العدد 127 - الجمعة 10 يناير 2003م الموافق 07 ذي القعدة 1423هـ

55 عاما على تحريم البحرين المخدرات والمشكلة في ازدياد

400 مليار دولار سنويا حجم التجارة الدولية

أستاذ بجامعة الاسكندرية تقدم ببلاغ إلى نيابة باب شرق بالاسكندرية ضد ابنه بسبب تعديه عليه بالضرب عدة مرات... الابن يبلغ من العمر 26 عاما وفشل في إكمال دراسته، وأدمن مخدر البانجو، ورفض الأب، الأستاذ الجامعي، التنازل عن البلاغ وأكد انه يريد حبس ابنه. في الجانب الآخر من العالم، أدانت محكمة أميركية زوجين من مدينة شيكاغو في ولاية إيلينوي بالاعتداء الجنسي على أطفالهما الأربعة وتخديرهم وإطعامهم جرذانا مقلية وصراصير مسلوقة حسبما أعلن مصدر قضائي في شيكاغو. وذكرت صحيفة «شيكاغو تريبيون» نقلا عن أحد القضاة قوله: «إن الأولاد ـ وهم صبي في الخامسة من العمر وثلاث فتيات أعمارهن 10 و11 و12عاما ـ أرغموا عدة مرات على ممارسة الجنس مع والديهم جيرالد وبربارا هيل، وكان الوالدان يخدران أولادهما بواسطة الحقن بمادة الكوكايين على الأرجح».

قصص تقشعر لها الأبدان، ويندى لها الجبين في وقت حققت فيه الإنسانية ما حققته من تقدم وتطور على مختلف المستويات والمواقع... قصص وحوادث لم تكن لتحدث لو أن مرتكبها ظل على وعيه دونما محفزات أو منشطات أو ما يبعث على الغيبوبة، ليسجل إدانة ضد جنوحه وشذوذه وتجاوزه أبسط القيم الانسانية.

في ظل واقع كهذا، بدأ غول المخدرات بشتى أنواعها يعصف بكثير من تلك القيم... يطوح بها كالريشة في مهب الريح، وأمام قادة العالم ومفكريه والنُخَب من أبنائه، مسئوليات جسام لوضع حد لهذا التدهور والانحدار، بل والانتحار الذي يطول مجتمعات بأسرها، مهددا كياناتها المختلفة، ومخلفا وراءه ضحايا أصبحت الأرقام تشير إليهم بالملايين، بل وأصبح هذا الداء القاتل أحد أهم منابع انتشار واحد من أقبح وأخطر الأمراض التي واجهتها الإنسانية في القرن الماضي وستواجهها مستقبلا... «الأيدز».

العالم أمام مسئولياته

تتفاقم مشكلة المخدرات يوما بعد يوم، حاصدة ضحاياها بالملايين، خصوصا في ظل التطورات العالمية الجديدة وفتح الأسواق وما يُعرف بالاقتصاد الحر، وفي الوقت الذي يبذل فيه المهربون جهودا كبيرة لتمرير «قنابلهم الموقوتة» عبر طرق وحيل تتطور يوما بعد يوم، تبذل أجهزة الأمن عبر أقسام مكافحة المخدرات جهودا مضنية وجبارة لكشف تلك الطرق والحيل، سعيا وراء وضع حد للدمار الذي استشرى في العالم منذ مطلع أربعينات القرن الماضي.

