ونحن نتابع باهتمام حركة الحجاج في الاراضي المقدسة، اذ تتجه أنظار العالم إلى هذه البقعة الطاهرة في تمثيل واضح لاستجابة المسلم لنداء الله «لبيك اللهم لبيك» فالحج يتميز من بين العبادات بأن له أبعادا مختلفة وعطاءات كثيرة وامتيازات لا تتوافر في عبادات أخرى، فهو الفرض الأوحد الذي يؤدى في زمن معين ومكان معين.
ولاشك في أن لهذا معنى كبيرا ومهما، اذ يلتقي المسلمون في هذا الشهر من كل سنة في مكان واحد ليؤدوا فريضة وركنا من أركان الدين الذي بني عليه الإسلام. ولكي نطوف بأبعاد هذه العبادة ونسعى بين عطاءاتها.
وفي منتدى «الوسط» لهذا اليوم نتطرق إلى «فلسفة الحج» وأبعادها المختلفة، اذ يشاركنا الحوار كل من السيد محمد الغريفي والشيخ عبدالرحيم المحمود والسيد جعفر العلوي.
وكنا نأمل لو حضر أحد مشايخنا الكرام الذي وعدنا مسبقا بالحضور وحال دون ذلك انشغاله بسفر مفاجئ... وفيما يلي نص الحوار:
ما فلسفة الحج وأبعادها المتعددة؟
- الغريفي: تتميز فريضة الحج وهي أحد الفرائض التي فرضها الله بامتيازات كثيرة فلها أبعاد متعددة وعطاءات متنوعة، وأرى أن للمنظور الروحي أهمية كبيرة، اذ يصوغ هذا المنظور الحج صوغا تاما ينسجم مع المكان والوضع الذي يعيشه الحاج، فقد يدرك الحاج الوضع الفقهي ويتم الحج من هذا الجانب ولكن يكون حجه منقوصا من الجانب الروحي، ومثال ذلك ما يقال في مقام الصلاة «لا خير في صلاة لا تأمرك بمعروف ولا تنهاك عن منكر»، وهنا سؤال يطرح نفسه وهو كيف نتعاطى مع الحج روحيا؟
ولنا أن نعرف أن المضمون الروحي يشكل القلب النابض لكل العبادات فلابد ألا يطغى الجانب الفقهي على الجانب الروحي، ونتساءل: كيف نفهم الحج روحيا؟ إن الحج يمثل هجرة إلى الله وعليه فإن على الحاج أن يدرك أن سفره هذا لطاعة الله حتى يتزود روحيا وينفتح على الله من كل قلبه، ومن هنا فإن على الحاج أن يدراك أن هناك سفرا أكبر من سفره إلى بيت الله وهو سفره إلى الآخرة فيتهيأ روحيا لهذا السفر ويصوغ نفسه لحج بيت الله.
كما أن على الحاج إذا مرّ بمحطات الحج المختلفة (الميقات والإحرام والغسل... الخ)، أن يتمثل محطات الآخرة (الصراط والمحشر والقيامة... الخ). فبقدر ما يتعبّأ الحاج روحيا في بيت الله سيكون مذخورا للآخرة، فهناك عدة استعدادات يجب على الحاج أن يمارسها استعدادا لحجه، فأولها طهارة المال الذي يحج به وثانيها طهارة القلب والروح وأقصد منها مقدمات الإحرام، اذ يقول الإمام السجاد (ع) للشبلي: «فحين تنظفت نويت انك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله» وفي هذا إشارة من الإمام مفادها أن على الحاج ألا يغفل عن الجانب الروحي في هذه النظافة.
ويتابع الإمام قائلا: «وحين اغتسلت نويت انك اغتسلت من الخطايا والذنوب، وحين تجردت من المخيط نويت انك تجردت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات»، واما الاستعداد الثالث فهو طهارة البطن من الحرام وذلك لأن الأكل الحرام يسبب خمولا روحيا، فهناك من الناس من يقول: «لا أرى أثرا للعبادة على نفسي» وقد يكون أحد الأسباب في ذلك هو الأكل الحرام، والاستعداد الرابع هو طهارة الجوارح من المعاصي، وتمثل التلبية شعار الهجرة إلى الله ومعنى هذا الشعار أن كل ما أملكه هو لك يا رب.
