلك يكون تفاعلهم مع هذه المفاهيم بشكل تلقائي نتيجة التفاعل المستمر معها.
رسالة عملية تصلح للجميع
الستري: يتحدث الجميع في هذا العصر عن حوار الحضارات والحوار مع الأديان الأخرى من غير المسلمين وهذا ما يعلمنا إياه القرآن في الكثير من آياته... فالقرآن الكريم له نظرة شاملة للمفهوم الأخوي تشمل البشر كافة وفي هذا المجال يقول الإمام علي (ع): «الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، فيجب ان نعمل على تجاوز التأخير عن الوصول إلى هذا المستوى من الطرح الإسلامي بل والارتقاء به وان نعمل كذلك على القضاء على كل ما يحاول أن يمزقنا ويفرقنا.
وهناك الكثير من المشتركات التى تعتبر محل التقاء بين المسلمين جميعا وفي اعتقادي اننا قادرون في الشئون التشريعية على إصدار رسالة عملية مشتركة (كتاب أحكام فقهية) موحدة للسنة والشيعة، وأنا على يقين بأنه لو تصدى لذلك العلماء بصدق فإننا سنصل إلى ذلك ولو بعد زمن
العدد 117 - الثلثاء 31 ديسمبر 2002م الموافق 26 شوال 1423هـ