زوبعة تهديد الأمن الوظيفي وبالتالي الأسري التي أحدثتها بتلكو خلال تلويحاتها الجهورة بنية تسريح عدد لا يستهان به من كبار المديرين وصغار الموظفين العاملين بالشركة تقرع جرس الإنذار، لتلوح إلى خطر أشد وأنكى من فعل صفارة الإنذار... فإن تمت سياسة تقليص النفقات والموظفين على أثرها التي أعلنتها الشركة أخيرا بذات الحذافير المبيتة فإن ذلك يمهد الطريق للشركات الأخرى لاتخاذ خطوات قطع أرزاق العمال بذات الذريعة ومن دون مرحلة طويلة من العناء والتدابير الدعائية.
ففي الوقت العصيب الذي يترقب فيه مئات الموظفين العاملين في شركة الاتصالات التي تحقق أرباحا خيالية عاما بعد عام قرارا إداريا بالاستغناء عن خدماتهم الطويلة ولا سيما بعد تسرب قائمة بأسماء 800 موظف تخطط الشركة إلى تسريحهم على دفعات، يبقى كل من ورد اسمه في القائمة على أحر من الجمر في ارتقاب الورقة التي تسمى قرار التسريح في كل ساعة ودقيقة.
وفي المقابل، امتد أرق الترقب هذا من أقسام وفروع الشركة المختلفة إلى بيوت الموظفين، وصارت زوجات الموظفين وأبناؤهم يقاسمونهم الهم والترقب القاتل... فهذا مكبل بديون عدة، وهذا ينفق على أبنائه الدارسين في الجامعة، وتلك مطلقة ولا تجد من يعيلها وأطفالها وأخرى تنفق على ثلاثة بيوت... ومشاهد الوجع الإنسانية جراء تهديد الأمن الوظيفي والأرزاق بالتالي لا تنتهي، حتى أن إحدى الموظفات وجدت اسمها واسم زوجها في القائمة المشئومة التي يرجح أكثر الساخطين على القرار في الاعتصام التي نظم أخيرا أمام مركز بتلكو التجاري أنها انتشرت بإيعاز من الإدارة ذاتها لا تسربت من دون علمها كما تروج التصريحات الأخيرة.
بعيدا عن لغة المنافسة والتقليص والتسريح والاقتصاد في النفقات، فإن جوانب إنسانية عديدة غضت الطرف عنها الشركة بقرارها هذا، فهؤلاء الموظفون الذين تتجاوز سنوات خدمة بعضهم 30 عاما خدموا بإخلاص وتفان طوال تلك السنوات وترقى عدد كبير منهم إلى مناصب قيادية وإدارية بفضل الإخلاص عينه، والآن بالسهولة بمكان التخلي عن خدماتهم وببساطة شديدة.
إعادة تدوير العمالة
وبعيدا عن اللهجة المتحاملة يطرح البعض فكرة إعادة تدوير العمالة الفائضة عوضا من أن يجدوا أنفسهم في الشارع من دون وظيفة يسترزقون منها في هذه الحالات التي تجد فيها الشركات الكبرى أن شبح المنافسة صار يهدد، في الوقت الذي يفضل البعض تعرية الواقع بعيدا عمّا يقال عن العقلية التآمرية والنعرة الطائفية.
لكن النقمة على واقع الحال والسخط من سوء الخاتمة بعد سنوات العطاء جعلت المعتصمين يتحدثون بلكمات من نار، لم تخلُ من نكات التهكم والسخرية من سياسية الإدارة التي مارست الإقصاء والتمييز الفئوية وقربت البعض لترفعه إلى أعلى الكراسي وأقصت البعض لدرجة التهميش، حتى أن عددا من المعتصمين فضل رفع لوحات كاريكاتيرية متندرة في مقابل الشعارات الكثيرة التي ناهضت تفعيل نية التسريح.
وبمناسبة الحديث عن الشعارات، رفع المعتصمون من نساء ورجال وأطفال شعارات صبغت هي الأخرى بعبارات استنكار واقع الحال، إذ كانت أرباح الشركة التي تصل إلى 80 مليون دينار في مقدمة الشعارات الساخطة، تضاف إليها عبارات أخرى ناهضت الإصرار على بقاء العمالة الأجنبية على رغم الرواتب العالية والحرص على توظيف وترقي عائلات معينة وأصول معينة دون غيرها، في مشهد قريب من مقاسمة الإرث على حد تعبيرات استخدمت في بيان نقابة عمال بتلكو.