ويعبّر الطواف حول البيت عن لحظة العروج إلى الله، فينبغي على الحاج حين طوافه أن يتذكر أن هذا البيت طافت حوله الملائكة وطاف حوله الأنبياء وخصوصا نبينا محمد (ص)، وينبغي التشبه بالروحانيين حين الطواف وأن يعمل على أن يكون طوافا من القلب فيعترف بكل ما اقترفه طوال عمره ويتوب... لا أن يطوف ببدنه وقلبه بعيد عن ذلك، وألا يستهتر بالطواف فهو يدلل على الوحدة الإيمانية، وبعد ذلك الصلاة عند مقام إبراهيم (ع) فهي تعبر عن استلهام هجرة إبراهيم ما يعطي لهجرتنا قوة اكبر.
ويدلل كل موقف من مواقف الحج على معنى، وعلى الحاج أن يُخطِر هذا المعنى الروحي لكي يدرك حقيقة الخ...
- المحمود: لاشك في أن لعبادة الحج فلسفة تميزها عن بقية العبادات لكونها تضم أكثر عدد من السكان في بقعة واحدة فهو مؤتمر عظيم يجمع فئات مختلفة في بقعة واحدة وهذا يلهمنا الوحدة التي يحتاجها المسلمون، وهي فريضة تجمع الغني والفقير والحاكم والمحكوم فتعطينا مظهرا من مظاهر الوحدة التي تبنى عليها الوحدة الإسلامية في كل مكان من بقاع الاراضي الإسلامية، وتعطينا هذه العبادة درسا آخر وهو أن الحاج فيها لا يأخذ معه أي شيء من هذه الدنيا ولا يأخذ إلا زاد التقوى كما قال الله «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى» (البقرة: 197). فلهذه العبادة معنى سامٍ يجرد الإنسان كل مظهر من مظاهر الدنيا، ففي كل عبادة تجد مظهرا من مظاهر الدنيا، فمثلا في الصلاة يلبس الإنسان أي لباس، أما في الحج فإن له زيّا خاصا يذكر الحاج بأنه عما قريب سيرحل عن الدنيا بهذا اللباس الذي حج به، ويذكرنا بأن هذه الدنيا مهما طال وقتها فإنها قصيرة الأمد، ويذكر الحج الإنسان بيومين عظيمين وهما يوم ولادته ويوم وفاته فكلاهما كان فيهما الإنسان لا يملك شيئا.
ومن معاني الحج وفلسفته انه يلفت انتباهك إلى ضرورة أن يكون عملك صالحا وان تتجرد عن الدنيا ولا تلتصق بها، فيعمل في هذه الدنيا كما قال الإمام علي (ع) «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا»، ونستلهم من الحج أيضا التسليم المطلق لله، اذ لا يعترض الحاج على أي فعل من أفعال الحج من لباسه وأعماله كما يقول الله «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» (الأنفال: 24) فحياة الإنسان في الآخرة تتوقف على استجابته لأوامر الله في هذه الدنيا.
وعندما يطوف الإنسان حول الكعبة فلا يعترض على طوافه حول حجر، فترى الحاج يطوف حول حجر ويقبّل آخر ويرمي ثالث وكل هذا دليل على تسليم الإنسان لما يأمره الله، وفي ذلك يقول الخليفة عمر بن الخطاب (رض) مخاطبا الحجر الأسود: «والله اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك» فهو إذعان في كل أمور هذه العبادة، ويقول الرسول (ص): «ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عن شيء فدعوه».
ومن معانيها أيضا أنها عبادة ليست مفروضة على كل الناس وانما على المستطيعين فأسقط الحج عمّن لا يستطيع الذهاب إلى الحج، فعلى الإنسان أن يحضر بكله فيها ويخلع لباس الدنيا ويلبس لباس الآخرة، ومن معاني الحج أيضا درس المساواة، اذ يتساوى الحجاج في كل شيء من اللباس إلى غيره ولا يمتاز الناس عن بعضهم بعضا إلا بالعمل الصالح.
- العلوي: إن ما يفرق بين الحج وبقية العبادات هو أن لهذه الفريضة أبعادا روحية واجتماعية وسياسية واقتصادية ولعل قول الباري «ليشهدوا منافع لهم...» (الحج: 28) تشير إلى هذا المعنى من الأبعاد وباستطاعتنا تلخيص بعض هذه الأبعاد والأهداف، فأولاها أن في هذا الحج إحياء للامة عبر تقوية روابط الأمة بخالقها وبتقوية الأمة ببعضها بعضا وتقوية ارتباطها بالدين منهجا، ومن الأهداف ايضا تجلي عظمة الأمة من خلال هذا التدافع العظيم والحضور الواسع وانه ينبغي لها أن تكون هكذا في محافلها الدولية.
وثالث الأهداف هو الارتقاء الروحي والذي تناوله الغريفي وفي هذا الجانب يتكفل الحج بغسل ذنوب الحجاج التي ارتكبوها في ماضي حياتهم ويرتقي بهم نحو الله، ورابع الأهداف هو تعليم المسلمين بيوم الحشر الأكبر، اذ يستشعر الحاج من خلال لباسه ذلك اليوم الذي سيخرج فيه من الدنيا بهذا اللباس ولن يحمل معه أي شيء من هذه الدنيا، والهدف الخامس هو انتفاع المسلمين من بعضهم بعضا روحيا واقتصاديا وفكريا وغير ذلك من الأبعاد.
تعتبر فريضة الحج العبادة الوحيدة التي تؤدى في زمان ومكان واحد فما دلالة ذلك؟
- العلوي: إن ذلك يساهم في خلق الوحدة لدى الأمة الإسلامية، فعندما يجد المسلمون أنفسهم متماثلين في اللباس والطريقة فإن ذلك سيعطي إشارة إلى ضرورة تذويب الفوارق والحواجز التي خلقتها الأوضاع الاجتماعية ويساهم ذلك في جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم.
- الغريفي: أتفق مع ما قاله العلوي، واشير هنا إلى نقطة وهي أن هناك من فلسفة الحج ما يكون غائبا وفوق قدرة فهم البشر فقد يسأل سائل عن سر عدد الأشواط والجمرات فلو اجتهدنا كل الاجتهاد وأوّلنا ما استطعنا فلن نصل إلى حقيقة ذلك الأمر، فحين يشرّع الله أمرا تكون فيه مصلحة تامة يجب على المكلف الانصياع التام للأوامر الإلهية فغاية الفرائض هي عند الله عز وجل.
أيهما افضل لمن حج أن يعدّد حجاته أو أن يتبرّع بها إلى فقير أو يعين محتاجا مثلا؟
- العلوي: تشجّع الكثير من الروايات على أن يعين الأغنياء الفقراء على الحج، ولكن هناك الكثير من الروايات تؤكد أن على الإنسان الاهتمام بالحج في كل سنة، اذ يقول الدعاء «وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام»، وعليه فإنه من المهم أن يسعى المؤمن إلى أن يحقق هذه الأمنية وألا تبقى أمنية فقط، وعموما فإنه على المؤمن أن يكون متزنا بين أن يسعى إلى مساعدة الآخرين ليحجّوا وأن يسعى هو للحج في كل عام إن استطاع.
- المحمود: فُرِض الحج على المسلمين مرة واحدة ومن زاد فتطوعا، ولاشك في أن لهذا التطوع معاني كثيرة كما قال الرسول (ص): «تابعوا بين الحج والعمرة»... الخ. فذلك يساهم بشكل كبير في محو الذنوب، ولكن لو وجد المسلم ضرورة من ضرورات المسلمين فإنه من الأولى أن يدفع المال إلى قضاء حاجة المحتاجين أو في نصرة الإسلام والمسلمين من التطوع للحج. وللعلم فإن المسلم إذا نوى الحج تطوعا كتب له ذلك وسيزيد ثوابا إذا بذل مالا لعزة الإسلام والمسلمين.
- الغريفي: الحج معاهدة مع الله ونفس الإنسان الأمارة بالسوء، فيجدد البيعة في كل عام مع الله وخصوصا أن هناك من الذنوب التي لا تغتفر إلا في عرفة، ولكن ورد في الروايات أيضا: «لَقضاء حاجة مؤمن خيرٌ من طواف البيت سبعين مرة» وليس المقصود هنا «الحج الفريضي»، وإذا حصل تكاسل في الأمة عن الذهاب الى الحج فإن على المراجِع أن تبذل أموالا للأمة حتى يحجوا، فيكون هناك توازن في الموضوع فمن الأهمية قضاء حوائج الناس على ألا يكون سببا في التهاون عن الحج.
ماذا لو تزاحم الأمران؟
- الغريفي: في حال تزاحمهما يكون قضاء حاجة المؤمن اكثر ثوابا.
ما رأيك في نظام «الكوتا» الذي فرض على حملات الحج البحرينية؟
- الغريفي: على وزارة الشئون الإسلامية أن تعيد النظر فيه بجدية وذلك لأن البحرين ليس بلدا مليونيا حتى يحدّد عدد حجاجه، فعدد حجاج البحرين عدة آلاف ولا يخاف منهم أن يُحدثوا تزاحما، وفي تطبيق هذا النظام سيكون كارثة على الناس لأن أصحاب الحملات (المقاولين) سيرفعون السعر لقلة عدد الحجاج، وخصوصا إذا عرفنا أن عدد الحجاج الجدد لا يتجاوز الربع فقط من مجمل الحجاج، كما أن بقية دول الخليج والتي يكون فيهم عدد الحجاج أكبر لم يوقّعوا عليه وندعو وزارة الشئون الإسلامية إلى إيقافه.
- العلوي: لم تطبق أكثر دول الخليج هذا النظام وذلك لخصوصية هذه الدول ومن بينها البحرين التي تتميز بعدد سكاني بسيط، وعند تطبيق هذا القانون لن يتجاوز عدد الحجاج الـ 2000 حاج، وهذا سيخلف حالا غير مستحسنة عند شعب البحرين الذي لم يتعوّد على مثل هذه الحالات وهنا انتهز الفرصة لأدعو وزارة الشئون الإسلامية إلى إعادة النظر في هذا القانون.
- المحمود: يحقق نظام الكوتا نوعا من التنظيم فلو ترك الباب مفتوحا أمام كل القادرين على الحج من المسلمين لضاق مكان الحج ولكان سببا في خلق بعض الحساسية بين المسلمين، إذ سيكون التدافع بينهم سببا في ذلك ولن يجد الكثير من الحجاج مكانا لممارسة شعائر الحج، وليست هناك ضرورة إلى تطبيقه في مثل مملكة البحرين لكن التنظيم له من الأهمية الشيء الكثير.
ما البعد السياسي للحج؟
- الغريفي: إن من أهم العطاءات السياسية من فريضة الحج هو تحقيق وحدة المسلمين وإلغاء التمايز فيما بينهم والفروقات التي تسبب الكثير من الحواجز بين أفراد هذه الأمة، وهناك جانب مهم في الحج وهو كيف نربط الحج بواقعنا؟ فإن المسلمين يعيشون كثيرا من المشكلات التي تنتج من عدم التواصل، وخصوصا في ظل وجود فئات تريد زرع الفتنة بين المسلمين، وعلينا أن نعي كيفية تحريك ثقافة الوحدة وكيف نقرأ الآخر قراءة منصفة وان نتعرف على أوضاع الشعوب الأخرى وهمومهم فالحج مؤتمر عبادي سياسي.
أين دور الإعلام؟
وينبغي على وسائل الإعلام المختلفة أن تعقد الكثير من الندوات والمحاضرات لتحريك معاني الحج الثقافية والروحية والاجتماعية فللإعلام دور كبير في بلورة رؤية واضحة لحجاج بيت الله الحرام، وهنا أطالب الإعلام بأن يُنشئ ملتقيات تساهم بالارتقاء بالمستوى العبادي والروحي للحاج، كما اننا نستطيع الاستفادة من الأضاحي، اذ يتم التنسيق مع المسئولين في السعودية بجلب الأضاحي إلى البحرين وتوزيعها على الفقراء فإن ذلك سيكون له مردود إيجابي كبير على الأسر الفقيرة.
- المحمود: للحج بعد سياسي لا يغيب عن بال المسلم فهو يدل على وحدة المسلمين على اختلاف الشعوب ويربطهم بكل الأبعاد، فيعيش المسلمون حوادثهم التي تتفجر في كل لحظة، ويستطيع الحج حل مشكلات المسلمين عبر تحاور مفكريهم الموجودين في الحج ومناقشة سبل علاجها، كما أن الحج يخلق المساواة بين المسلمين على رغم تمايزهم ماديا وحسبا ونسبا، ومن عطاءات الحج انه يجعلنا نشعر بقوتنا وعدم الركون إلى القوى المستكبرة وان نشد عضد بعضنا بعضا
العدد 155 - الجمعة 07 فبراير 2003م الموافق 05 ذي الحجة 1423هـ