ولأن إحكام وسيطرة المخدرات على أسواق العالم لم تقم بجهود فردية، بل تقف وراءها تكتلات ومجموعات من رجال الأعمال والسياسة والفن، ضمن شبكات تنسيق جعلت لهذا العالم نظمه الأمنية المعقدة التي باتت تؤرق عددا كبيرا من الأجهزة الأمنية في العالم، الأمر الذي حدا بالهيئة الدولية لمكافحة المخدرات إطلاق صرخة مدوية للفت الأنظار إلى ذلك الخطر المستشري والآفة الزاحفة على مكتسبات الأمم لالتهامها وتدميرها، إذ جعلت السادس والعشرين من يونيو/حزيران من كل عام، يوما دوليا لمكافحة تعاطي المخدرات بموجب قرارها رقم 42/112 بتاريخ 7/12/1987، في الوقت الذي تقدم فيه الهيئة كشف حساب يضع العالم أمام مسئولياته الصعبة، لمضاعفة الجهود من أجل وضع حد للدمار الذي خلفه ويخلفه زحف المخدرات على الدول واقتصاداتها، إذ أشار التقرير الأخير للهيئة إلى أن «تجارة المخدرات تمثل ثمانية في المئة من حجم التجارة الدولية أو 400 مليار دولار سنويا»... بل ويذهب عدد من الخبراء إلى أنه، على رغم الجهود المبذولة في مجال مكافحة تهريب وتجارة المخدرات، فإن السيطرة عليها باتت صعبة إن لم تكن مستحيلة، «ذلك ان العالم يتعامل مع قوة تملك ثروة تعادل ثروة صناعة النفط»... وبحكم انها ـ أي تجارة المخدرات ـ مشكلة عابرة للحدود، «فهي تستهدف أساسا الشباب الذين يتفشى بينهم إدمان المخدرات بسهولة».

الوضع بحرينيا

البحرين كانت من أوائل الدول التي تصدت لهذا الوباء عبر التشريعات والقوانين المبكرة نسبيا في المنطقة العربية، لإدراكها الخطر المحدق بالمجتمع جراء التهاون في التصدي له. ففي العام 1948 صدر إعلان حكومة البحرين رقم 36 المؤرخ في سبتمبر/أيلول، والإعلان رقم 19 المؤرخ في 26 مارس/اذار 1949، والمرسوم رقم 45 للعام 1953، وكذلك المرسوم بقانون رقم 4 لسنة 1973، والمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 1983، بتعديل المادتين 23 و24 من المرسوم بقانون رقم 4 لسنة 1973 وغير ذلك من القوانين التي تحرم تداول وتعاطي العقاقير الخطرة وما يدخل في تصنيفها، وعيا منها بالدور الذي تؤديه في تفتيت الكيانات الاجتماعية والاقتصادية، لتمتد حصدا لغيرها من الكيانات، فجاءت تلك التشريعات والقوانين درعا تدرأ الخطر المستشري عبر قيام أجهزة وأقسام المكافحة بالتصدي لها بالخبرات والكفاءات المدربة تدريبا عاليا.

غير أن ذلك لم يمنع هذ الآفة من التغلغل في أوساط اجتماعية عملت على تفتيتها وإنهاكها، وفي مراحل أخيرة، الإجهاز عليها. فقد تم ضبط أكبر حالات التهريب في البحرين في العام 1999، إذ ضبط رجال مكافحة المخدرات أكثر من 1200 كيلوغرام من مادة الحشيش، حاول عدد من البحرينيين والخليجيين تهريبها إلى إحدى الدول المجاورة.

وفي العام 2000 تم ضبط شخص يقوم بترويج كميات كبيرة من الأقراص المخدرة تقدر بنحو 28 ألف قرص، كما أشار مسئول قسم مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية عادل خليفة الفاضل.

وبالنظر إلى إحصائية الضبط للعام 1999/2000، ندرك مدى تفاقم المشكلة وخطورتها على بنية المجتمع ومكتسباته، إذ توضح الإحصائية أن عدد القضايا المضبوطة الخاصة بالمخدرات خلال العام 1999 بلغت نحو 184 قضية تورط فيها 495 شخصا منهم 391 شخصا بحرينيا (أربع إناث و387 من الذكور) و60 شخصا من دول مجلس التعاون منهم تسعة من الذكور وواحدة من الإناث، أما العرب فعددهم بلغ ستة أشخاص، والأجانب 38 شخصا منهم 32 من الذكور وست من الإناث.

الاستشراء عربيا

وإذا توجهنا عربيا تبدو الصورة أكثر قتامة مما هو معلن في هذا الصدد.

إذ تشير التقارير الدولية الموثقة إلى «أن الحقن بالمخدرات قد انتشر في مناطق كثيرة من العالم النامي، لم يكن شائعا أو معروفا فيها من قبل، كذلك فإنه توجد بين المجموعات الجديدة والمتزايدة للحقن بالمخدرات معدلات مرتفعة لممارسة ضروب من السلوك تنطوي على درجة عالية من المخاطرة، ويعرف اقترانها بانتقال عدوى الأمراض القاتلة التي لم يتوصل الطب بعد إلى علاج لها، كالتهاب الكبد ومرض القصور المناعي البشري (الأيدز)».