كتب المعتصمون أن الـ 80 مليونا تفتح آفاق العمل لا تغلقها، وشعارات أخرى طالبت بإيقاف التسريح القسري وجعل التقاعد اختياريا لا إجباريا وتفعيل تكافؤ الفرص في التوظيف والترقي وإعطاء مساحة أكبر لتحرك النقابة العمالية وبالتالي الاعتراف الكامل بالدور الذي تلعبه.
وتحدث المعتصمون مطولا عن نظام التقييم المستحدث والذي يخضع فيه الموظف للتقييم لا وفق المعايير العلمية بل لطبيعة العلاقة التي تربطه بمسئوله المباشر وللمزاجية في الرقعة الأوسع، بعيدا عن مقاييس الإنتاجية والقدرات الإدارية والفنية.
تهكم وحالات مجهرية
«الوسط» قضت ساعات في أوساط المعتصمين وحصدت حالات مجهرية تعكس واقع حال مئات المنتظرين لقرارات قصف الأرزاق بحجج المنافسة ومشروع (على أهبة الاستعداد) وإعادة الهيكلة.
يقول نبيل حبيب العابد (42 سنة) ولديه ستة أبناء جميعهم في المدارس: «خدمت الشركة لأكثر من 21 سنة وبالتدرج وصل راتبي إلى 500 دينار تقريبا (...) لم يكن التلويح بالاستغناء عن خدماتي مفاجئا، لطالما كان وضعنا مهددا طوال السنوات الثلاث الأخيرة بعد موجة الغطرسة التي انتابت عددا من المديرين بمن فيهم مديري».
ويضيف: «لغة التهديد والوعيد لم تكن وليدة اللحظة، وغالبية الأسماء المدرجة في القائمة كانت مهددة قبل الإعلان عن سياسة تقليص النفقات، وبعد توقيعي العريضة التي رفعت لجلالة الملك قبل عامين والتي طالبت بإيقاف التمييز ووقف تسريح الكفاءات، بدأت الحرب الداخلية إذ الدسائس والتهديد والوعيد اليومي، إلى أن وصلنا إلى مرحلة حوصرنا فيها في أرزاقنا وأرزاق عيالنا».
محمد المحروس لديه أربعة أبناء ويعمل فني اتصالات قال: «بعد هذا العمر يريدون منا البحث عن وظائف أخرى، فالشركة التي قضينا فيها سنوات الشباب كلها وأخذت من قوتنا وطاقتنا وعمرنا الكثير لم تعد تتسع لنا (...) الأزمة الاقتصادية العالمية لم تدع متنفسا للبحث عن وظائف بديلة، ومن ثم فإن أزمة العاطلين عن العمل أجدى باسترعاء الأنظار والجهود، لكن سياسة شركة بتلكو تريد مضاعفة أعداد البطالة لا المشاركة في التقليل منها».
يقاطعه زميله محمد رضا ليقول: «على الأقل فإن العاطلين غالبيتهم من الشباب، يبدأون حياتهم للتو، لكننا قضينا نصف عمرنا في خدمة الشركة وفي ارقابنا عوائل وديون ولا ندري ما المصير».
يعود المحروس للحديث: «أصبحت بيوتنا غير مستقرة، والهم تسلل إلى الأبناء، فبعد أن اعتادوا على مستوى معيشي معين يجدون فيه مطالبهم متوافرة قدر المستطاع صاروا يقاسمونني كوابيس التسريح وهواجس المستقبل المظلم، لذلك فإننا سنعتصم وأطفالنا في المرة المقبلة علها ترق لحالنا قلوب المسئولين».
عارف عبدالمجيد فني اتصالات دولية لديه ولد وبنت قال: «أسكن شقة بالإيجار، وزوجتي لا تعمل، واسمي في القائمة المرشحة للتسريح، وفي حال تم ذلك سأجد نفسي وعائلتي في الشارع».
من المسئول عن كشف الأسرار؟
وقال عارف مستنكرا تسرب القائمة من دائرة الموارد البشرية: «لا يجرؤ أي موظف مهما علت درجته على تسريب هذه النوعية من المعلومات السرية، فشرف المهنة يمنع ذلك، إضافة إلى العواقب المترتبة على التسريب في حال التعرف على هوية مرتكبه، ونحن جميعا وقعنا عند التوظيف على تعهد بصون أسرار الشركة تحت كل الظروف، لذلك فإن المنطق يقول إن الإدارة هي التي سربت القائمة لتحدث كل هذه الضجة وتستطيع من خلالها التحرك بعلانية».
وزاد: «نفسيتنا معدومة، والديون تحاصرنا، وهناك قائمة وصلت إلى أيدي البنوك ليتوقف أي قرض لنا (...) والمصاب الأكبر هو نظام التقدير المستحدث الذي يفضي للمسئول وضع تقديرات مزاجية بعيدا عن الأداء والانتاجية، وعلى ضوئها يتم إعداد القوائم المرشحة للتسريح».
إحدى الموظفات خدمت الشركة لأكثر من 17 عاما رفضت ذكر اسمها ليس بدافع الخوف إنما لعدم الرغبة في الظهور قالت: «أعمل في قسم الحاسوب، وفي يناير/كانون الثاني الماضي أوكلوا لي مهمة مشروع تطوير خدمات الانترنت بكلفة وصلت إلى ربع مليون دينار، ووسط تنفيذ المشروع قالوا لي أخرجي من الشركة لأنني لا أتمتع بموقع يحميني من دون مقدمات أو دواعي منطقية».
«والتناقض الذي توقع فيها الإدارة نفسها إنها تستغني عن الكفاءات والخبرة وفي المقابل فإن عمليات التوظيف مستمرة بعيدا عن الكفاءة وتكافؤ الفرص، كما أنني أجد في القسم أجانب لا يؤدون أدوارا أساسية تصل رواتبهم إلى 3 آلاف دينار ناهيك عن الامتيازات الأخرى (...) والمصيبة أنني أخذت قرضا إسكانيا من الشركة العام الماضي ووضعت نفسي في قروض أكبر من طاقتي فقط لأنني كنت في أمان وظيفي ووضعي غير مهدد، لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسا على عقب وصرنا في الحال النقيض».
أما موزة راشد فهي مطلقة وتعيل ثلاثة أبناء فوجعها أكبر، فقد التحقت بالشركة منذ ثماني سنوات فقط وبالتالي فإن نظام التقاعد لا ينطبق عليها، والتعويض المتوقع لا يغطي مبلغ القرض المدانة به للبنك، قالت: «التسريح لم يفاجئنا، فالتمييز بين الموظفين قديم، قبل فترة منح كل الموظفين درجة واستثنيت ومعي موظفتان أخريان بذريعة أننا غير مؤهلات وتنقصنا الثقافة، تأتي موظفات جديدات ويتدربن على أيدينا ويصعدن على رؤوسنا ويستلمن رواتب أعلى منا وبالتالي نحن نخرج وهن يبقين».
نادر سليمان (29سنة) خدم الشركة لأكثر من عشر سنوات: «قال أين المكافآت المجزية التي تحدثوا عنها، نحن لا توجد لدينا حقوق تقاعد ونحن ملزمون بأسر نصرف عليها».
بعد خدمة 27 عاما!
أما فاطمة أحمد التي عملت في الشركة قبل 27 عاما فقالت: «بعد كل هذه السنوات لتوي رشحت إلى موظفة الشهر المثالية، والآن أجد اسمي في القائمة، أنا أصرف على ثلاث عوائل، فأختي مطلقة ولدي أخوان يعانيان من أمراض نفسية ووالدي يكاد يفقد بصره».
محمد قمبر ( 50 عاما) ولديه عشرة أبناء انتقد التمييز في منح القروض الإسكانية ويصر على الحصول على قرض من الشركة بعيدا عن إن كان اسمه في القائمة أم لا.
أما كريم باقر فعلق على الإبقاء على الأجانب وتسريح العمالة الوطنية التي تتقاضى رواتب أقل بكثير، مشيرا إلى أن «ممارسات التمييز على أسس طائفية موجودة في الشركة ومنذ سنوات».
قلة من النواب لم يكونوا بمنأى عمّا يحدث، فقد شارك النائبان عبدالنبي سلمان وعبدالهادي مرهون في الاعتصام الأخير واضعين عبارات جريئة على صدريهما فيما اكتفي العدد الأكبر من النواب بمطالعة الصحف في اليوم التالي ولم يلتفت البعض منهم إلى خبر الاعتصام.
عبدالنبي سلمان انتقد الوضع بقوة معلنا وقفته بجانب عمال بتلكو بدافع من الأمانة والواجب الوطني، وقال: «إنهم أبناؤنا وإخواننا، ولا يجوز تركهم في الساحة وحيدين في مواجهة القدر الجائر»، مؤكدا أن قضيتهم عادلة وأن الرقم المهدد يصل إلى 800 موظف بالفعل لا كما جاء في تصريحات المسئولين الدعائية.
وقال: «نحن ندعو الشركة إلى عدم التسرع والتريث في القرار حتى لا تلقي بالموظفين إلى جحيم البطالة، وإلى إعادة هيكلة الشركة على أسس إدارية صحيحة لا على أسس المحسوبية والفئوية العائلية التي أضرت بسمعة الشركة وأطاحت بها».
وأضاف: «نحن نناشد الحكومة الوقوف بجانب الموظفين والحيلولة دون تسريحهم آخذين في الاعتبار الأرباح الطائلة التي تحققها الشركة سنويا من سواعد وجهود هؤلاء الموظفين المهددين».
فليسرح الأجانب أولا
«وإن كان ولابد من التسريح، فليسرح الأجانب أولا، ولتتفاهم الإدارة مع النقابة للتوصل إلى تسويات معقولة تراعي الجانب المعيشي والإنساني للموظفين».
إلى ذلك قال النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبدالهادي مرهون في حديث إلى «الوسط»: «ليس من العدل أن تقوم إحدى أكبر شركات القطاع الخاص في البحرين بالإساءة إلى العمالة الوطنية بهذه الطريقة في الوقت الذي تحقق فيه الشركة الأرباح الطائلة وبناء عليه ينبغي مكافأتهم على عطائهم وإخلاصهم لا تسريحهم».
«لابد من مراعاة الطواعية لا الإجبار، ولابد من وضع حقوق العمالة الوطنية في المقدمة ومراعاة الأسر والكرامة» مشيرا إلى أن مساعي التسريح تخالف مبادئ المساواة والعدل وتخالف الدستور والمواثيق الدولية، وقال: «الأجدى بالشركة الالتفات إلى قضايا الفساد المالي التي طالت مليونين ونصف المليون عوضا عن قطع أرزاق الناس البسطاء».
للنقابيين رأي...
إلى ذلك، قال النقابي عبدالله بوجيري: «سرحت شركات الطيران العالمية عددا من عملها بسبب حوادث 11 سبتمبر/ايلول بدافع الخسائر وهبوط الطلب على الخدمات، لكن ذلك لا ينطبق على بتلكو إذ أن الخوف من انخفاض طفيف في الأرباح نتيجة المنافسة المتوقعة لا يعتبر ذريعة».
وبحسب بوجيري فإن العمل المشترك ما بين الشركاء الاجتماعيين (عمال وحكومات) هو أداة الوقوف على الأسباب والعقبات للوصول إلى حلول مقنعة للأطراف كافة. «ففي الوقت الذي يسعى جلالة الملك إلى توفير حياة كريمة لمواطنين كافة نفاجأ بالتسريح الجماعي الذي سيرفع البطالة إلى أعلى مستوياتها ويهدد المجتمع بخطر الفقر والتفكك والجريمة».
فيما قال عضو الاتحاد العام لعمال البحرين أحمد الخباز «إن تقليص الأيدي العاملة وتقليل النفقات هي أحد مساوئ اتفاقية «الجات» والخصخصة، وهذا ما تنظر إليه الحركة النقابية بشيء من الريبة والحذر، وخصوصا أن الاتفاقية ستطبق نهائيا في العام 2005 مما يسمح بدخول شركات متعددة الجنسيات وعبر القارات، وهذا ما سيدفع إلى الاستغناء عن المزيد من العمالة الوطنية مما يترتب عليه تدهور اجتماعي وتبعات اقتصادية وضياع الكثير من الخبرات».
ويضيف: «لابد من خطة تدريب بعيدة المدى وبرنامج التحويل الوظيفي».
المحامي أحمد الملا أكد أن سياسة الاستغناء يجب أن تقوم على مرتكزات إنسانية واجتماعية وتنموية، مشيرا إلى أن الاستغناء يدلل بوضوح على غياب سياسات التوظيف القائمة على معايير علمية صحيحة وعلى التخبط الإداري والهيكلي، «فلا يمكن الحديث عن تحرير السواق وقوة المنافسة في ظل استمرار عمليات التوظيف على معايير فئوية وعائلية بحتة ومن دون توقف».
ويقول الملا: «بتلكو كانت على علم بموضوع المنافسة منذ 1994 وعلى رغم ذلك استمر التوظيف بعيدا عن الكفاءة ومبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وعلى رغم احتكار السوق والأرباح الخيالية جاءت مبررات المنافسة الشرسة وضرورة الاستغناء عن العمالة الوطنية».
ويرى عضو مجلس الشورى عبدالرحمن جمشير أن الاستغناء يجب أن يمس الـ 120 ألف عامل أجنبي في البحرين أولا شرط إحلال العمالة الوطنية المدربة المستعدة للعمل في أي وقت وفي أي قطاع، خصوصا ان الدستور في المادة (5 ج) يكفل تحقيق الضمان الاجتماعي في حال الشيخوخة والمرض والعجز عن العمل أو اليتم أو الترمل أو البطالة، إضافة إلى أن المادة (16) تنص على أن الأجانب لا يولون الوظائف العامة إلا في الأحوال التي يبينها القانون
العدد 195 - الأربعاء 19 مارس 2003م الموافق 15 محرم 1424هـ