العدد 136 - الأحد 19 يناير 2003م الموافق 16 ذي القعدة 1423هـ

الجنادرية بعيون إيرانية وانطباعات متعددة

الرياض- محمد صادق الحسيني 

تحديث: 12 مايو 2017

يتراءى لك وأنت تزور المملكة العربية السعودية هذه الأيام بأن التاريخ الموغل والجغرافيا المضطربة أفقا، والهوية الوطنية والقومية المنتشرة جميعا تتحدى مجتمعة بمخاطرة الدفع بها إلى المجهول.

ثمة من خطف العروبة في غفلة من نفسها وثمة من خطف الاسلام في لحظة الاستئناس بالمجد الغابر وثمة من يخطط لخطف كنوز الجغرافيا الصفراء والزرقاء والسوداء منها بشكل أخص، والقادم أخطر!

«الجنادرية» هي المناسبة وإسلامية هي البلاد و«إيرانية» هي العيون.

ثمة حشد شعبي وحكومي ونخبوي للدفاع عن ثلاث:

التوحيد أي توحيد الجزيرة العربية، والخيار الاسلامي أي القراءة الإسلامية لنظام الحكم والحياة العامة، وفلسطين أي حق الأمة والبلاد حكومة وشعبا في الدفاع عن الخيار الفلسطيني في المقاومة لاسترداد الحقوق. والقضايا الثلاث الآنفة الذكر كانت هي الموضوعات الرئيسية الحاضرة عند كل من التقيناه على انفراد أو خاطب الجمهور العام أثناء الندوات العامة. وهم يشعرون جميعا بأن التحدي المطروح أمامهم هذه المرة مصيري ويريد النيل منهم في الصميم.

وأضاف عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري نكهة خاصة على هذه المناسبة عندما حدثنا مطولا عن «التساؤلات الكثيرة التي أجهدته وهو يحاور التاريخ» وهي اشارة واضحة فهمناها دعوة إلى إعادة تنقيح التاريخ وقراءته قراءة أكثر شجاعة بما ينتفع منه لوأد الفتن بين أطراف الأمة المختلفة واجنحتها ومدارسها المذهبية والفكرية المختلفة.

وقد كان التويجري واضحا وشفافا أكثر من مرة عندما قال: إن قتلة الفاروق وعثمان وعلي والحسين يعيشون بيننا الآن كما عاشوا بيننا خلال التاريخ، وأن علينا مكافحتهم ووضع حد لحضورهم غير المبرر في السياسة أو الإعلام بما فيها الفضائيات المقسِّمة للأمة.

أما غازي القصيبي والذي أتحفنا بقصائده الرائعة في أمسية شعرية وصلت بين الأصالة والمعاصرة والحس المرهف لتحديات الأمة فإنه اضفى نكهة اصلاحية على منهج تناول الفكر الديني بالتحليل والتعديل عندما التقيناه على انفراد وهو يحدثنا عن ضرورة «الثورة» في مناهج قراءة الفكر الديني وهي عنوان كتابه الأخير «ثورة في السنة النبوية».

وأما الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، فقد كان شديد الوضوح في مطالبته النخب الاسلامية والعربية بالخروج من حال الاسترخاء والاستكانة للوضع الموجود سياسيا وفكريا وعلميا وثقافيا شارحا لنا بالتفصيل طموحاته في محال التجديد والعصرنة في الإدارة واستثمار الفرص وأيضا الحاجة الماسة إلى النهوض بمقولة «اليقظة الاسلامية» من الطريقة التي باتت تقليدية إلى طريقة أكثر إفادة وأكثر نفعا بما يتجاوز حالات التفرد بهذه الرؤية أو تلك لقضايا الأمة.

وثمة «خيمة بدوية» جمعتنا مع إخوة لنا في الهم والاهتمام الفكري والاعلامي والسياسي بينهم أمراء شباب أبدعوا جميعا في مجال ضرورة إسدال الستار على كل ما كان سببا في الفرقة بين الايرانيين والعرب وكل ما كان سببا في الفرقة بين طوائف الأمة ومدارسها المذهبية، والأهم من هذا وذاك ربما ضرورة الاستعداد لمرحلة التحدي الجديدة التي «سوف لن تفرق بين شيخ وشيخ ولا بين سني ولا شيعي ولا بين عربي ولا إيراني بعد أن أصبحنا كلنا في مركب واحد إما أن ننجو معا أو نغرق جميعا لا محالة».

وإذ ننسى فلن ننسى حديث وزير الشئون الدينية والأوقاف الشيخ صالح آل الشيخ وهو يقدم لمحاضرته «هذا هو الإسلام» عندما قال ما مضمونه إن ما سيقوله قد يكون نتيجة تأثره بالبيئة السعودية أو تأثره ببيئة المذهب الذي تعلم فيه أو تداخل عوامل أخرى لكنه سيظل جزءا من مدرسة الاسلام العامة التي تتحمل مدارس اجتهاد مختلفة. وهو ما عاد ليؤكده بعد انتهاء المحاضرة وهو يرد على أسئلة المفكرين والمعلقين والناقدين وبينهم الشيخ محمد علي التسخيري من إيران إذ كانت الحوارات بينهما إضاءة جديدة على التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية في مجموعها في إطار التشجيع المتنامي لقبول الرأي والرأي الآخر.

وأما أوبريت «يا خيول الفجر» الذي قدمته لنا الجنادرية مبتدئة حفلها الثقافي المميز فقد كان هو الآخر سمفونية رائعة من سمفونيات حوار الثقافات والحضارات الذي يبدو أن صناع القرار الشعبي والنخبوي السعودي كما الحكومي باتوا يضعونه في سلم أولوياتهم.

وأما قصة ارتباط كل ذلك أو علاقته بالحرس الوطني، والذي هو مؤسسة عسكرية وأمنية قبل أن تكون مؤسسة ثقافية فانه أكثر ما أثّر في صاحبي وصاحب المقام الرفيع الذي شاركني هموم واهتمامات الزيارة والحوارات، وأدهشه أن تكون راعية كل هذا العطاء الحواري والثقافي مثل تلك المؤسسة النظامية فقد علق فيما علّق على هذه الظاهرة المتميزة وهو يتابع حلقاتها بشغف بالقول: «المعروف عن العسكر ومن يملكون صناعة قراره أنهم يحاولون دائما الدخول ولو عنوة إلى دائرة الثقافة والمثقفين في سعي منهم لتطويع المادة وأهلها وغالبا ما يعسكرون كل المناخ، لكن أن يقوم هذه المرة أصحاب القرار بخطوة تثقيف العسكر أو جعلهم مادة لمناخ ثقافي متميز يسهم بشجاعة في اضفاء جو الحوار والتعددية في الرأي فهذ انجاز كبير يستحقون الثناء عليه».

منذ أن تعرفنا عليهما أي عبدالرحمن السبيت وفيصل بن عبدالرحمن بن معمر وهما حريصان على التواصل مع الآخر سواء القادم من بعيد أو القادم من دائرة الجوار، ومعهما ثلة متميزة من المبادرين المتعلمين المصممين على إبقاء شعلة الحوار مع الآخر مضيئة، وهم عماد الجنادرية التي عرفناها. «جنادرية» بتنا نعتقد أنها ليست فقط أداة ووسيلة مفيدة للحوار مع الآخر بل وآلية ناجعة لنقل السعودية من دائرة التحدي إلى دائرة صناعة الجديد والمتجدد في الفكر الإسلامي





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً