واصلت ندوة «الملكية الفكرية بين التشريع والواقع» أعمالها لليوم الثاني على التوالي، باستعراض خمس أوراق عمل مهمة ومتنوعة شملت قانون العلامات التجارية والتطبيقات العملية و التحيكم والآليات البديلة لفض المنازعات في مركز اتحاد المحامين العرب للتحكيم والملكية الفكرية على الإنترنت وحماية أسماء الحقول وحماية المستحضرات الصيدلية.
وفي ورقة قدمها عميد كلية الحقوق في جامعة المنوفية للدراسات العليا والبحوث حسام الدين الصغير، عن المعلومات غير المفصح عنها بالاستناد إلى اتفاق «تربيس» كانت من محاورها:
حماية الأسرار التجارية في القانون المقارن
قال الصغير انه بالقاء نظرة سريعة على تشريعات الملكية الصناعية المعاصرة يتبين لنا عدم وجود نظام قانوني موحد يتعلق بكيفية حماية الأسرار التجارية. ففي الولايات المتحدة الاميركية تنصب الحماية المقررة لأسرار التجارة Trade Secrets على أية معلومات سرية تكون لها قيمة اقتصادية، وتبذل جهود معقولة من قبل صاحبها للمحافظة على سريتها. ولا تقتصر الحماية المقررة للأسرار التجارية على المعارف الفنية، بل تشمل المعلومات التجارية كافة مثل قوائم العملاء، والخطط التسويقية، والمعلومات الادارية والمالية مثل النماذج والاحصاءات والدراسات المالية والاقتصادية. وهذا المفهوم السائد في الولايات المتحدة الاميركية لأسرار التجارة Trade Secrets أوسع في نطاقه من نظم الحماية المقررة في معظم البلدان الاوروبية وغيرها من الدول الاخرى للمعرفة الفنية Know - how، اذ يقتصر مدلول المعرفة الفنية - في الغالب - على المعلومات والخبرات والمهارات المتعلقة بطرق وأساليب التصنيع، ولا يمتد الى المعارف الادارية والتنظيمية والتجارية. أما في انجلترا فتحمى الأسرار عموما عن طريق نظام المعلومات السرية ConfidentialI nformation. ولا تقتصر الحماية التي يقررها القانون الانجليزي بموجب هذا النظام على الاسرار التجارية والصناعية بل تشمل الاسرار السياسية والاسرار العائلية او الشخصية كافة وغيرها من الاسرار على اختلاف انواعها، اذ لا يوجد تفرقة في القانون الانجليزي بين انواع المعلومات السرية المختلفة فيما يتعلق بتمتعها بالحماية. وفي كثير من الدول الاخرى تحمى الاسرار التجارية والصناعية عن طريق تطبيق القواعد العامة في القانون المدني. ففي مصر يعتبر الاعتداء على الاسرار التجارية والصناعية عملا غير مشروع يمكن مواجهته عن طريق اقامة دعوى المنافسة غير المشروعة تأسيسا على قواعد المسئولية التقصيرية التي تقضي بأن خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.
حماية المعلومات
غير المفصح عنها
واضاف: في اتفاق التربس عن طريق قواعد قمع المنافسة غير المشروعة وفقا للمادة الاولى فقرة (2) من اتفاق التربس فإن اصطلاح الملكية الفكرية يشمل فئاتها المنصوص عليها في الاقسام من 1 إلى 7 من الجزء الثاني من الاتفاق وهي:
حقوق المؤلف والحقوق المتعلقة بها والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والتصميمات الصناعية وبراءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة واخيرا حماية المعلومات السرية.
ومن ثم فقد اعتبر اتفاق التريس المعلومات السرية شكلا من اشكال الملكية الفكرية. ووضع الاتفاق في القسم 7 من الجزء الثاني منها نظاما لحماية الاسرار التجارية اطلقت عليه: «حماية المعلومات غير المفصح عنها.
كانت الولايات المتحدة الاميركية قد اقترحت في الجولة الثامنة لمفاوضات الجات التوسع في المفاوضات الخاصة بالملكية الفكرية لتشمل حماية اسرار التجار Trade Secrets، وتضمن الاقتراح الذي قدمته في سنة 1987 تعريف اسرار التجارة وحمايتها وفقا للمعايير السائدة في القانون الاميركي. غير ان الدول النامية اعترضت على ذلك وطالبت باستبعاد حماية اسرار التجارة من نطاق المفاوضات، لأنها لا تدخل في عداد اشكال الملكية الفكرية.
وما يظهر بوضوح في احكام المادة ان الاتفاق قد استبعد فكرة الملكية باعتباره أساسا لحماية «المعلومات غير المفصح عنها» فلم تعترف لحائز المعلومات السرية بالحق في ملكيتها بل حظرت على الغير الحصول على المعلومات او استخدامها بأسلوب يخالف العادات التجارية الشريفة، فأقامت نظام الحماية على فكرة الانحراف عن السلوك القويم والعادات الشريفة في التعامل - اذ حظرت ذلك - وأوجبت على الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية اعتبار هذا الانحراف من قبيل اعمال المنافسة غير المشروعة.
المنافسة غير المشروعة
في اتفاق باريس
واشار الى ابرام اتفاق باريس بشأن حماية الملكية الصناعية سنة 1883 لم تكن تعالج المنافسة غير المشروعة، غير ان الاتفاق عدل في 14 ديسمبر/كانون الاول 1900 في بروكسل (تعديل بروكسل 1900) واضيفت اليها المادة 10 مكرر التي تناولت قمع المنافسة غير المشروعة، وعالجتها لأول مرة باعتبارها صورة من صور الملكية الصناعية. ومن ثم ادخل اتفاق «قمع المنافسة غير المشروعة» في عداد صور الملكية الصناعية منذ أكثر من قرن من الزمان.
وتنص المادة 10 مكرر من اتفاق باريس (تعديل استكهولم 1967) على انه :
(أ) تلتزم دول الاتحاد بان تكفل لرعايا دول الاتحاد الاخرى حماية فعالة في مواجهة المنافسة غير المشروعة.
(ب) يعتبر من اعمال المنافسة غير المشروعة كل عمل من اعمال المنافسة يتعارض مع العادات الشريفة في المعاملات التجارية او الصناعية.
(ج) ويكون محظورا بصفة خاصة كل من:
1- كافة الاعمال التي من طبيعتها ان توجد بأية وسيلة كانت لبسا مع منشأة أحد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي أو التجاري.
2- الادعاءات المخالفة للحقيقة في مزاولة التجارة والتي من طبيعتها زعزعة الثقة عن منشأة أحد المنافسين او منتجاته او نشاطه الصناعي او التجاري.
3- البيانات او الادعاءات التي يكون استعمالها في التجارة من شأنه تضليل الجمهور بالنسبة الى طبيعة السلع او طريقة تصنيعها او خصائصها او صلاحيتها للاستعمال او كميتها.
وطالب بسرية المعلومات لأن «السرية» هي أهم خصائص المعلومات التي تنصب عليها الحماية المقررة قانونا لأسرار التجارة.
فالمعلومات المعروفة للجمهور، أو لطائفة تضم عددا كبيرا من الاشخاص المتخصصين في مجال نشاط تجاري أو صناعي معين لا تدخل في عداد أسرار التجارة التي يحميها القانون.
ولا يشترط ان تكون درجة السرية التي تتوافر في المعلومات مطلقة، اذ ان المعلومات لا تفقد طابع السرية لمجرد ان عددا محدودا من الاشخاص يعرفونها، فإفشاء صاحب اسرار التجارة لعدد قليل من الاشخاص عن تلك الاسرار (مثل بعض العاملين في المشروع، او المستشارين، او المحامين) لا يؤدي الى انحسار صفة السرية عن المعلومات طالما يوجد التزام على هؤلاء بكتمان هذه الاسرار وعدم الافصاح عنها.
كما لا يشترط ان تكون المعلومات السرية متاحة لمشروع واحد، اذ يكون هو الحائز الوحيد لتلك المعلومات، فتوافر المعلومات السرية لعدد محدود من المشروعات المنافسة لا يؤدي الى زوال صفتها السرية طالما ان المعلومات غير المعروفة على نطاق واسع في مجال التخصص المتصل بالنشاط. فمن المتصور ان يتوصل أكثر من مشروع الى ذات المعلومات في وقت واحد من خلال البحث والتطوير، ومع ذلك تبقى السرية قائمة طالما بقيت المعلومات غير متاحة لباقي المشروعات العاملة في مجال فرع التخصص المتصل بالنشاط.
وطالب المحاضر بوجود قيمة تجارية للمعلومات نظرا لسريتها، وهذا الشرط يعكس الحاجة نحو حماية الاستثمارات التي تخصصها المشروعات للتوصل الى المعلومات والمعارف الجديدة بما يخدم ويطور الاداء الاقتصادي للمشروع.
ولا يلزم تقدير قيمة المعلومات بدقة للتحقق من توافر هذا الشرط، اذ يكفي ان تكون المعلومات نافعة او مفيدة في مجال نشاط المشروع، لأن فائدة المعلومات او مقدار نفعها هي التي تجعل لها قيمة اقتصادية في مجال النشاط. ويعتبر الشرط متحققا اذا كانت المعلومات السرية تعطى لصاحبها ميزة نسبية في مجال نشاطه في مواجهة منافسيه الذين يجهلونها.
ومضي يقول: نجد هذا واضحا في الولايات المتحدة الاميركية في مدونة المسئولية عن الفعل الضار لسنة 1939، اذ عرّفت سر التجارة في القسم 757 بأنه أي وصف او تصميم او اسلوب او مجموعة من المعلومات التي تستعمل في العمل، فتعطي لصاحبها فرصة الحصول على ميزة نسبية في مواجهة منافسيه، الذين لم يسبق لهم استعمالها.
ويكفي لتحقق شرط وجود قيمة اقتصادية للمعلومات احتمال ان تصبح للمعلومات السرية قيمة اقتصادية في المستقبل، فلا يشترط ان تكون قيمتها حالّة.
لاشك ان القيمة الاقتصادية للمعلومات ترتبط بالسرية، لأن قيمة المعلومات تنخفض كلما زاد عدد حائزيها، كما ترتبط بمدى صعوبة او سهولة حصول الغير على المعلومات بوسائله الخاصة. وبمعنى أكثر وضوحا يجب ان تكون المعلومات السرية حصيلة جهود بذلت او مبالغ مالية انفقت للتوصل إليها.
كما طالب باتخاذ حائز المعلومات تدابير جدية للمحافظة على السرية، بحسب طبيعة المعلومات وقيمتها ونوع النشاط الذي تستخدم فيه، ودرجة المخاطرة التي ينطوي عليها كشف المعلومات. فالاجراءات أو التدابير البسيطة التي تتخذها منشأة صغيرة للحفاظ على أسرارها التجارية مثل مجرد وضع المعلومات في حجرة أو مكان مغلق، قد تعد كافية، بينما تحتاج المشروعات الكبيرة إلى اتخاذ اجراءات أمنية أكثر تعقيدا للمحافظة على أسرارها التجارية.
ومن أمثلة الاجراءات أو التدابير التي يمكن اتخاذها: حظر دخول أماكن معينة في المنشأة إلا لعدد محدود من الاشخاص الذين يشغلون مستوى الإدارة العليا في المنشأة واستخدام رموز أو كلمات سرية لفتح الأبواب المغلقة الخاصة بأماكن تخزين المعلومات وتعيين حراسة دائمة على أماكن وجود المعلومات ومراقبتها عن طريق الكاميرات الخفية والاحتفاظ بالمعلومات بعد تشفيرها باستخدام شفرة معقدة واستخدام أجهزة الانذار في حال محاولة اختراق أنظمة الحماية ووضع تحذيرات على الملفات أو الأوراق التي تحتوي على المعلومات تفيد سريتها، ووضع اعلانات في أماكن العمل تلفت انتباه العاملين وتذكرهم بالالتزام بالحفاظ على سرية المعلومات.
ومن المعلوم أن السر في تفوّق شركة كوكاكولا الأميركية في مواجهة الشركات التي تنافسها في مجال صناعة المياه الغازية يرجع إلى نجاحها في كتمان سر الوصف Formula الخاصة بالمادة التي تستعمل في صناعة مشروب الكوكاكولا منذ مدة تزيد على قرن من الزمان وحتى الآن.
واستشهد العميد بانه في سنة 1977 أوقفت شركة كوكاكولا نشاطها في الهند وسحبت استثماراتها لحماية الوصفة السرية Secret Formula لمشروب الكوكاكولا، على رغم مزاولة الشركة نشاطها في الهند منذ مدة تزيد عن خمسة وعشرين عاما، ماضية وكبر حجم السوق الهندي التي تضم حوالي 550 مليون شخص يشربون الكوكاكولا. ويرجع السبب في ذلك الى أن الحكومة الهندية طلبت من شركة كوكاكولا ان تبيع 60 في المئة من أسهم الشركة إلى مساهمين هنود، وأن تكشف للجانب الهندي عن الوصفة السرية Secret Formula لمشروب الكوكاكولا أو تنهي نشاطها في الهند تطبيقا للقانون الذي صدر آنذاك، والذي أوجب على الشركات الأجنبية التي تزاول نشاطها في الهند أن تتخلى عن الادارة للجانب الهندي، كما ألزمها بنقل التكنولوجيا. وقد جادلت شركة كوكاكولا الحكومة الهندية وحاولت اقناعها - من دون جدوى - بأن الوصفة السرية Secret Formula لمشروبها ليست تكنولوجيا، وإنما هي سر تجاري Trade secret ومن ثم فهي لا تخضع لأي التزام وفقا للقانون الهندي المذكور بكشف الوصفة السرية. وأخيرا قررت الشركة ايقاف نشاطها في الهند وسحبت استثماراتها، إذ وجدت أن هذا القرار أفل لها بكثير من كشف الوصفة السرية Secert Formula لمشروب الكوكاكولا على رغم ما تكبدته من خسائر هائلة
العدد 141 - الجمعة 24 يناير 2003م الموافق 21 ذي القعدة 1423هـ