ويشير الأمين العام السابق لمجلس وزراء الداخلية العرب أحمد بن محمد السالم، إلى أن الأجهزة الأمنية العربية تمكنت خلال السنوات العشر الماضية من ضبط حوالي 215 ألف قضية تورط فيها أكثر من 377 ألف شخص.

والمتتبع للتقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية فيما يتعلق بالدول العربية، يجد أن المشكلة في تفاقم مستمر على رغم المحاولات الدؤوبة للحد من ظاهرة الاتجار وتهريب المخدرات عبر القوانين والتشريعات التي تبنتها معظم الدول العربية. إلا أن دولا - مثل المغرب - مازالت تعد من أكبر منتجي الحشيش الخام في العالم، والذي يذهب معظمه إلى أوروبا وشمال إفريقيا على شكل حشيش (مصنّع).

التقرير يشير أيضا إلى أن التقديرات الخاصة بكميات المحصول المستهلكة داخل البلاد تتراوح ما بين 20 و70 في المئة، (الأولى بحسب تقدير وزارة الصحة والثانية بحسب تقدير وزارة الداخلية).

أما فيما يتعلق بمصر، فيشير التقرير إلى أن المشكلة الكبرى هناك في الاستهلاك، ويورد التقرير ان هناك ما يصل إلى أكثر من مليونين و650 ألف مستهلك للمخدرات في مصر ولاسيما الحشيش.

ويتطرق التقرير إلى أن استعمال الأفيون والهيروين ـ وتهريبهما أيضا ـ في ازدياد، ويشير إلى أن «خشخاش الأفيون» يزرع لقرون في الأراضي الزراعية على طول نهر ودلتا النيل، في تقديرات بأن الأفيون المصري ـ كله تقريبا ـ يستهلك محليا، على أن من المحتمل أن يكون بعضه يصدر إلى ليبيا والدول الإفريقية المجاورة الأخرى.

المشكلة الآسيوية قائمة

أما في النطاق الآسيوي، فإن إيران تواجه مشكلة كبيرة في تعاطي المخدرات، كما أنها معبر تاريخي تقليدي للأفيون والهيروين من أفغانستان وباكستان، إذ يوجد أكثر من مليونين و600 ألف شخص يتعاطون المخدرات بأنواعها.

أما أفغانستان فهي لاتزال المنتج الأول للهيروين في العالم، إذ ينتج فيها ما يقرب من 28 طنا من هذه المادة. أما الهند فسجلت انخفاضا ملحوظا في إنتاج الأفيون، وإن كان قد حقق إنتاج الأفيون في بقية الدول المنتجة زيادة ملحوظة، إذ زاد الإنتاج في اسبانيا بواقع 2,5 طن، وزاد في فرنسا بواقع 4,2 أطنان، وزاد في استراليا بواقع 7,29 أطنان، وفي تركيا بواقع 31 طنا.

وتتوالى الأرقام منذرة بخطر ماحق، ففي باكستان يوجد أكثر من 3 ملايين و300 ألف باكستاني يتعاطون الهيروين، وإن أكثر من 100 ألف شخص يدخلون دائرة تعاطي الهيروين كل عام بحسب ما ذكره مكتب الإحصاء الباكستاني.

ويشير التقرير إلى أن أكبر معدل تعاطٍ للمخدرات موجود في كراتشي، المدينة التجارية الرئيسية في البلاد، محذرا من أن ارتفاع معدل تعاطي الهيروين قد يزيد من نسب الإصابة بالأمراض الخطيرة وفي مقدمتها (الأيدز)، وخصوصا أن أكثر من 21 في المئة من متعاطي الهيروين يتناولونه عن طريق الحقن. وفي روسيا، فتستورد المافيا الروسية الهيروين من آسيا الوسطى، والكوكايين من أميركا اللاتينية وتقوم بإنتاج ما يسمى بـ (حبوب الهلوسة) لترويجها في روسيا التي أصبحت نتيجة ذلك مركزا رئيسيا لتجارة المخدرات في العالم.

إن المدى الذي انتشرت فيه رقعة هذه التجارة، والذي وضعها ضمن ثالث أكبر اقتصاد في العالم، عمل وسيعمل على تعطيل طاقات قطاع كبير من المجتمعات الإنسانية والأخذ بها نحو مراتب متأخرة من الإنتاج والتفاعل مع المستجدات والتطورات والتحديات التي يشهدها العالم، فالجهود الرامية إلى مكافحة المخدرات ـ

على ضخامتها وتقدمها وتعقدها ـ لاتزال متواضعة في سبيل وضع حد لاستشراء هذا الداء وتدميره. ففي الولايات المتحدة الأميركية، تنفق الحكومة ستة مليارات دولار سنويا على مكافحة تعاطي المخدرات، بخلاف المبالغ المرصودة لتعقب المهربين ورصدهم وما يتطلب ذلك من نفقات في المراحل المتقدمة من الإجراءات القانونية والقضائية. وبدورها فإن الأمم المتحدة عبر برنامج مكافحة المخدرات، أسهمت ـ وتسهم ـ بدور فاعل عبر تقديم الدعم إلى الحكومات والمنظمات غير الحكومية في مجال تنفيذ برامج التعاون الفني القومية والإقليمية والعالمية بهدف تقليل إنتاج المخدرات والمؤثرات النفسية وتصنيعها وتهريبها من خلال موازنة تصل إلى 109 ملايين دولار.

إلا أنه ما لم تتكاتف الجهود ويتظافر التنسيق بين مختلف الدول وأجهزتها لوقف هذه الآفة القاتلة، فإن الجهود الفردية ستذهب في مهب الريح، خصوصا مع وجود دعوات تطل هنا وهناك في بعض دول العالم ترفع صوت سياسات أكثر تهاونا مع مسألة المخدرات بالسماح باستخدام الماريجوانا في الولايات المتحدة كالتي صدرت عن مدير مركز «لند سميث» الذي يدعو إلى تبني سياسات أكثر تسامحا مع قضية المخدرات بقوله: «إن المواطنين سبقوا السياسيين في هذه المسألة، وقد ازدادت مواقف الناس رفضا لسياسات الحرب ضد المخدرات».

الموت في تصريحات المسئولين

الباعث على مثل تلك التصريحات، دعوات في الولايات المتحدة تطالب بالسماح باستخدام الماريجوانا لأغراض طبية، وذلك ما رفضه بشدة المدير السابق لمكتب البيت الأبيض لسياسة السيطرة على المخدرات باري ماكافري، إذ صرح قائلا: «في الوقت الذي تحاول فيه البلاد تربية المراهقين على عدم استخدام العقاقير النفسية، يقال لهم الآن ان الماريجوانا وغيرها من المخدرات أمور طبية وانها أدوية، وهذا التناقض في الرسائل الموجهة إلى الشبان مضر للغاية».

ويؤكد رئيس جمعية مناهضة المخدرات جيمس كوبل «أن الاقتراح في كاليفورنيا كان ذئبا في ثياب شاة» ويتابع: «إنهم يستخدمون ضحايا مرض (الأيدز) والمرضى الميئوس من شفائهم سندا لتشجيع استخدام الماريجوانا».

أما الصحافية في «الإندبندنت» البريطانية روز ماري فقد أعطت إشارة البدء في حملة إضفاء الشرعية على تعاطي الحشيش قائلة: «إذا كان احتساء الخمور له ضراوة النمر المفترس فتعاطي الحشيش مجرد فأر في هذا المضمار».

مثل تلك الدعوات ظهرت على لسان أركان في عدد من حكومات العالم، كما بدر على لسان وزيرة البيئة الفرنسية السابقة دومينيك فويين التي دعت ـ صراحة وعلانية ـ إلى اعتبار تعاطي المخدرات عملا مشروعا، واعترفت ـ في معرض ردها على أسئلة الصحافيين ـ بأنها متعاطية للماريجوانا.

وتستغل فويين تحصيلها العلمي وعملها السابق باعتبارها طبيبة في خلق انطباع لدى الآخرين بأن دعواها تستند إلى دراية صحية وعلمية إذ تقول: «إن أقراص النوم المنتشرة بكثرة تستدعي القلق أكثر من المخدرات التي تسبب أضرارا للصحة»

العدد 127 - الجمعة 10 يناير 2003م الموافق 07 ذي القعدة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً