يدور الحديث بقوة حول إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج لما له من تأثير كبير في الحد من الإصابة بأمراض الدم الوراثية في البحرين وخصوصا مرضي فقر الدم المنجلي والثلاسيميا.
وعلى رغم أن وزارة الصحة بذلت جهودا كبيرة طيلة الأعوام العشرين الماضية للحد منهما من خلال نشرات التوعية وبرامج التثقيف الصحي وإجراء الدراسات والإحصاءات اللازمة للوقوف على العوامل المسببة لهما، وكذلك توفير الفحص الطبي قبل الزواج بصورة مجانية بمختلف المراكز الصحية، فإن الإقبال على الفحص الطبي مازال يسير ببطء وربما يصطدم بالكثير من المعتقدات والاعتبارات الاجتماعية التي تقف حيال ثقة الأفراد بضرورته وأهميته ما دفع بالكثير من أعضاء مجلس الشورى إلى طرح برنامج قانون للفحص الطبي الإلزامي في العام 2000 ليتم رفعه بعد ذلك إلى الحكومة لدراسة جدوى القانون.
وقد بدت في الأونة الأخيرة بوادر موافقة على هذا البرنامج من خلال تقديم هذا البرنامج المهم إلى مجلس النواب لتتم دراسته، وكان الكثير من الجمعيات النسائية والأهلية قد طالبت بتطبيق القانون لتجنيب الأسرة معاناة أمراض الدم الوراثية التي تحدث نتيجة الزواج بين فردين كليهما مصاب او حامل للمرض او أحدهما مصاب او حامل للمرض.
ولإدراك أهمية تطبيق قانون يلزم الأفراد بالقيام بالفحص الطبي قبل الزواج في البحرين، يكفي النظر إلى واقع انتشار الاصابة التي تظهرها لنا الأرقام والإحصاءات في منطقة الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال إذا أخذنا إيران فهناك 1000 طفل يولد كل عام مصاب بالثلاسيميا وفي دولة الكويت هناك 1 من كل 7 افراد حامل لمرض الثلاسيميا، وفي دولة الإمارات تصل الاصابة بالثلاسيميا إلى 17 في المئة من إجمالي السكان وفي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية تصل النسبة إلى 30 في المئة من الأفراد الحاملين لمرض فقر الدم المنجلي، أما البحرين فهناك 13 في المئة من الأفراد حاملون لفقر الدم المنجلي.
هذا الانتشار لا يقتصر على دول الشرق الأوسط،إذ تنتشر أمراض الدم الوراثية أيضا في الدول الغربية، فمثلا في الولايات المتحدة ينتشر المرض انتشارا كبيرا بين الأميركيين من أصول إفريقية، وفي دول أوروبا ينتشر بين الأفراد المهاجرين من دول آسيوية.
رئيسة قسم الأمراض الوراثية وعضو في لجنة خبراء الوراثة في منظمة الصحة العالمية ونائبة رئيس الجمعية الأهلية لأمراض الدم الوراثية شيخة العريض تحدثت إلى «الوسط» عن أمراض الدم الوراثية والجهود التي تبذل بشكل فعال للحد منها وكذلك جدوى تطبيق إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج في البحرين.
تقول العريض: «في العام 1986 تشكلت لجنة وطنية لمكافحة أمراض الدم الوراثية في البحرين وقمنا بوضع برامج متعددة كان أهمها تطبيق الفحص قبل الزواج لتفادي وقوع المرض، ويمكن القول إن الفحص قبل الزواج بدأ الحديث عنه في العام 1993 ونحمد الله على أننا الآن نشعر بزيادة الوعي لدى الناس الذي انعكس على ارتفاع نسبة الإقبال على الفحص قبل الزواج، لكننا نتطلع إلى المزيد من هذا الوعي، أيضا بذلت الجمعية الأهلية لامراض الدم الوراثية التي تأسست في العام 1991 جهودا كبيرة في نشر الوعي وتثقيف الأفراد وطباعة الكتيبات التي تتناول أمراض الدم الوراثية وطرق الوقاية منها، ففي كل عام تقوم الجمعية بطباعة 50 ألف كتيب تتناول أمراض الدم الوراثية يتم توزيعها في أماكن مختلفة وخصوصا المدارس الثانوية.
وتضيف العريض: «منذ خمس سنوات بدأ التعاون بين وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم إذ قمنا بإجراء الفحص الطبي لطلاب المرحلة الثانوية وحتى الآن قمنا بفحص ما يصل الى 24 ألف طالب وهذا العام 2003 سنقوم بفحص 6000 طالب ونكون بهذا قد قمنا بفحص 30 ألف طالب. وهذا يعني ان الجيل الجديد الذي مازال على المقاعد الدراسية في المرحلة الثانوية او في مراحل الدراسة الجامعية خضع للفحص الطبي ويحمل بطاقة خاصة به تبين له ما إذا كان فردا سليما او حاملا لأي مرض من أمراض الدم الوراثية وإذا كان يحمل المرض نقوم باعطائة الإرشادات اللازمة وقد لعبت هذه الجهود دورا كبيرا في خفض نسبة الاصابة بأمراض الدم الوراثية في البحرين.
وتضيف العريض: «في العام 1986 أجريت دراسة عن المواليد الجدد في البحرين وتبين وقتها ان هناك 2 في المئة من المواليد الجدد في البحرين مصابون بفقر الدم المنجلي. هذا يعني أن هناك 200 طفل بحريني يولدون سنويا مصابين بفقر الدم المنجلي، ونتيجة لهذه الدراسة قمنا بزيادة الحملات المكثفة للحد من الاصابة بأمراض الدم واستمرت هذه الحملات منذ العام 1986 وحتى وقتنا هذا».
وفي العام 2002 أجرينا دراسة جديدة عن المواليد الجدد وجاءت النتيجة أن هناك 1 في المئة فقط من المواليد الجدد مصابون بفقر الدم المنجلي ما يعني أن النسبة انخفضت بمعدل 50 في المئة عن السابق. واصبح لدينا 100 طفل بحريني مصابين بالمرض بدلا من 200 طفل، لذلك نبذل الآن جهودا كبيرة لتخفيف هذه النسبة، فحتى ولادة 100 طفل بحريني تعتبر رقما كبيرا بالنسبة إلى بلد مثل البحرين».
واضافت العريض قائلة: لذلك تنصبُّ جهودنا في المرحلة المقبلة على مكافحة هذه الأمراض والقضاء عليها والآن نتطلع إلى خفض هذه النسبة من 100 في المئة إلى 25 في المئة أي ما نسبته 75 من الأطفال المرضى، وهذا الأمر يحتاج إلى فترة لا تقل عن 5 سنوات الى 10 سنوات نعمل خلالها على برامج تثقيفية وتوعوية مكثفة في مختلف مناطق البحرين وزيادة الفحوصات وبمراحل مختلفة.
وتشير العريض إلى أن الوزارة تقوم بتقديم الإرشاد اللازم للمريض تبعا لنوعية المرض المصاب به او الذي يحمله واهم هذه الإرشادات تتركز فيما يخص الزواج بحيث ننصح الفرد المصاب او الذي يحمل المرض بأن يختار فردا سليما لتفادي إصابة الأبناء.
أيضا يلقي الجانب النفسي بأهميته بالنسبة إلى مرضى أمراض الدم الوراثية، فترى العريض أن المعاناة النفسية للشخص المصاب عادة تكون قاسية فإحساس الإنسان بأن هذا المرض يرافقه منذ طفولته وبحاجته الدائمة لدخول المستشفى وتلقي العلاج بالتأكيد له اثر كبير على نفسيته، كذلك يؤثر على نفسيته عدم قدرته على القيام بالأعمال التي تحتاج إلى مجهود بدني كبير لذلك ينصح بمزاولة الأعمال المكتبية، وللأسرة أيضا التي لديها ابن او ابنة مصابة نصيب من هذه المعاناة النفسية، لذلك تتركز جهود منظمات الصحة العالمية على الحال النفسية للمريض بأي من أمراض الدم الوراثية وتحسين سبل العلاج لهم ونحن بدورنا نحاول دوما تشجيعهم ودعمهم لكي يكملوا تعليمهم ويخوضوا الحياة بصورة افضل ولدينا الكثير من الزملاء الأطباء هنا مصابون بأحد أمراض الدم الوراثية ولكن والحمد لله هم أناس ناجحون في حياتهم وقادرون على العطاء لمجتمعهم.
زواج الأقارب
وتشير العريض إلى أن زواج الأقارب ليس له تأثير كبير على الإصابة بأمراض الدم الوراثية لأن أمراض الدم الوراثية منتشرة أصلا في المجتمع، لكن إذا كانت العائلة تحمل الجين فهناك احتمال كبير بأن يكون ابن العم مثلا حاملا للجين، لكن هذا لا يعني احتمال الإصابة بسبب زواج الأقارب فقط، بل هناك إصابات تحدث من دون أن يكونوا أقارب فالجين منتشر في معظم المجتمعات العربية لذلك نؤكد أهمية الفحص الطبي قبل الزواج باعتباره الطريقة الوحيدة القادرة على تحديد الإصابة وليس الروابط العائلية.
تؤكد العريض أن إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج من شأنها تقليل الإصابة بأمراض الدم الوراثية في البحرين وان عملية الفحص وان أصبحت إلزامية فإن الإقدام على خطوة الزواج في حال وجود أي من الفردين حاملا للمرض عملية اختيارية وتعود إلى الزوجين بالدرجة الأولى مع احترام الخصوصية في الموضوع.
إلزامية الفحص قبل الزواج تأتي خطوة مدروسة بعد التقييم الفعلي الذي قامت به وزارة الصحة طيلة الأعوام العشرين الماضية للحد من الإصابات بأمراض الدم الوراثية في البحرين استشارية طب العائلة ومنسقة العلاقات الدولية والعامة بوزارة الصحة مريم الجلاهمة إذ تقول إن هناك توجها عاما لدى وزارة الصحة نابعا من تقييم فعلي بأن الوقاية خير من العلاج، وبالتالي قمنا بوضع مخطط لعدد البرامج الوقائية بحسب الأولويات واحتياجات المجتمع البحريني من خلال الإحصاءات المتوافرة لدينا.
وتضيف الجلاهمة: «تأتي أهمية هذه البرامج من منطلق ضرورة تجنيب الأفراد مخاطر أمراض الدم الوراثية، فنحن نتكلم عن مجتمع منتج ويشهد المجال الإنمائي فيه تزايدا كبيرا وكذلك نتكلم عن أناس قادرين على العمل بصورة جيدة وكذلك طلبة قادرين على بناء مستقبلهم بصورة افضل من دون غياب او حاجة إلى دخول المستشفى بين الحين والآخر وتأتي أهمية الفحص أيضا لمساعدة الشخص المصاب لكي يستطيع أن يحدد حياته بصورة افضل ويختار زوجا سليما، فالزواج بين فردين مصابين يفرض نسبة معينة من احتمال أن يصاب الأطفال بالمرض أو يحملوه.
الجلاهمة ترى أن ثقافة مفهوم الزواج المتعارف عليها في مجتمعنا تنحصر في معرفة الشخص واطباعه ومستواه التعليمي والمادي و...الخ، ولكن إذا تم إقرار قانون الفحص الإلزامي للمقدمين على الزواج فإن ذلك يقدم إلى الزوجين الفرصة للتعرف على حالهما الصحية قبل الزواج وبعده ويترك القرار لهما إذا أرادا أن يقدما على هذه الخطوة أم لا.
وتقول الجلاهمة: «الفحص الطبي قبل الزواج متوافر بصورة مجانية في مختلف المراكز الصحية وقد كان الإقبال عليه في السابق لا يتعدى 6 في المئة وبفضل برامج التوعية اصبح الإقبال عليه25 في المئة» إلا أننا نتطلع إلى زيادة الوعي به والإقبال عليه.
التثقيف الصحي
وترى الجلاهمة انه إذا تم توفير التثقيف الصحي اللازم من قبل وزارة الصحة للناس وتم توفير الفحص الطبي قبل الزواج لكي يتم إعلامهم في حال الإصابة فإن الوزارة تكون قد قدمت أرضية جيدة للناس يستطيعون أن يبنوا قراراتهم عليها بصورة سليمة.
و
العدد 215 - الثلثاء 08 أبريل 2003م الموافق 05 صفر 1424هـ